-
قناة تهتم بتفسير القران الكريم والسنة النبوية
- أرسل قناتك هنا أصعدها لك ألف عضو دون مقابل🔥:
@taoasoul_al_bot
﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾
[ سورة المائدة: 28]
الشيخ: وهذا مُراد ابن جرير: بِإِثْمِي بقتلي، وَإِثْمِكَ معاصيك .....، ما هو بمعاصي المقتول، معاصيه هو: القاتل.
هذا لفظه، ثم أورد على هذا سؤالًا حاصله: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثمُ قتله وإثمُ نفسه، مع أنَّ قتله له مُحرّم؟!
وأجاب بما حاصله: أنَّ هابيل أخبر عن نفسه بأنَّه لا يُقاتل أخاه إن قاتله، بل يكفّ عنه يده؛ طالبًا إن وقع قتلٌ أن يكون من أخيه، لا منه.
قلت: وهذا الكلام مُتضمن موعظةً له لو اتَّعظ، وزجرًا له لو انزجر؛ ولهذا قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي: تتحمّل إثمي وإثمك، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29].
قال ابنُ عباس: خوَّفه بالنار فلم ينتهِ ولم ينزجر.
وقوله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:30] أي: فحسَّنت وسوَّلت له نفسُه وشجَّعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة، وهذا الزَّجر.
وقد تقدّم في الرواية عن أبي جعفر الباقر -وهو محمد بن علي بن الحسين- أنَّه قتله بحديدةٍ في يده.
وقال السّدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباسٍ. وعن مرة بن عبدالله، وعن ناسٍ من أصحاب النبي ﷺ: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فطلبه ليقتله، فراغ الغلامُ منه في رؤوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له، وهو نائم، فرفع صخرةً فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء. رواه ابنُ جرير.
وعن بعض أهل الكتاب أنَّه قتله خنقًا وعضًّا كما تقتل السِّباع.
الشيخ: الأمر في هذا ..... ما فيه حاجة للتَّكلف، قتله وانتهينا، سواء قتله بحجرٍ، أو بعصا، أو بحديدةٍ، أو بخنقٍ، ما يُخالف، ما في حاجة للتَّكلف لمعرفة النوع، المهم أنَّه قتله، نسأل الله العافية، والله المستعان.
وقال ابنُ جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عُنقه، فأخذ إبليسُ دابَّةً ووضع رأسَها على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. رواه ابنُ أبي حاتم.
الشيخ: كل هذا من خُرافات بني إسرائيل، ما يُلتفت إليها، المهم أنَّه قتله وانتهى الأمر، والله المستعان.
وقال عبدالله بن وهب: عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه، ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليسُ فقال: أتُريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصَّخرة فاطرحها على رأسه. قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليسُ إلى حواء مُسرعًا فقال: يا حواء، إنَّ قابيل قتل هابيل. فقالت له: ويحك! وأي شيءٍ يكون القتل؟ قال: لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتحرك. قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت. فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدمُ وهي تصيح، فقال: ما لكِ؟ فلم تُكلّمه، فرجع إليها مرتين فلم تُكلّمه، فقال: عليك الصَّيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ أي: في الدنيا والآخرة، وأي خسارةٍ أعظم من هذه؟!
وقد قال الإمامُ أحمد: حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن عبدالله بن مرة، عن مسروق، عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله ﷺ: لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنَّه كان أول مَن سنَّ القتل.
وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرقٍ عن الأعمش، به.
الشيخ: نسأل الله العافية.
س: ما ذهب إليه ابنُ جرير في قوله: وَإِثْمِكَ أي: الخطايا الأخرى ..... القتل؟
ج: وَإِثْمِكَ المعنى: خطاياك، خطايا قابيل، ما هو بخطاياه هو، خطايا قابيل، بِإِثْمِي بقتلي، وَإِثْمِكَ يعني: خطاياك السَّابقة، نسأل الله العافية.
س: هذا اختيار ابن جرير؟
ج: إيه، نعم .....، يعني: يحمل خطايا هابيل زيادة، غير القتل، يعني: عليه إثم القتل، وعليه إثم خطايا هابيل. وهذا غلطٌ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].
س: إذا قتل رجلٌ ابنته من أجل العار، ثم أسلم، فهل الإسلام يجبّ هذا .....؟
ج: الإسلام يجُبّ ما قبله، مثلما قال ﷺ: الإسلام يجُبّ ما قبله إذا تاب توبةً صادقةً، نعم.
تفسير قوله تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ..}
play
-28:44
max volume
كذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن أبي هريرة، وخباب بن الأرت، وأبي بكر، وابن مسعود، وأبي واقد، وأبي موسى، وخرشة.
ورواه بعضُهم عن الليث بن سعد، وزاد في الإسناد رجلًا، قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي.
قلتُ: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرّملي: حدثنا الفضل، عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بشر بن سعيد، عن حسين بن عبدالرحمن الأشجعي: أنَّه سمع سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ في هذا الحديث قال: فقلتُ: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: كن كابن آدم، وتلا يزيد: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28].
قال أيوب السّختياني: إنَّ أول مَن أخذ بهذه الآية من هذه الأمّة: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لعثمان بن عفان . رواه ابن أبي حاتم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم: حدثني أبو عمران الجوني.
الشيخ: مرحوم؟! أيش الذي عندكم؟
طالب: حدثنا ابنُ حزم.
طالب آخر: ونسخة ثالثة: ابن حرم.
الشيخ: الذي عندك: مرحوم؟
قارئ المتن: نعم.
الشيخ: أيش بعده؟
حدثني أبو عمران الجوني، عن عبدالله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ.
الشيخ: حطّ عليه إشارة، وراجع "المسند": مسند أبي ذر.
قال: ركب النبي ﷺ حمارًا وأردفني خلفه، وقال: يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوعٌ شديدٌ لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ قال: قال: الله ورسوله أعلم. قال: تعفف، قال: يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موتٌ شديدٌ يكون البيتُ فيه بالعبد –يعني: القبر- كيف تصنع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: اصبر، قال: يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناسُ بعضهم بعضًا –يعني- حتى تغرق حجارةُ الزيت من الدِّماء، كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك، قال: فإن لم أترك؟ قال: فائتِ مَن أنت منهم فكن منهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: فإذًا تُشاركهم فيما هم فيه، ولكن إذا خشيتَ أن يردعك شعاع السيف فألقِ طرفَ ردائك على وجهك؛ كي يبوء بإثمه وإثمك.
مداخلة: أحسن الله إليكم يا شيخ، في "الخلاصة" يا شيخ: مرحوم بن عبدالعزيز العطار، أبو محمد، البصري، عن أبيه وأبي عمران الجوني، وعنه ابن المديني وخليفة، وثَّقه النَّسائي.
الشيخ: هذا يُؤيد أنَّه مرحوم؛ لأنَّ أبا عمران الجوني هو شيخه الآن.
طالب: في "المسند": مرحوم.
الشيخ: صلّحوها مثل الذي عند الشيخ عمر، الذي عنده .....، أو ابن حزم كذلك، مرحوم اتَّضح من "المسند"، واتَّضح من "الخلاصة"، نعم.
..............
س: الصَّبر على ظلم الولاة هل يشمل الأعراض؟
ج: الأصل المدافعة، هذا الأصل، المسلم يدفع عن نفسه، هذا هو الأصل، المظلوم يدفع عن نفسه إلا عند اشتباه الأمور، وكون الفتنة عظيمة وكبيرة، ويغلب على ظنِّه أنَّ الرجل الذي جاءه يعتقد أنَّه مُصيب، وأنه مُحقّ، وإلا فالأصل المدافعة، هذا هو الأصل، إذا اشتبهت الأمور فالمسلم يُدافع عن عِرْضِه، وعن نفسه جميعًا، هذا هو الأصل، هذا الثابت، هذا الأصل، نعم.
............
وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم: حدثني أبو عمران الجوني، عن عبدالله بن الصَّامت، عن أبي ذرٍّ، قال: ركب النبيُّ ﷺ حمارًا، وأردفني خلفه، وقال: يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوعٌ شديدٌ لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ قال: قال: الله ورسوله أعلم. قال: تعفف، قال: يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موتٌ شديدٌ يكون البيت فيه بالعبد –يعني: القبر.
الشيخ: يراجع الأصل ..... بالعدِّ، يعني: يموت فيه الجماعة، يعني: يكون موتٌ في الناس، حتى يكون البيتُ مقبرةً للجماعة، أما "بالعبد": يكون البيت فيه بالعبد؟! ضع عليه إشارة، يُراجع الأصل، معك "المسند"؟ أيش قال في "المسند"؟
الطالب: بالعبد.
الشيخ: بـ"المسند"؟
الطالب: نعم، أحسن الله إليك.
الشيخ: ما يُخالف.
الطالب: بالعبد، يعني: بالقبر.
قارئ المتن: ذكر فيه حاشية، يقول: والمعنى: أنَّ مواضع القبور تضيق فيبتاعون كل قبرٍ بعبدٍ.
الشيخ: أخشى أن يكون تصحيفًا، وأن يكون البيتُ بالعدِّ، يكون بالعدد من الموتى، وأيش بعده؟
كيف تصنع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: اصبر، قال: يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا –يعني- حتى تغرق حجارةُ الزيت من الدِّماء، كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم.
تفسير الطبري : معنى الآية 28 من سورة المائدة
القول في تأويل قوله عز ذكره :
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 28 )
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه= لما قال له أخوه القاتل:
لأقتلنك=: والله " لئن بسطت إليَّ يدك "، يقول: مددت إليَّ يدك=" لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك "،
يقول: ما أنا بمادٍّ يدي إليك ( 104 ) " لأقتلك ".
* * *وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه، ولم يمانعه ما فَعَل به.
فقال بعضهم:
قال ذلك، إعلامًا منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به.
( 105 )ذكر من قال ذلك:11727 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو أنه قال:
وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه.
حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:
" لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك "، ما أنا بمنتصر، ( 107 ) ولأمسكنَّ يدي عنك.
* * *وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه: [ إلا ] أن الله عزّ ذكره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه.
( 108 )ذكر من قال ذلك:11729 -
حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول في قوله: " لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك "،
قال مجاهد: كان كُتب عليهم،
( 109 ) إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه.
* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال:
إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه:
" ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك "،
لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله.
فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله،
فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه،
كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه.
بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ.
( 110 )
فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه.
* * *وأما تأويل قوله:
" إنّي أخاف الله رب العالمين "
فإنه: إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك= ( 111 ) " رب العالمين "، يعني: مالك الخلائق كلها ( 112 ) =أن يعاقبني على بسط يدي إليك.
تفسير القرطبي : معنى الآية 28 من سورة المائدة
قوله تعالى :
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين
قوله تعالى : لئن بسطت إلي يدك الآية .
أي : لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك ; فهذا استسلام منه .
وفي الخبر :
( إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم ) ،
وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول الله :
إن دخل علي بيتي وبسط يده إلي ليقتلني ؟
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن كخير ابني آدم وتلا هذه الآية لئن بسطت إلي يدك لتقتلني .
قال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا ، وألا يمتنع ممن يريد قتله .
قال علماؤنا : وذلك مما يجوز ورود التعبد به ، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا ، وفي وجوب ذلك عليه خلاف ، والأصح وجوب ذلك ;
لما فيه من النهي عن المنكر ، وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع ; واحتجوا بحديث أبي ذر ،
وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة ، وكف اليد عند الشبهة ;
على ما بيناه في كتاب " التذكرة " ،
وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس : كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج .
قال ابن عطية :
وهذا هو الأظهر ،
ومن هاهنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر ;
لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه ،
وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ، ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة ;
ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه ، وقيل :
المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي ،
وعلى هذا قيل : كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ، ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي ،
وقيل : لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل .
وقيل :
أراد لئن بسطت إلي يدك ظلما فما أنا بظالم ; إني أخاف الله رب العالمين .
تفسير السعدي : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط
{ لَئِن بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ } وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا.
وإنما ذلك لأني { أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار.
وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه.
المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار
لئن مَدَدتَّ يدك إليّ تقصد قتلي فلست مجازيك بمثل صنيعك، ذلك ليس جبنًا مني، ولكني أخاف الله رب المخلوقات.
﴿ ۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
[ سورة المائدة: 27]
قال الله تعالى عن ابني آدم عليه السلام :
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) المائدة/ 27 .. الآيات .
قال ابن كثير رحمه الله :
" وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف ،
أن الله تعالى قد شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ، ولكن قالوا :
كان يُولَد له في كل بطن ذكر وأنثى ، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر ، وكانت أخت هابيل دَميمةً ، وأخت قابيل وضيئةً ،
فأراد أن يستأثر بها على أخيه ، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانًا ، فمن تقبل منه فهي له ، فقربا فَتُقُبِّل من هابيل ولم يتَقَبَّل من قابيل ، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه " انتهى .
"تفسير ابن كثير" (3 /82) .
أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يَزَل ولا يزال فعّالًا، لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السماوات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها، لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علّمنا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الترغيب في التقوى؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر، وإنما قصد مصلحة الغير؛ لقول هذا الذي تُقُبِّل منه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن هذه الجملة يا إخوانّا، هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخرًا بنفسه، وتصلح لأن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالًا بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين.
وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَیۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانࣰا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ یُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِین
تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين (١٤٢١ هـ)
✕
﴿۞ وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَیۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانࣰا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ یُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة ٢٧]
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة ٢٧-٣٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمره سبحانه وتعالى أن يتلو عليهم هذا النبأ لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أُمِر النبي ﷺ أن يبلّغه ويبين لهم القرآن لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤].
وقوله: ﴿نَبَأَ﴾: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر يكون في الهام وغيره. وقوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، لكن هذين ابنان لصلبه، أحدهما: اسمه هابيل، والثاني: اسمه قابيل.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوصف به الخبر، ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو الصدق، وإن كان الحكم فهو العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، فقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف.
وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ هذا متعلق بـ﴿نَبَأَ﴾ أي: نبأهم حين قرَّبَا قربانًا، وهو في محل حال من النبأ؛ يعني: هذه الحال هما قرَّبَا قربانًا، ولم يبينه الله عز وجل هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، لم يبينه الله، ولو كان في بيانه مصلحة لبيّنه الله عز وجل، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان، وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه في التفسير؛ أن ما أبهمه الله فهو مبهم ولا حاجة أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ المراد به ما يُتقرب به إلى الله عز وجل.
﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، والمتقبِّل هو الله، وأُبهم للعلم به كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك، وأُبهم للعلم به.
﴿تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، من الذي تُقُبِّل منه؟ هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه؟ إما أن يكون كما ذُكِر عمن سبق أنهم إذا غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علِمَا ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو غير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما علِمَا أن هذا قُبِل وهذا لم يُقبل؛ ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله عز وجل، كما سيأتي في
ج: يُدافع عن نفسه، الأفضل أن يُدافع عن نفسه إلا في الفتن والاشتباه.
وقال محمد بن إسحاق: عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إنَّ آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح توأمة قابيل، فسلّم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره؛ تكرُّمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحقّ بأختي.
ويقول بعضُ أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أختُ قابيل من أحسن الناس، فضنَّ بها على أخيه، وأرادها لنفسه. والله أعلم أيّ ذلك كان، فقال له أبوه: يا بني، إنَّها لا تحلّ لك. فأبى قابيلُ أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني، قرّب قُربانًا، ويُقرّب أخوك هابيل قُربانًا، فأيّكما تُقبّل قُربانه فهو أحقّ بها.
وكان قابيلُ على بذر الأرض، وكان هابيلُ على رعاية الماشية، فقرّب قابيلُ قمحًا، وقرّب هابيل أبكارًا من أبكار غنمه.
وبعضهم يقول: قرّب بقرةً، فأرسل الله نارًا بيضاء فأكلت قُربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله. رواه ابن جرير.
الشيخ: نعم، يعني: بأكل النار.
وقال العوفي: عن ابن عباسٍ، قال: من شأنهما أنَّه لم يكن مسكين يتصدّق عليه، وإنما كان القُربان يُقرّبه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قرّبنا قربانًا. وكان الرجلُ إذا قرَّب قُربانًا فرضيه الله أرسل إليه نارًا فتأكله، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار.
فقرّبا قربانًا، وكان أحدُهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإن صاحبَ الغنم قرّب خير غنمه وأسمنها، وقرّب الآخرُ بعض زرعه، فجاءت النارُ فنزلت بينهما، فأكلت الشاة، وتركت الزرع.
وإنَّ ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنَّك قرّبت قربانًا فتُقبّل منك ورُدَّ عليَّ! فلا والله لا ينظر الناس إليَّ وأنت خيرٌ مني. فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]. رواه ابن جرير.
فهذا الأثر يقتضي أنَّ تقريب القُربان كان لا عن سببٍ، ولا عن تدارؤ في امرأةٍ كما تقدّم عن جماعةٍ ممن تقدّم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن: إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، فالسياق يقتضي أنَّه إنما غضب عليه وحسده بقبول قُربانه دونه.
ثم المشهور عند الجمهور أنَّ الذي قرّب الشاة هو هابيل، وأنَّ الذي قرّب الطعام هو قابيل، وأنَّه تقبّل من هابيل شاته، حتى قال ابنُ عباسٍ وغيره: إنَّه الكبش الذي فُدي به الذَّبيح. وهو مناسبٌ، والله أعلم، ولم يتقبّل من قابيل.
كذلك نصَّ عليه غير واحدٍ من السلف والخلف، وهو المشهور عن مجاهد أيضًا، ولكن روى ابنُ جرير عنه أنَّه قال: الذي قرّب الزرع قابيل، وهو المتقبّل منه. وهذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيدًا، والله أعلم.
الشيخ: يكفي ما ذكره الله، والتَّفصيل: كونه بسبب أخت هذا، أو أخت هذا، أو بسبب كذا أو كذا، هذا شيء آخر يرجع إلى النص، لا يجزم بشيءٍ إلا بالنص عن الله وعن رسوله ﷺ، ولكن يكفي ما نصّ الله عليه: أنهما قرّبا فتقبّل من هذا، ولم يُتقبّل من هذا، والله سبحانه حكيمٌ عليمٌ، إنما تقبّل ممن تقبّل منه لتوفر الشروط ..... للقبول فيه، وذاك ردّ عليه لتقصيره، نعم.
س: هل ثبت خبرٌ في اسم قابيل وهابيل؟
ج: ما أعلم شيئًا في هذا إلا الحديث الصَّحيح: ما قُتلت نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنَّه أول مَن سنَّ القتل، أما قابيل وهابيل فهو مشهورٌ بين المفسّرين والمؤرخين.
س: ..............؟
ج: ما عليه دليل، هذا من أخبار بني إسرائيل.
ومعنى قوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي: ممن اتَّقى الله في فعله ذلك.
الشيخ: والمعنى: إنما يتقبّل الله ممن توفّرت فيه الشروط: مَن أخلص لله، ووافق شرعه، فهو متَّقٍ، المتَّقي هو الذي يستقيم على أمر الله، ويتقرّب إليه؛ إخلاصًا ومحبَّةً وتعظيمًا ومُوافقةً للشرع، هذا الذي يتقبّل منه، الذي تُوافق أعماله الشّرع، مع الإخلاص لله، والتعظيم، والمحبّة، فالمتقون هم الذين آمنوا بالله ورسوله، وتقرَّبوا إليه عن إخلاصٍ وصدقٍ وإيمانٍ، لا عن رياءٍ، ولا عن سمعةٍ، نعم.
وقال ابنُ أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق: حدثنا إسماعيل بن عياش: حدثني صفوان بن عمرو، عن تميم –يعني: ابن مالك- المقري، قال: سمعت أبا الدَّرداء يقول: لأن أستيقن أنَّ الله قد تقبّل لي صلاةً واحدةً أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إنَّ الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
قول الله تعالى :
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/1 .
قال ابن جرير الطبري رحمه الله :
"ذُكر أن حواء ولدت لآدم عليه السلام عشرين ومائة بطن ، أولهم قابيل وتوأمته قليما ، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث .
وأما ابن إسحاق فذُكر عنه أن جميع ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطنا ،
وقال : قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض" انتهى .
"تاريخ الأمم والملوك" (1/98) .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله :
"وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته - من أولاده وأولاد أولاده - أربعمائة ألف نسمة ، والله أعلم" انتهى .
"البداية والنهاية" (1/96) .
*⬛️ الــحـسـد ❹ ⬛️*
*◾️ قبح الحسد ◾️*
❶ قال الله تعالى:
*( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ )* سورة الكهف آية50
💡 *أول ذنب عصي الله به في السماء*
❷ قال الله تعالى:
*( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )* سورة المائدة 27
💡 *أول ذنب عصي الله به في الأرض*
❸ قال الله تعالى:
*( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم)* سورة البقرة آية109
💡 *أنه من صفات الكفار من اليهود والنصارى*
❹ قال النبي ﷺ :
*🔺( لا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم ، ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد )🔺*
📜 صححه الالباني صحيح الجامع 7620
💡 *أنه يضاد الإيمان بالله تعالى*
❺ قال النبي ﷺ :
*🔺( دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، أما إني لا أقول : تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين )🔺*
📜 صحيح الترغيب 2888 حسن لغيره
💡 *أنه داء وقع فيه جميع الأمم من قبلنا*
*ـــــــــــــــــــــــــ*
ما هي السورة التي لا تبدأ بالبسملة ؟ 🤔
◯ التوبة
◯ البقرة
◯ الفاتحة
الشيخ محمد بن صالح العثيمين / تفسير القرآن الكريم
تفسير سورة المائدة-
تفسيرقول الله تعالى :
<< لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآأنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين >>
ثم قال: (( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني )) بسطتها أي مدتها مدا تصل به إليه (( لتقتلني ))
اللام للتعليل أي لأجل أن تقتلني
(( ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك )) يعني أن هذا الرجل قال لأخيه:
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني فأنا لن أبسط يدي إليك لأقتلك ،
والمعنى أنني لا أقتلتك وهو صريح في هذا ، ولكن هل هذا يتضمن أني لا أدافع عن نفسي ؟
فيه احتمال أن المراد ما أنا بمدافع عن نفسي بل سأستسلم ،
أو أن المعنى ما أنا بقاصد قتلك ، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة . (( إني أخاف الله رب العالمين ))
لما قال: (( ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك )) قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك فبين أنه ليس بعاجز ولكنه يخاف الله ، وقوله: (( أخاف الله رب العالمين )) أي خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم ، والعالم كل من سوى الله فهو عالم ، وإنما سموا بذلك لأنهم علم على خالقهم ، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله عزوجل وتمام ملكه وسلطانه وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.
قال: اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك، قال: فإن لم أترك؟ قال: فائتِ مَن أنت منهم فكن منهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: فإذًا تُشاركهم فيما هم فيه، ولكن إذا خشيتَ أن يردعك شعاع السيف فألقِ طرف ردائك على وجهك؛ كي يبوء بإثمه وإثمك.
ورواه مسلم وأهل السُّنن -سوى النَّسائي- من طرقٍ عن أبي عمران الجوني، عن عبدالله بن الصامت، به.
الشيخ: يُراجع "المسند"، شيخ عمر، تُراجع "المسند" من جهة المتن.
ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن المشعث بن طريف، عن عبدالله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ بنحوه، قال أبو داود: ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد.
وقال ابنُ مردويه: حدَّثنا محمد بن علي بن دحيم: حدثنا أحمد بن حازم: حدثنا قبيصة بن عقبة: حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حُذيفة، فسمعتُ رجلًا يقول: سمعتُ هذا يقول في ناسٍ: مما سمعتُ من رسول الله ﷺ: لئن اقتتلتم لأنظرنَّ إلى أقصى بيتٍ في داري فلَأَلِجَنَّه، فلئن دخل عليَّ فلان لأقولنَّ: ها، بُؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم.
وقوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29]، قال ابنُ عباسٍ ومجاهد والضّحاك وقتادة والسّدي في قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي: بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك. قاله ابن جرير.
وقال آخرون: يعني بذلك أني أُريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمّل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. وهذا قولٌ وجدتُه عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا؛ لأنَّ الصحيح من الرواية عنه خلافه، يعني: ما رواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي قال: بقتلك إياي، وَإِثْمِكَ قال: بما كان منك قبل ذلك.
وكذا رواه عيسى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله.
وروى شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول: إني أُريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعًا.
قلتُ: وقد يتوهم كثيرٌ من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصلَ له: ما ترك القاتلُ على المقتول من ذنبٍ.
وقد روى الحافظُ أبو بكر البزار حديثًا يُشبه هذا، ولكن ليس به، فقال: حدثنا عمرو بن علي: حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني: حدثنا يعقوب بن عبدالله: حدثنا عتبة بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ: قتل الصَّبر لا يمرّ بذنبٍ إلا محاه، وهذا بهذا لا يصحّ، ولو صحَّ فمعناه: أنَّ الله يُكفّر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأمَّا أن تُحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتّفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإنَّ المقتول يُطالب القاتل في العرصات، فيُؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوفِ حقَّه؛ أُخذ من سيئات المقتول فطُرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وُضعت على القاتل.
الشيخ: وهذا مثلما جاء في الحديث الصحيح: أنَّ العبد إذا تعدَّى وظلم يوم القيامة يُقتصّ للمظلومين منه، من حسناته، فإذا فنيت حسناته أُخذ من سيئاتهم فحمل عليه، ثم طُرح في النار، نسأل الله العافية.
والحاصل أنَّ القاتل يبوء بإثم خطيئته السَّابقة، وبإثم المقتول؛ إثم القتل، أما المقتول فهو مظلوم، وقد تكون هذه الظلامة يُكفّر الله بها سيئاته وخطاياه؛ لكونه مظلومًا مُعتدًى عليه، كسائر المصائب، فالمصائب يُكفّر الله بها الخطايا، نعم.
وقد صحَّ الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلِّها، والقتل من أعظمها وأشدّها، والله أعلم.
وأمَّا ابن جرير فقال: والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنَّ تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي، وأمَّا معنى وَإِثْمِكَ فهو إثمه بغير قتله.
مداخلة: يعني: قتله.
الشيخ: وأمَّا إثمك؟
وأمَّا معنى وَإِثْمِكَ فهو إثمه بغير قتله.
الشيخ: يعني: المعاصي الأخرى، معاصٍ يُقابلها.
الطالب: ذكر في الحاشية: قال: "وإثمه" يعني: وقتله، والمثبت من تفسير ابن جرير الطَّبري.
الشيخ: وأيش بعده؟
وذلك معصيته الله في أعمالٍ سواه.
الشيخ: وأنتم عندكم شيء غير هذا؟
طالب: فهو إثمه، يعني: قتله.
الشيخ: لا، لا، وأمَّا وَإِثْمِكَ؟
وأمَّا معنى وَإِثْمِكَ فهو إثمه بغير قتله.
الشيخ: نعم، بالمعاصي الأخرى، بإثمه: بقتله، أو بإثمك يعني: بمعاصيك الأخرى وذنوبك الأخرى التي ارتكبتها، يعني: تجتمع عليك الذنوب كلّها: إثم القتل، والإثم الآخر الذي بُؤت به، فالذي عندك يا شيخ عمر طيب.
وإنما قلنا: ذلك هو الصواب؛ لإجماع أهل التَّأويل عليه، وأنَّ الله أخبرنا أنَّ كل عاملٍ فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان هذا حكمه في خلقه فغير جائزٍ أن تكون آثامُ المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يُؤخذ القاتلُ بإثمه بالقتل المحرّم، وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبه قتيله.
لَىِٕنۢ بَسَطتَ إِلَیَّ یَدَكَ لِتَقۡتُلَنِی مَاۤ أَنَا۠ بِبَاسِطࣲ یَدِیَ إِلَیۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ
تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين (١٤٢١ هـ)
✕
﴿لَىِٕنۢ بَسَطتَ إِلَیَّ یَدَكَ لِتَقۡتُلَنِی مَاۤ أَنَا۠ بِبَاسِطࣲ یَدِیَ إِلَیۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [المائدة ٢٨]
ثم قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ بسطتها أي: مددتها مدًّا تصل به إليّ.
﴿لِتَقْتُلَنِي﴾ اللام للتعليل، أي: لأجل أن تقتلني.
﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ يعني أن هذا الرجل قال لأخيه: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني فأنا لن أبسط يدي إليك لأقتلك، والمعنى أنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا، ولكن هل هذا يتضمن أني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد ما أنا بمدافع عن نفسي، بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة.
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، لما قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله.
وقوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، وإنما سُمُّوا بذلك؛ لأنهم علَم على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله عز وجل وتمام ملكه وسلطانه وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.
في هذه الآية: أن هذا الرجل الذي هُدِّد بالقتل امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأنه قلنا: إنه يحتمل أنه يقول: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، على كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي ﷺ «أمر من أراده على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله، وبيّن أن القاتل المدافع إذا قُتِل فهو شهيد»(١)، وأن الآخر الصائل إذا قُتِل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه، ولكن العلماء -رحمهم الله- قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة؛ يترتب إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان رضي الله عنه للقَتَلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا اشتبكوا بهؤلاء الخوارج، ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح أن يقال: إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه إذا لم يندفع إلا بالقتل، إلا في حال الفتنة التي يترتب على المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضررًا، فهنا يجب الاستسلام درءًا للمفسدة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع عن شيء محرم أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزًا ولا خوفًا، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك في قوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ونظير هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الصائم: «إِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»(٢)؛ ليبين أنه لم يقاتله عجزًا ولا ضعفًا، ولكن لأجل الصيام الذي يُنهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابّة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته؛ لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا شك في هذا؛ أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرجاء هو أقوى الأسباب الموجِبة للطاعة والرغبة فيما عند الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم ربوبية الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) من حديث سعيد بن زيد، والحديث في الصحيحين مختصر من حديث عبد الله بن عمرو؛ البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١ / ٢٢٦).
(٢) متفق عليه؛ البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٠) من حديث أبي هريرة.
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط: تفسير ابن كثير
وقوله :
{ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين }
يقول له أخوه الرجل الصالح ، الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه : { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } أي:
لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله ، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ،
{ إني أخاف الله رب العالمين } أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع ، بل أصبر وأحتسب .
قال عبد الله بن عمرو :
وايم الله ، إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج ، يعني الورع .
ولهذا ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار " .
قالوا : يا رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال :
" إنه كان حريصا على قتل صاحبه " .
وقال الإمام أحمد :
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بسر بن سعيد ; أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان :
أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي " .
قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال :
" كن كابن آدم " .
وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد وقال : هذا الحديث حسن ، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكرة وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة . ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلا .
قال الحافظ ابن عساكر : الرجل هو حسين الأشجعي .
قلت : وقد رواه أبو داود من طريقه فقال : حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا المفضل عن عياش بن عباس عن بكير عن بسر بن سعيد عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي ; أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال : فقلت :
يا رسول الله ، أرأيت إن دخل علي بيتي وبسط يده ليقتلني؟
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كن كابن آدم "
وتلا يزيد : { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين }
قال أيوب السختياني :
إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة : { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين } لعثمان بن عفان رضي الله عنه . رواه ابن أبي حاتم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا مرحوم حدثني أبو عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال :
ركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه ، وقال :
" يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك ، كيف تصنع؟ "
. قال : قال الله ورسوله أعلم . قال : " تعفف " قال :
" يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد ، ويكون البيت فيه بالعبد ، يعني القبر ، كيف تصنع؟ "
قلت : الله ورسوله أعلم .
قال : " اصبر " .
قال : " يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا ، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء ، كيف تصنع؟ " .
قال : الله ورسوله أعلم .
قال : " اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك " . قال : فإن لم أترك؟
قال : " فأت من أنت منهم ، فكن فيهم قال : فآخذ سلاحي؟
قال : " إذا تشاركهم فيما هم فيه ، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف ، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك " .
رواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي من طرق عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت به ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران عن المشعث بن طريف عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه .
قال أبو داود : ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد .
وقال ابن مردويه :
حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي قال :
كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلا يقول : سمعت هذا يقول في ناس : مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري ، فلألجنه ، فلئن دخل علي فلان لأقولن : ها بؤ بإثمي وإثمك ، فأكون كخير ابني آدم .
تفسير البغوي : مضمون الآية 28 من سورة المائدة
( لئن بسطت ) أي : مددت ، ( إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) قال عبد الله بن عمر : وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده ، وهذا في شرع آدم جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلبا للأجر كما فعل عثمان رضي الله عنه ، قال مجاهد : كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ويصبر .
تفسير الجلالين : معنى و تأويل الآية 28
«لئن» لام قسم «بسطت» مددت «إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين» في قتلك.
التفسير الميسر : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط
وقال هابيلُ واعظًا أخاه: لَئنْ مَدَدْتَ إليَّ يدكَ لتقتُلني لا تَجِدُ مني مثل فعْلك، وإني أخشى الله ربَّ الخلائق أجمعين.
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلا قال : (يا رسول الله ! أنبيٌّ كان آدم ؟
قال : نعم ، مكلَّم .
قال : فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال : عشرة قرون) .
رواه ابن حبان في "صحيحه" (14/69) والحاكم في "المستدرك" (2/262) وقال : صحيح على شرط مسلم ،
ووافقه الذهبي .
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (1/94) : هذا على شرط مسلم ولم يخرجه .
وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2668 ، 3289) .
روى ابن أبي حاتم : عن ابن عباس قال :
" نهي أن تنكح المرأة أخاها تَوْأمها ، وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها ،
وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة ، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة ، وولد له أخرى قبيحة دميمة ، فقال أخو الدميمة : أنكحني أختك وأنكحك أختي .
قال : لا أنا أحق بأختي ، فقربا قربانا ، فتقبل من صاحب الكبش ، ولم يتقبل من صاحب الزرع ، فقتله "
قال ابن كثير رحمه الله : إسناده جيد .
"تفسير ابن كثير" (3 /83) .
وانظر : "تفسير ابن جيري" (10/206) - "تفسير البغوي" (3 /41) – "تفسير الثعلبي" (ص 732) – "الجامع لأحكام القرآن" (6 /134) – "زاد المسير" (2 /332) –"البداية والنهاية" (1 /103) .
تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه إما بهذا القربان الذي قرّبه، يعني أنه غصبه أو سرقه أو تملّكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح.
﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ القائل هو الذي لم يُتقبّل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه.
﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، يعني: إن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا، يعني لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، والجملة هنا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جملة حصرية، طريق الحصر فيها (إنما)، يعني لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي هو الذي قام بطاعة الله، فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: أهمية هذه القصة، ووجهه أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتلوها على الأمة أمرًا خاصًّا؛ لقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾.
* ومنها: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله ﷺ من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العِبر، وكلما كان الشيء أشد كان الاهتمام به أقوى، فمثلًا ينبغي لنا، بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي ﷺ منذ وُلِد إلى أن تُوفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله وأخلاقه حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما تزيد الإنسان إيمانًا ومحبة له وتُقَوِّي التأسي به عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية: أن كل ما أخبر الله به فهو حق؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ولا يقال: إن هذا قيد، وأنه قد يكون ما يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام غير حق، بل هذا بيان للواقع؛ فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفَرْق كما بين السماء والأرض؛ إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يُحْرَم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني أيش؟ حُرِم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملًا واحدًا فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له الحكم في القبول والرد؛ يتقبل ولا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله تعالى جعل للقبول ميزانًا وجعل للرد ميزانًا؛ فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عملت على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فمن وُفِّق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وُفِّق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرجاء من الإنسان في الله عز وجل ما نشط عن العمل وقام به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لقبول الأعمال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهل المراد تقبُّل الأعمال فقط أو تقبّل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم؛ ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن غير المتقي لا يُقبل منه، فهل المراد لا يُقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يُقبل؛ فإن الله لا يقبل عملًا مبنيًّا على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب؛ أي: غصب شيئًا وتصدق به فإنه لا يُقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس هذا الذي عمله الإنسان لربه عز وجل، ولو صلّى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي فصلّاها في وقت النهي فإنها لا تُقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته، أما إذا كانت التقوى مختلّة في غير هذا العمل فقد يُحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ، وقد يُجاب ويُتقبل منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة أيهما يرجّح الحسنات أو السيئات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الأفعال؛ لقوله: ﴿تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾، ولقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك، لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما
وحدثنا أبي: حدثنا عبدالله بن عمران: حدثنا إسحاق بن سليمان –يعني: الرازي-، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون ابن أبي حمزة، قال: كنتُ جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجلٌ يُقال له: أبو عفيف، من أصحاب معاذٍ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف، ألا تُحدّثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعتُه يقول: يُحبس الناسُ في بقيعٍ واحدٍ، فيُنادي مُنادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنفٍ من الرحمن، لا يحتجب اللهُ منهم ولا يستتر. قلت: مَن المتّقون؟
قال: قومٌ اتّقوا الشِّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة، فيمرّون إلى الجنّة.
الشيخ: وقال في القرآن الكريم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الحجر:45]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور:17]، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [القلم:34]، نصّ القرآن، والمتّقي هو الذي اتّقى الله: اتَّقى غضبه، اتَّقى عقابه، وأخلص له العمل، وصدق في العمل، ووافق الشرع، والمتَّقون هم المؤمنون، وهم الصَّالحون، وهم الصَّادقون، وهم الأبرار، هم الذين توافرت فيهم الشروط: فأخلصوا لله العمل، ووافقوا شرعه، نعم، يقول الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه [النساء:131].
فالمؤمنون والمتقون والمقسطون والمهتدون هم أهل الإيمان، هم أهل الهدى، هم المسلمون حقًّا، فالعبارات متنوعة، والمؤدّى واحد، المرجع واحد، وهو الإخلاص لله، والصدق في العمل، والإخلاص في العمل، ومُوافقة الشرع، فمَن توافر فيه هذا فهو متَّقٍ، وهو مسلم حقًّا، وهو مؤمن، وهو مُهتدٍ، وهو برٌّ، وهو صالحٌ، والله المستعان.
..............
س: كلام معاذ في مثل هذه الأمور المغيبة ألا يُقال: إنَّ هذا لا يُقال، إنَّ هذا من اجتهاده، وإنما هو مرفوعٌ إلى النبي ﷺ بأن المتقين ..؟
ج: الله أعلم، المقصود أنَّ أمر المتقين واضحٌ في القرآن، ويكفي.
وقوله: لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28]، يقول له أخوه الرجل الصَّالح الذي تقبّل الله قُربانه لتقواه حين توعده أخوه بالقتل على غير ما ذنبٍ منه إليه: لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ أي: لا أُقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أي: من أن أصنع كما تُريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب.
قال عبدالله بن عمرو: وايم الله، إن كان لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التَّحرج. يعني: الورع؛ ولهذا ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنَّه قال: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه.
الشيخ: وهذا الحديث في الظالمين المتقاتلين، كل واحدٍ حريص على قتل صاحبه، فيهم الوعيد، أمَّا المعتدى عليه فلا حرج عليه إذا قتل مَن ظلمه، فلا حرج عليه بالدِّفاع، كما قال -جلَّ وعلا-: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9]، فالظلم يجب ردعه، والمظلوم معذورٌ إذا دافع عن نفسه.
س: رجلٌ يقول: أنَّ رجلًا ظلمه رجلٌ آخر، فجاء يتشفّع إليَّ أن أذهب إلى الجهات المختصّة؛ لأنَّه أعطاه شيكًا بدون رصيدٍ، فيقول: أُريدك أن تتشفع لي بالجهات المختصّة حتى أردّ مالي. ولكن هذا المال بمعنى: أنه يبيع ذهبًا ربًا، بمعنى: أنه يبيعه بدَينٍ.
ج: اشفعوا تُؤْجَروا، إن كان بحقٍّ يشفع، وإن كان بباطلٍ لا يشفع، إن كان حقًّا يشفع بحقٍّ، وإن كان باطلًا لا يشفع.
س: هو حقّه؟
ج: يشفع فيه على الوجه الشَّرعي.
تفسير قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ..}
play
00:00
max volume
وقال ابنُ جرير: حدَّثنا ابنُ بشار: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبدالله بن عمرو، قال: إنَّ ابني آدم اللذين قرَّبا قُربانًا فتُقبل من أحدهما، ولم يُتقبّل من الآخر، كان أحدُهما صاحبَ حرثٍ، والآخر صاحب غنمٍ، وإنَّهما أُمِرَا أن يُقرِّبا قربانًا، وإنَّ صاحب الغنم قرَّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبةً بها نفسه، وإنَّ صاحبَ الحرث قرَّب أشرّ حرثه: الكودن والزّوان، غير طيبةٍ بها نفسه، وإنَّ الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصّتهما ما قصَّ الله في كتابه، قال: وايم الله، إن كان المقتولُ لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التَّحرج أن يبسط يده إلى أخيه.
وقال إسماعيل بن رافع المدني القاصّ: بلغني أنَّ ابني آدم لما أُمِرَا بالقربان، كان أحدُهما صاحب غنمٍ، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبّه حتى كان يُؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبِّه، حتى لم يكن له مالٌ أحبّ إليه منه، فلمَّا أُمِرَ بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم . رواه ابنُ جرير.
الشيخ: وفيما قصَّه الله الكفاية، فأخبار بني إسرائيل مثلما قال ﷺ: حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فما قصّه الله وبيَّنه لعباده فيه الكفاية: أنَّ أحدهما تقبّل منه، والآخر لم يتقبّل منه، وهذا لحكمةٍ بالغةٍ، الذي تقبّل منه كان أهلًا لذلك، والذي لم يتقبّل منه لم يكن أهلًا للقبول؛ لأسبابٍ اقتضت ذلك، فحمله البغي والحسد على قتل أخيه ظلمًا وعدوانًا، والله يُحبّ من عباده أن يتقرَّبوا إليه بالطّيبات، لا بالأسوأ من أموالهم، قال -جلَّ وعلا-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة:267]، وقال النبي ﷺ: إنَّ الله تعالى طيّبٌ لا يقبل إلا طيّبًا.
فأحدهما تقبّل منه لإخلاصه، وصدقه، وعنايته بما تقرّب به، والآخر لأسبابٍ ضدّ ذلك، والمقصود من هذا التَّحذير من الظلم، والتَّحذير من البغي، والحثّ على الصدق، والإخلاص لله، والعناية بما يتقرّب به العبد إلى ربه، وأنَّ الله غني حميد -جلَّ وعلا-، إنما يتقبّل من عباده المتّقين الذين يتّقونه ويُخلصون له ويعتنون بقُربانهم، فهذا استقام على طاعة الله، واتَّقى ربَّه في قُربانه؛ فقبل منه، والآخر بخلاف ذلك، نعم.
وقال ابنُ أبي حاتم: حدَّثنا أبي: حدثنا الأنصاري: حدثنا القاسم بن عبدالرحمن: حدثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم لهابيل وقابيل: إنَّ ربي عهد إليَّ أنه كائنٌ من ذُريتي مَن يُقرّب القربان، فقرّبا قربانًا حتى تقرّ عيني إذا تقبّل قُربانكما. فقرّبا، وكان هابيلُ صاحب غنمٍ، فقرّب أكولة.
الشيخ: الأكولة: الجيدة التي تأكل كثيرًا، السَّمينة.
فقرّب أكولة غنم، خير ماله، وكان قابيلُ صاحب زرعٍ، فقرّب مشاقةً من زرعه، فانطلق آدمُ معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قُربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم: آدم وهما ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا، وعلم آدمُ أنَّ قابيل مسخوطٌ عليه، فقال: ويلك يا قابيل! ردَّ عليك قربانك؟! فقال قابيل: أحببتَه فصلّيتَ على قربانه، ودعوتَ له؛ فتقبّل قُربانه، ورُدَّ عليَّ قرباني. فقال قابيل لهابيل: لأقتلنَّك وأستريح منك، دعا لك أبوك فصلَّى على قربانك؛ فتقبّل منك. وكان يتواعده بالقتل، إلى أن احتبس هابيلُ ذات عشيةٍ في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: وبعثتني له راعيًا! لا أدري. فقال آدم: ويلك يا قابيل! انطلق فاطلب أخاك. فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله. وأخذ معه حديدةً، فاستقبله وهو مُنقلب، فقال: يا هابيل، تقبّل قربانك، ورُدَّ عليَّ قرباني، لأقتلنك. فقال هابيل: قرّبتُ أطيب مالي، وقرّبتَ أنت أخبث مالك، وإنَّ الله لا يقبل إلا الطّيب، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]. فلمَّا قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل! أين أنت من الله؟! كيف يجزيك بعملك؟! فقتله، فطرحه في جوبةٍ من الأرض، وحثا عليه شيئًا من التراب.
مداخلة: في بعض الكتب: في حوبةٍ من الأرض.
الشيخ: المعنى مُتقارب، وجوبة أوضح، يعني: حُفرة، مثل: الجابية.
س: "فحثا عليه شيئًا من التراب" ما يُعارض القرآن؟
ج: هذا خبر إسرائيلي، ما يُعتمد عليه، هو خبر إسرائيلي، وهو ما حثا عليه إلا بعدما تعلّم من الغراب، نعم، أخبار بني إسرائيل فيها التَّناقض والتَّضارب؛ لأنها ليست من عند الله، يصدقون ويكذبون، نعم.
س: إذا اعتُدي على الإنسان، فأيّهما أفضل: أن يُدافع عن نفسه أم .....؟
هابيل وقابيل:
لا يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير عن حياة آدم عليه السلام في الأرض. لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل. حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض. وكانت قصتهما كالتالي.
كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجةهابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل منقابيل.
قال تعالى في سورة (المائدة):
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)
لاحظ كيف ينقل إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد،
ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد القاتل يرفع يده مهددا..
قال القتيل في هدوء:
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) (المائدة)
انتهى الحوار بينهما وانصرف قابيل وترك هابيل مؤقتا. بعد أيام.. كان هابيل نائما وسط غابة مشجرة..
فقام إليه أخوه قابيل فقتله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل".
جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض. كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض..
ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. ثم رأى القاتل غرابا حيابجانب جثة غراب ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر وعاد يهيل عليه التراب..
بعدها طار في الجو وهو يصرخ.
اندلع حزن قابيل على أخيه هابيل كالنار فأحرقه الندم. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، قد قتل الأفضل والأقوى. نقص أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه.
قال آدم حين عرف القصة: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) وحزن حزنا شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني. صلى آدم على ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا يعظ أبنائه وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ويروي لهم قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :
« لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوْلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ كَانَ أوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتلَ »
📕 صحيح البخاري ومسلم .
*✅ المعنى العام للحديث :-*
🔸في هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ ﷺ أنَّه لَمَّا كانَ ابنُ آدمَ الأوَّلُ الَّذي قتَلَ أخاهُ هو أوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ بِغيرِ حقٍّ؛ فإنَّ عليه وِزْرًا وكِفلًا -أي: نَصيبًا- مِن كُلِّ قتْلٍ يَحدُثُ إلى يومِ القِيامةِ.
*🔸وابنُ آدَمَ الأوَّلُ هو:* الَّذي قصَّ اللهُ سُبحانَه وتعالَى علينا قِصَّتَه في سُورةِ المائدةِ في قولِه: *{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}* [المائدة: 27 – 30]
أي: فزيَّنتْ لأحد ابني آدم نفْسُه الأمَّارةُ بالسُّوءِ قتْلَ أخيهِ ظُلمًا، فقَتَلَه، فأصبَحَ بسَببِ ذلك مِن النَّاقِصينَ أنفُسَهم حُظوظَهم في دُنْياهم وأُخْراهم.
*🔸وفي هذا الحديث:* حثٌّ على اجتِنابِ البِدَعِ والمحدَثاتِ في الدِّينِ؛ لأنَّ الَّذي يُحدِثُ البِدعةَ ربَّما تَهاوَنَ بها لخِفَّةِ أمْرِها في الأوَّلِ، ولا يَشعُرُ بما يَترتَّبُ عليها مِن المفسَدةِ، وهو أنْ يَلحَقَه إثمُ مَن عَمِلَ بها مِن بعْدِه؛ إذ كان هو الأصلَ في إحداثِها.
كما أخرَجَ مُسلمٌ في صَحيحِه* عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَليِّ رَضيَ اللهُ عنه، قال رَسولُ اللهِ ﷺ : *«مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً، فعُمِل بها بعْدَه، كُتِب له مِثلُ أجْرِ مَن عمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِن أُجورِهم شَيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيِّئةً، فعُمِلَ بها بعْدَه، كُتِب عليه مِثلُ وِزرِ مَن عَمِلَ بها، ولا يَنقُصُ مِن أوزارِهم شَيءٌ».*
*🔸وفي الحديثِ:* تَحريمُ دَمِ المسلمِ إلَّا بالحقِّ، كما قال اللهُ تعالَى:
*{ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ }* [الإسراء: 33].
📒 الدرر السنية الموسوعة الحديثة.