0
- "أكتُب، ليصير هذا العُمر أخفّ وأرحَب" ☁️.. - #إسراء_عبدالمطلب (رُوسيَال) INSTA: israa.novels1
"توقّفتُ عن دفع نفسي لأكون مَن يوارب الباب أملاً في عودة التائهين لقصته. لم أنقذ احدًا هذه المرة، ولم أكن عبرةً للصبر في قصة آخر، واليدُ التي ربتّت مرارًا على الأكتاف، تنفضُ اليوم اسماءً شتّى."
Читать полностью…
"الجروح مع الوقت تتسع وتصبح أبوابًا
يخرج منها أصحابها."
ماعايزين يختاروه؟ ماعارفة بسببهم, ولا دي مرحلة لابُدّ منها, بس فجأة وبدون أيّ سابق إنذار, أنا بقيت حاسّه بِي كُره ونفور ما طبيعي .. الصوت الوشوش الملامح, الذكريات, كلها بتحفّز غضبي ورغبتي في مَحو الحصل دا كلو.. كأنّو ما مفروض كان يحصل أساسًا ! ياريتو ما حصَل ..”
* بعدَ المغيب , كانت تهدأ تلك المُشاغِبة التي بداخلي , وتصحُو أُخرى تميلُ للظلام والعُزلة, لكنّها هذهِ الأيام مُتغيّبة لأسبابٍ مجهولة, لا أدري أينَ هيَ , ولماذا, تترُك مقعدها الدائم لزائرةٍ مُزعجة ومليئة بالضحك والنِكات كهذِه؟ أينَ ريل , فتاةُ الشُرفة؟ ومَن هذهِ؟ ماذا أُسميها ؟
يفتَح نافذة المقعد المُجاور ناظرًا إليّ : جاد الله
أضحَك وأنا أفتح الباب مُسرعة قبل أن تُضيء الإشارة
ينطلِق : إن شاءالله إتوّفقتو في مشاويركم ؟
_ : الحمدلله, كل حاجة طلعت مزبوطة
ماجد مائلًا بِرأسة نَحوي , ناظرًا إليّ يعينين لامعتَين : بركَاتِك يا شيخة ريل
أضحَك وأنا أستند برأسي إلى المِقعد , أتجاهل تلك اللمعة التي أراها, أوضَح من أيّ شَيء آخَر.
تتوقّف السيّارة أمامَ سَكني أخيرًا, أضع الملفات داخل الدُرج : ماتنساهم وإنتَ نازِل
يُتابعني بِعَينيه : رِيل
أزدري ريقي وأنا أرفع نظري إليه : أيوة ؟
يهرُب بنظراتهِ عنّي, وتهرُب الكلِمَات
يزداد نَبضي, أكاد أسمعهُ دُونَ سمّاعةِ طبيب
ينطِق أخيرًا , كأنّما يُسكت أصواتًا كثيرة تضجّ في رأسِه : أنا مُعجَب بيك ياريل.. وعايزِك
يغيب نبضي, أحبِس أنفاسي ولا أقوى أن أزفُرها
يُكمِل مُرتبِكًا : أنا مابعرف, حقيقي ماعارف كان مفروض أقول الكلام دا كيف ومتين, لكن أنا عايز شي حقيقي معاك , ما مُجرّد كلام, عشان كدا ماحسبتها كتير
أزفُر محاولةً تنظيم أنفاسي
يعتدل في جلستِه ناظرًا أمامهُ : شكلي جيت أكحّلها طبزتها مرّه وحده
أضحَك على مضَض ولازال نبضَي راجِفًا
ماجد : ما.. مالازم ترُدّي لي هسي ياريل, أخدي وقتِك , أنا آسف زاتو إني خلعتك بالطريقة دي؛ بس ماكُنت قادر أخبّي أكتر
_*لم تمُر بخاطري, ولا ذِكرى واحِدة
لا جُملة حمزة التي ظلّت ترِنُّ في أُذني شهورًا طِوال " إحنا كُنّا أصحاب بالإتّفاق ياريل "
ولا كُل المآزق التي إجتزتُها وَحدي, وأتاني يامِن بعدها يدّعي بطُولةَ حياتي, ويُحاول سرِقَة ماتبقّى منِّي !
لا
على وضوحِ تلكَ المشاهِد الآن , وحضُورها في ذاكرتي
إلا أنّي حينها
لم أذكُر أيَّ شيء
لم أُعرِِّض هذهِ اللحظة للمُقارنة, أو للتساؤلات.. ولا حتّى القلَق
جعلتُها فريدة , هادِئة , وتخُصّني.. وَحدي.
* قبلَ أن أترجّل عن السيّارة, إعتذَر ماجد كثيرًا, وزادَ إرتباكهُ حيثُ لم أتفوّه بِرَدٍّ واحِد ,
كُنتُ أعي ما أفعل, لأوّل مرّه, وأتريّث في فِعلِه
ودّعتهُ, وأنا أمضي , وصوتهُ القلِق , عالقٌ في مَسمعي : أنا عايز شي حقيقي معاك؛ يارِيل.
يُتبَع ….
#إسراء_عبدالمطلب
نهضَت لميس تُمسِك بكفّيها : تعالي يا ماما , تعالي نغسّل وشّنا
رغد : خليني يالميس
لميس : مابخليك قوووومي !
تنهّدت وهيَ تستسلم لها , تسحبها لميس حتى تنهض
يسيران بإتّجاه الباب : أفردي وشّك , عالأقل جاتنا حفلة مَبيت في صمّة خشُمنا
تكتُم رغد ضحكتها , بينما ضحِكنا جميعًا
يخرُجان, تلتفِت نيرمين إليّ : وإنتِي
_ : أنا مالي كمان بسم الله
نيرمين : بتسوطي ليك في مُصيبة أنا عارفاك , بس راخيَه ليك الحبل
ضحِكت وأنا أخلَع حجابي : والله ولا مُصيبة ولا شي , عايشه بهدوء بَس
نيرمين : يابت ليك أسبوع مادخلتي بيتنا دا ؛ ماعوايدِك
_ : أسألي رغد , الجامعة بقت شي يطمّم البطن والله العظيم
نيرمين : مامشكلة, حعمل فيها مصدّقاك
تنهّدت وأنا أخلَع حذائي , يرنُّ هاتفِي داخل الحقيبة, أرتَبِك
تصدّ نيرمين عني : أدّيك جُلباب ولا بجامة
أُخرج هاتفي, أسحَب حجابي وأخرُج : أيّ حاجة, دقيقة راجعه
أخرُج إلى " الحوش " أُجيب : ألو
يأتيني صَوتهُ مُتسائِلًا : ريل
_ : أيوة ياماجِد
ماجد : بُكرا ماشغّالة صح ؟
_ : أيوة
ماجد : تمام , حيكون عندي تسليم كتير , ماحفضَى إلا المغرب
_ : أي مامشكلة , شُغل بكرا جهّزتو, في أي وقت جيت بسلّمك ليهو
ماجد : إجتهاد شديد يادكتورة
_ : الشُغل بِجيب الشُغل
ماجد : يلا طيب, إرتاحي
_ : دقيقة , ماجِد
ماجد : أها ؟
_ : عندي, مشوار كدا بُكرا
ماجد : وين ؟
_ : م.. بورّيك ؛ بوريك بكرا؛ بس المهم حيكون العصر
ماجد : أجيك يعني ؟
_ : لالا, بقولّيك عشان ماتجيني هِنا
ماجد : خلاص مامشكلة, بيننا تلفون
_ : تمام, تصبح على خير
ماجد : ما شكلُو
_ : شنو؟
ماجد : وإنتي من أهلُو يادكتورة
أبتسِم : مع السلامة..
* إنتصَفَ الليل, تبدأ سَهرتنا للتَوَّ , تضع لميس أحمرَ الخدود كثيفًا على خدّيها, تلتفت إلينا بِبلاهة, تنهار رغد ضاحِكة , تحتضن نيرمين الخِزانة ضاحِكة وهيَ تنظُر إليها : لميس دا شنو دا شنو !
تضحَك بخفّة ناظرةً إلى نفسها في المِرآة : مالكُم ماحلوة ؟
أتلحّف الفِراش وأنا أٌصوّرها : بس رقّاصات الملاهي الليليّة
رغد: واي يابنات بطني, خلاص
نيرمين : وطّو صوتكم أُمي بتجي تهرشكم
_ : لميس , عايني هِنا
تلتفت إليّ تتقمّص شخصيةً أُخرى : عايزه إيه يا أوختشي
نيرمين ضاحِكة : إستني والله إلّا أدّيك بدلة الرقيص حقّتي
رغد : دي الإشتريناها السنة الفاتت عشان نتعلّم ؟ وووب عَليّ
أُكبّر الصورة ولميس مُنهكمة بوضع أحمر الشفاه, تُغطّي أصواتنا صوت ضحكتي وشفاهي تلتصق بالمايكرفون
يُطرَق الباب , نيرمين : منُو
يأتينا صوت مُصعب : تعالي يا نيرمين
تهرول لميس إلينا : سجمي دِسّوني
أُحيط بطني وتعلُو ضحكتي
ترمينا نيرمين بالوِسادة : هُسس
نختبئ تحت الفِراش
وضحكة رغد تخرُج مُتقطّعة, تُرغمنا على الضحك
نيرمين : آي يامصعب
مصعب : عايز الوصلَه , بتعملو في شنو إنتو شنو الكُوم الوراك دا؟
تنفجِر رغد ضاحِكة
مصعب : يخوانّا رغد دي مش كانت عايزه تموت هسّي
رغد من تحت الفراش : بس يامصعب ماعندَك فيني شغلَه
مصعب : والله كلام عجيب
تمُد له نيرمين بالتوصيلة : إتفضّل يا مصعب , دي غرفة بنات ياخ ماتجينا تاني
مصعب مُستنكِرًا : بنات ؟
لميس : مصعب هُوي, ماتخليني أطلع ليك
ضحِكت وأنا أُمسِك بها : إنتي بمنظرك دا حتأكّدي كلامو
تنفجر ضاحِكة
يُولّينا ظهرهُ : هي يلا, تصبحو على خير , روقو ساي
تُغلق نيرمين الباب , تضحَك على حالنا : مشى خلاص
أكشِف وجهي وأتنفّس
تقفز لميس عننا : وين البدله
رغد تُبعد شعرها عن وجهها الذي إحمَرّ من الضَحِك : واي واي , قتلتوني
* كان الصُبح معهم , يحمِل إحتمالات نجاةٍ كثيرة, مَعهم فقط, الشمس تُدفِّئ, لا تُحرِق.
باب الصالَة مفتوح على براح " الحُوش " , رائحة الزلابيّة تنبعث من المطبَخ؛ إضاءات المنزل خافِتة عدا ضوء غُرفتنا , لميس لازالت في الحمّام , رغد تجُرّ خطواتها النعِسة إلينا , أنا ونيرمين؛ خلفَ المِوقَد, هيَ تُحرِّك الشاي , وأنا "أرمي اللقيمات" , تهمِس رغد لنا بصوتٍ غائب : صباح الخير
تلتفت نيرمين إليها : صباح النُور والسرُور
_ : لو لميس طلعت ليك إتسوّكي وألبسي سريع
رغد : طارق جا ؟
نيرمين : لسّه بس قرّب , حنشرب الشاي ونطلع طوالي
رغد : حلو
يُفتح باب الحمام
تلتفت رغَد : هدي لميس طلعت
تتقدّم لميس نحوَنا : هي طارق جا ؟
نيرمين : لسّه ؛ إستعجلي لكن قرّب
لميس : ريل عايزَه مُرطّب
_ : في جيب الشنطة الصغيّر
نيرمين : رورو
_ : عيني
نيرمين : أنا حمشي أستحمّى ف حمام ماما جوّه ؛ عشان طارق خلاص قرّب
_ : أمشي أمشي أنا بصفّي الشاي
تبعث لي بقُبلة وهيَ تُهروِل للخارج : أمواح
أُخفِض النار , أفرش طبقة من أوراق المطبَخ أسفَل الزلابيه؛ يُطرق الباب
أخذَ الناس في التدافُع, حتّى صِرتُ خارِجَ الطابور , وأنا أُحاول أن أمنعهُ من الولوج إلى حياتي مُجددًا !
زفَرتُ بِضيق وأنا أدلُف خارج الكافيتريا
لحِقَني وأنا أنزل درجات السُلَّم, أحسستُ بخطواتِهِ السريعة قبلَ أن ينطِق : ريل
إلتفتتُ إليه : أيوة ياحمزه ؟
مدَّ لي , بالطلب ذاتهُ, الذي كُنتُ أنوِي شراءَهُ
أشارَ بإصبعهِ: دا بدون شطّه , حق رغد مش كدا ؟
تنهّدت وأنا أتقدَّم صعودًا إليه : شُكرًا , بس ماعايزه
حمزة : أودّيهم وين يعني أنا طلبتهم !
إستلمتهم منهُ , وصعدت إلى خالتو التي تبيع "الدرادُمّه" أمام بوابة الكافتيريا , إنحَنيت أُعطيهم لها
تَبِعني , ثُمّ أشاحَ عنّي بِضيق
إتّجهت نحوَ الدرَج مرُورًا بِه, إصطدمتُ بِكتفِه ناظرةً إليه , وهرولتُ نزولًا عَنه
كانَت الأشياء تُطلى بِلونٍ رماديّ فَورَ رُؤيَتي لهُ, كأنّ كل تلك الأماكن التي تركنا ذكرانا وحيدَةً على أطلالها ؛ لم تعُد تحمِل ذات الذكرى, ولا ذات الشعور .. أمُرّ بالمقاعد الخارجيّة , هُنا إلتقطنا أوّل صورةٍ لنا , وعلى أسوارِ المبنى إنتظرنا بعضنا صباحاتٍ مُتواتِرة , أراهُم اليَوم ظلٌّ مبتُور, لا تَرميهِ شَمس
خرجتُ عن مبنَى الجامِعة , كانت الساعة قد قارَبت الواحِدة والنِصف, سِرتُ مُسرعةً , لا أُحسّ بالطريق.. لا بالشمس, ولا أسمع أصوات السيّارات, أسيرُ حانِقة , تخنقني الذِكرى , أكرهُها, وأكرهُ ذاتِي في حَضرتها, شعورٌ جديد ( جديد , ها ياريل؟ أليسَ كذلك؟ ) لكنّهُ خانِق.. خانق.
لم أدري كيفَ ومتى, وصلتُ إلى بوابّة السكَن , كانَ هاتفي يرنّ عشرات المرّات, لم أنظُر إلى شاشتِه حتّى , أدري أنّها رغَد ؛ لا أقوَى على الردّ ؛ جلستُ على عتبةَ السكَن, ضممتُ ساقيّ إليّ, دفنتُ رأسي بينهُم , وتشظّيتُ.. لم أبكي فَحسب.
* عندَ الثانية عصرًا , كُنتُ أقِف أمامَ نافِذة غُرفَتي , أسحَب طرف إظفَري على حدود شِفاهي , أبتسِم ليشُعّ أحمَرُ الشفاه سعيدًا, أستدير أتفقّد فُستانِي الأسود , أنفُض حجابِي لأرتدِيه , يرنّ هاتفِي, أُجيب وأنا أرتدِي حذائي الأبيَض : وِصلتَ؟
ماجد : من بدري يازوله , رسّلت ليك
_ : فاكراك حتتّصل, يلا نازله أصلًا
لقفتُ ملفّ الحسابات من طرف الفِراش, أطفأتُ نور الغرفة, أغلقت الباب, وضعتُ المفتاح فوق دُولابِ المطبخ , هرولتُ درجات السلّم وأنا أبعَث لريمة برِسالة ( المفتاح فوق دولاب المطبخ الأوّل )
إعتدَلَ جالسًا وهوَ يرفع كُرسيّهُ, يبتسِم ببلاهةٍ مُحدّقًا فيّ, إبتسمتُ أخفض نظري وأفتحُ الباب
ماجد : أهلًا مرحب ؟
ضحِكتُ وأنا أُغلق الباب
ماجد : شكلِك غلطانة في العربية يا أستاذة؟
علَت ضحكتي وأنا أنظُر إليه : خلّي الإستهبال !
شهَق : جاد الله ! والله ماعرفتَك إلا من صوتَك
لكمتهُ بالحقيبَة : قول والله ؟
إبتسَم وهُوَ يمُدّ كفّه : بهظّر والله , دايمًا متألّقة
عدّلت فُستاني وأنا أٌشيح عنه : كلام الناس الكُبااار دا
أدَار المِقوَد : كويّس
إلتفتتّ إليهِ على عجَل : زِعلتَ ؟
نظَر إليّ, ثُمّ إلى المِرآة الجانبيّة : يازوله أنا قدرِك عشان أزعل منّك ؟
ضحكت وأنا أتأمّلهُ يُخفي إبتسامتهُ
ضحِكَ أخيرًا : مالك يازوله ؟
_ : المُهم, هاك حساباتَك , عندك شقّتين ما دَفعو الإيجار الشهر دا
ماجد : يازوله ؟ ديل منو ومنُو
تأمّلتُ الورقة : شقّة 230 , ناس الريّح ؟
ماجد : أيوة أيوة , كلّموني ديل ؛ التاني منو ؟
_ : التاني .. شقّة النقيب
ماجد ناظرًا للطريق : بَس , دا ملّيني رقمو هسّي
ناولتهُ الهاتف , أشارَ لي بتركيز : أفتحِيه , من 1 لِ9
ضحِكت وأنا أفتحهُ
ماجد مُبتسمًا: أي باسوردات العمّوهات الكُبار
علَت ضحكتي : آسفَة
ماجد : إتّصلي كدي بنتفاهم بعدين
أجريتُ الإتصال, وضعتُ الهاتف على المُكبّر
وإلتفتتُّ أتأمّل الطريق
* تُغادرنا الشمس بعد ركضٍ طويل, تُسلّمنا للمَغيب وتخبُو نارُها , نسائم الشتاء مُجددًا , تؤنسُ ليلةً أُخرى.. أمامَ محلّ الإلكترونيات؛ بعد مشاويرٍ لا تُعَدّ, تستقرُّ سيّارة ماجد أمامَ المحلّ , هُوَ خلفَ مكتبِه , وأنا أٌقابلُ زُجاج المحلّ, بجوار خالتُو بخيته, أرتشف " الجبَنه " ساخِنة, أتوشّح بطّانيتها الزرقاء الثقيلة, تبتسِم لي وهيَ تُغطّي نارها من هَبوبِ الريح : أزيدِك يُمّه؟
لوّحتُ بيَدي مُقطّبةً حاجِبَيّ : لالا ياخالتو بخيته, سجَمي , دي لي بُكرا مابتنوّمني
إتّسعت إبتسامتها وهيَ تُغطّي إبريق الماء المغلي : القراية دي بتنعّسك هسّه دا
ضحِكت وأنا أنظُر لِشيت مادّة الباطنية فوقَ حِجري : واللهِ صحي
ضحِكَت وهيَ تتناوَل الكُوب : بسوّيها ليك خفيفة الدُور دا
تنهّدتُ وأنا أهزّ رأسي , أرفعهُ فأراهُ قادِمًا نَحوي
#شــمسٌ_بارِدة
الجزء الرابع عشَر
(14)
( ربيعٌ آخَر )
*_ كانت الأيام تمضِي مُسرعة, كَريحٍ تأخُذ في طريقها كُلّ ما هُوَ متهاوٍ وهزيل, هكذا؛ تساقَطَت أمامي جميعُ الأقنِعة, كُنتُ صبيّةً غضّة (كشجرةٍ لم تعرِف يومًا نوايا الفأس) وكُلّما هيّأني الخريف لعاصفةٍ تتساقطُ فيها الأوراق ؛ أشَحتُ لا أُؤمنُ إلّا بالربيع.
* العاشرة مساءًا, أمامَ بوّابة محلّ إلكترونيات صغير, القمَرُ مُكتَمل, بَدرٌ يُضيء ظلمة العاصمة, نسائم الشتاء تلُوح من بعيد.. كيفَ إنقضى الشتاء الفائت؟ ومتَى؟ ها هُو يكشِف عن ليالِيه مُجددًا.. إحتضنتُ حقيبَتي وأنا أستند إلى الجدار خَلفي, أتأمَّل الشارع الهادئ إلى من أصوات "الركشات" , “ستّ الشاي" وهيَ تجمَع أغراضها, تعقِد ربطة تُوبها, على وشك المُغادرة, يخرُج ماجِد إلَيّ, مُهروِلًا, ألتفِت إليه, يبتسِم مُعتذرًا ( معليش يا دكتورة, أخَّرناك ) , إعتدلتُ ناظرةً إليه, وهُو يُغلق الباب, يرخي الستار الحديدي , يجلس على أمشاطِه لِيؤمّن القِفل : لالا عادي.. أساساً الجوّ حلو
نهضَ ينفض كَفّيه : آي.. نسايم الشتا
إبتسمتُ أتأمَّل الشارع
تقدَّمني في المَسير : أء.. أنا حطلُب تكسي تمام ؟
قطّبتُ حاجبيّ بإستنكار : تكسي؟ ليه؟ ليّ أنا؟
ماجد : حوصّلك وأرجع معاهو
_ : ليه لكن ؟
نظَر حَولهُ : العربية بطّاريتها وقفَت, حرجع أشوف موضوعها بعدين
_ : إنتَ جادي؟ طيب لا خلاص, شوف موضوع العربية عشان إنتَ مُحتاج ليها بكرا ؛ أنا برجع بي تكسي مابتجيني حاجة
ماجد بِحَزم : رِيل
_ : يا ماجد!
ماجد : ماعايز نقاش كتير
_ : دي مشوَره ساي كيف يعني تودّيني آخر الدنيا وتجي راجِع! ماحتلحق أصلًا
تنهَّد ناظرًا إليّ : مابتقدري ماتعاندي مُش؟
مِلتُ بِرأسي مُبتسمة : أو عندي فكرة تانية
إبتسم يُتابع عيناي : أها
_ : أمشي معاك
ماجد : بالموتر؟
هززتُ رأسي بالإيجاب
ضحِك : جادّه ؟
_ : جاادّه
تخصَّر ناظرًا إليّ : يابت؟
ضحِكت : مالَك! جادّه
أشاحَ عنّي بإتّجاه الدرّاجة , تَبِعتهُ أسيرُ خطوةً وأقفز الأُخرى, إلتفتَ إليّ يُخفي ضحكتهُ : إنتظريني هِنا
همَست غاضبة : ليه ؟
ماجد : عمّو القاعد قدّام المحل دا ماحيريّحنا , حطلّع الموتَر لقدّام شوية وألحقيني
نظرتُ إليهِ بتفكير : تمام
رنّ هاتفي بعد دقائق, أجبتهُ بإستنكار وأنا أنظُر حَولي : وينَك ماشايفاك!
ماجد : وراك ياريل, وراك طوّالي
إلتفتتُ , رأيتهُ, هروَلتُ بإتّجاهه, أخَذَ يُدير المُحرِّك إستعدادًا حتّى وصلتُ إليه
ماجد : يلّا , سريع
_ : مالنا زي الحراميّة كدا ! أطلَع كيف ؟!
إلتفَتَ إليّ : جيبي الشنطة , خُتّي رجلك هنا, ثبّتي فيني وأطلعي
_ : حقَع والله
ضحِك ناظرًا إلي : مابتقعي ماتخافي, أرَح
وضعتُ قدَمي خلفَ قدَمه, إرتفَعت وأنا أتشبّثت بكَتفِه
ماجد : ممتازة, يلّا ؛ أقعدي خلاص
وضعتُ ساقي في الجهةِ الأُخرى, وجلستُ على مَهل : مُتأكد ماحقَع منَّك بي ورا؟
رفع رأسهُ ضاحِكًا : ريل خلّي الجِنّ , يلا حتحرَّك
صِحتُ بهِ : لالالا ! دقيقه حمسِك وين !!
ماجد : شايفة شنطتي اللابسها دي, ثبّتي في يدّينها
أدخلتُ كفّيّ بينَ حمّالات الحقيبة وظهرِه
ماجد : قوي
هززتُ رأسي خائفة
أدارَ المِقود , أغمَضتُ عينيّ, إنطلَق, وأخذتُ أصرُخ ..
* في الطَريق, ونحنُ نقطَعُ الجِسر بينَ (مدينة أُم دُر) والخرطوم, كانَ منظرُ العاصمةِ ساحِرًا للغاية, النيلُ يتلألأ كأكثر الأشياء بريقًا على الإطلاق, ونسَماتُ الهواء تُداعب وجنَتيْنا, تُحرّضنا على الإبتسام..
لم أذكُر عدد الأيام التي إنقضَت مُنذ (حِنّة نيرمين) لكنّها بدَت بعيدة للغاية, وكأنني دخلتُ عبرَ بوابةٍ زمنيّة ليسَ فيها سِواي أنا.. هذا النيل, وماجِد ؛ كُلّ ما أذكرهُ أنّي تلقّيتُ مُكالمةً من ماجد في الصباح الذي تلَى حفلة الحنّاء, طلَب منّي أن نلتقي. إلتَقيتهً على مَضض, إعتذَر عن أُسلوبه في عَرض العمَل مُنذ أيّام, وأعادَ طرحَ الفكرة بطريقةٍ أكثَر إقناعًا, قبِلتُ, كُنتُ مُرتبِكة ولا أعرف ما أُريد, لكنني عِوضًا عن الرّفض خائفة, قبِلتُ ؛ بِذات الخَوف. لم أُخبِر البنات , لم أُخبِر أحدًا؛ ولا أدري لِمَ.. تواتَرت الأحداث سريعةً جِدًا عُقبَ ذلك اليوم, كان ماجد يأخذني كُلّ عصر من أمام السكن , إلى المَكتب, مُرورًا بكُل المشاوير التي يقضيها وأنا أُنهي عمَلي على الجهاز المحمول, في السيّارة؛ أظنّهُ كانَ أسبوعًا, عشرةُ أيّام.. لكنني لم أشعُر بِذهني صافيًا هكذا من قَبل, كان العمَل سِحر, والساعات الراهيَة التي نقضيها أمام محلّ الإلكترونيات خاصّتهُ ( أنا أُذاكر, وهُو يُنهي حساباتهُ) فنجان قهوة من خالتُو (بَخيته) , (وعمو صالح) الذي يجلس أمام بوابّة منزلهِ المُطلّة عَلى المحل, يُبادرنا السلام كُلَّ يَوم .. كانَ ماجد يكبُرني بعشر سنوات, بالساعةِ والدقيقة, لكنّ لحظاتٍ صغيرة بَيننا , كانَ يبدو فيها ذُو ثمانِ سنوات, يصغُر لدقائق وهُو يحدّثني عن مايُحِب..
"لا عليكِ، ربما لا تعرفين ما الذي تفعلينه الآن، وأنت تقفين على مفترق طرق لا يؤدي أي منهما إلى شيء. ولكنك تعلمين يقينًا ما عليك تجنّبه، كل ما ترفضينه يعبر عنك، أما محاولاتك الفوضوية فإنها لا تعبر إلا عن ضبابية الغد..وصعوبة الطريق..
فلا بأس إن نجحت أو فشلتِ، النتيجة ليست مهمة. لا نصل إلى الغاية دائما، ولا نختار إلا أطيب الوسائل. ولكن الدافع هو الدليل، ما يحركك دوما هو اندفاعك نحو الخير.. وأنت كما أنت دائمًا.. حامية القلب من كل غلٍ وحارسته."
جُمعة مباركة..
حريٌّ على الإنسان أن يستذكر وهَجهُ الأوّل
مهما توالَت على ليلِ خيباتهِ النوازِل
ومهما..
سكَب الحُزنُ على بياض صفحاتِه، دمعًا أسوَد
الشمس لازالت تُشرق، والنور بإمكانهِ أن يلِج إلى سقفِك الذي تُحدّقُ يائسًا فيه، كلَفتةٍ صغيرة للأمَل.
_ روسيال
💛
أن أكتُبَ
كلِمة
تهطلُ على هجيرِ أحدهم
مطرًا
في ضفّةٍ أُخرى.
"))))🤍
- إسراء
مادّة خام.. لإرضاء الآخَرين
تنقضِي دونكَ السنون, وأنتَ تُراجعُ فصولَ القِصّة, لتستنبط الإجابة, الإجابة الشافيَة, لكلّ ما حدَث , ويحدُث , وما بِوسعِ المشهد الراهن أن يجرُّه إليك
لا تكتشف سوى أنّكَ كُنتَ -مُنذُ الطفولةِ الأولى- مادّةً خام ؛ لإرضاء الآخَرين
ويسقُطُ دونكَ سِتارُ الفضيلة الكُبرى "أنا أجبُر بخاطرهِم" , لِترى فُتاتَك يختبئُ خلفَ حنانِك.
ليسَ ثمّةَ قسوة, تٌضاهي عوائدَ التضحيات, تلكَ التي تُكبِّرها في نفسكَ يومًا عن يوم, وتقُول ( غدًا يُعوّضني الله )
لماذا ينتظرُ الإنسان العوَض .. في كُلِّ شيء؟
لماذا لا يضحَك اليَوم, حتّى وإن كانَ المشهدُ مُبكِيًا
فقط لأنهُ -هُوَ- سعيد!
يَبيعُ أفراحهُ عِوضًا عن ذلك
ويجلس في مؤخّرةِ العزاء
يبكِي
ولا أحَد يدري
ولا أحدَ يمتَنّ !
ستكتشف مُتأخِّرًا
سنينًا طِوال
أنّك أمضَيت عُمركَ
- تتوخَّى الحذَر -
ولم تُصِب يومًا
في رَمي السَهم
خشيَةَ أن يجرَحَ نعومةَ مشهدِهم
ظللت قابِعًا تحُفُّك الأسهُم
تحتجزُك
بينَ حسرةِ أنا أُريد , وهُم يريدون.
ستعرِف أنّ تضحيتكَ لتكون مقبُولًا
ومحبوبًا
أودَت بِكَ إلى رَفضٍ قاسٍ
أنّ -لا-ءَك لا تُسمع
سِوى عُنوانًا لإستبعادِك
أنّك مِطواعٌ
على الدوام
وهذهِ هي شارَةُ قبُولِك .. بيننا
ستُملي عليكَ نفسك
أنّك واعٍ
بما يكفي
لتُغلق باب المُبارزات بِإنصياعٍ هادئ
وسيُملون عَليك.. أنّ المُضحّي, هُوَ البطَل
لستَ بطلًا
سأقولها لَك:
أنتَ تِمثالٌ أجوَف
ستَبنيكَ نُبوءاتُهم
وسيهدمُكَ فأسُ "العنيد"
الذي لم ينصَاع ..
في نهايةِ الأمر
عندما يُطفئ الجميع أضواءَهُم
ستظلُّ شمعةً تحترق
لِتُضيء
وسيلعنون
على الرغم من نُورك
بُقعة الظلام التي لازالت..
أنتَ حَبيسُ هذا الجَرح
أسيرهُ
صورةُ البطَلِ التي ما فتأت تزورُ خيالَك
هيَ تَوْقُكَ الشديد
لأن تكونَ مَقبولًا
كما أنت
هيَ ذلك الطفل الذي يُجوِّلُ نظراتهُ في ساحة العزاء
كأنَّ عليهِ مواساة الجميع
هيَ مِقعدكُ الأخير في الفَصل
صداقاتُك التي تُنقذها في كلّ مرةٍ من الإنهيار
والآلام التي تُحسّها في معدتك
كُلما نشَب شجارٌ في المَنزل
تلكَ الصورة
ليسَت سِوى مادّة خـام
لإرضاء الآخرين
والبُطولة هُنا
أن تتخلّى عنها
قبلَ أن تحترقَ الشَمعة
بالكامِل.
- إسراء عبدالمطلب
صباح الخير.. أرجو ألا تنسى أنك -في وقتٍ مضى- واصلت المسير بمفردك ولم يكن لديك إجابات أو يقين أو رؤية واضحة ومع ذلك تحقق مُرادك. استمر.
Читать полностью…
المصباح المعطّل
في بيت صغير على أطراف البلدة، كان هناك مصباح في ركن الغرفة، هادئ ومتواضع، يضيء كل ليلة دون شكوى.
كان أصدقاؤه من الكراسي والكتب والستائر يعتمدون عليه لينير المكان عندما تغيب الشمس.
كان هو من يمنح الدفء للمساءات الطويلة، والراحة للعيون المتعبة.
لكن في أحد الأيام… انطفأ المصباح.
حاولوا تشغيله، لكنه لم يضئ.
قالت الطاولة:
“أكيد اتحرقت اللمبة، بسيطة، نغيّرها.”
وقال الحائط:
“هو زهق من النور، عايز يرتاح شوية.”
أما النافذة، فحكمت عليه ببرود:
“كان ضعيفًا من البداية، مش زي المصابيح الكبيرة في الشارع.”
ومرّت الليالي والمصباح ساكت …لا يضيء، لا يشكو، فقط مطفأ.
وفي أحد الأيام، دخل طفل صغير إلى الغرفة، نظر للمصباح بحنان، ثم اقترب منه،
فكّ الغطاء برفق، ونظر بداخله.
قال الطفل:
“المشكلة مش في اللمبة…في السلك.”
كان هناك جرح صغير في السلك، بالكاد يُرى، لكنّه منع الكهرباء من الوصول.
أحضر الطفل شريطًا لاصقًا، وغطّى الجرح، وأعاد توصيل المصباح.
وفجأة…أضاء.
الدفء عاد. النور انساب.
الستائر ابتسمت. الكتب ارتاحت. والغرفة امتلأت حياة من جديد.
الاكتئاب مثل هذا المصباح.
من الخارج قد يبدو سليماً…لكنه لا يضيء.
والناس من حوله يظنون أن اللمبة احترقت، أو أن صاحبه كسلان، أو “زهقان من الحياة”.
لكن الحقيقة…أنه من الداخل مجروح.
سلك صغير مقطوع…مش شايفينه، ولا حاسين بيه.
الاكتئاب مش اختفاء للنور،
الاكتئاب انقطاع صامت…محتاج حد يلاحظ، ويقترب، ويلف الجرح بشريط من احتواء.
ما أسهل الأحكام، وما أندر الفهم.
فالذي يضيء للناس…من حقه أن يُصلَح حين ينطفئ.
لا أن يُنسى.
محمد سعد الأزهري
#الأسرة_أمن_وأمان
/channel/usraaman
_ : لسّه لسّه , عايني ؛ الفستان دا فتحتو أوفَر شويّة ؟
رغد : يابت هي حنّة بنات
_ : عارفة , بس حسّيتو أوفَر ماعارفة
رغد : لو مامرتاحة غيّريه
_ : أغيّرو بشنو بس ما جايبة معاي حاجة تانية
رغد : عايني أنا شايفاه حلو, بعدين اللون الكبدي بجي فيك حلو شديد ؛ ماتغيّريه
تنهّدت : خلاص , ماحغيّرو ؛ يلا إستعجلي إنتي العروس حتوصل وإنتي لسه ماخلّصتي !
رغد : ماعندي شي حتعطَّر وأطلَع
إستندتُ إلى الباب وأنا أنظُر إليها : يا زَهري إنتَ يازَهري
ضحِكَت خجِله وهيَ تُشيح عنّي : يابت ماتوتّريني
_ : موتّرنك النسوان ديل صاح ؟
رغد : آي ياخ ! هي حنّة بنات يعني مافاهمة اللياقه شنو ؛ غايتو
_ : يلّا, ماحنخرّب مزاجنا عشانهم
رغد : بالجّد ؛ عايني إتصلي لِلميس شوفيهم إتأخرو كدا ليه ؟
_ : تلفوني فُوق
هروَلتُ بإتّجاه الباب
صاحَت رغد : رورو أطلعي بالباب الورا, ديل جايبين زيادة البارد هسّي
توقّفتُ أمام الباب : منُو ديل؟
رغد : كلّمنا طارِق , يمكن يجي هُو
_ : يجي كيف يخلّي حنّتو؟ مفروض مصعب ولا جلال
رغد : الإتنين في حنّة العريس
زفَرتُ وأنا أرفع فُستاني وأستدير نحوَ الباب الخلفي, لِيُباغتني صوتُ سلامٍ مألوف : السلام عليكم
إلتفتتُ فزِعة , تراجع للخلف وسقَطت إحدى الصناديق عنه , إختبأتُ خلفَ الباب وأنا أُغلقهُ
تنحنح وهُوَ يضع البقيّة على الأرض : عفوًا , طارق قال لي أوصّل ليكم صناديق البارد دي
زفَرتُ من خلف الباب : يدّيك العافيَة ياماجد, خليهم بدخلهم
ماجد : أء.. بتقدري تدّخليهم ؟
صاحَت رغد : منُو الجا يابِت ؟
تنحنت وأنا أُوارِب الباب : دقيقة طيّب
هرولتُ بإتجاه الغُرفة
نهضَت رغد فزِعة : في شنو يابت , منو الجَا؟
سحبتُ إسدال الصلاة : ماجِد
شهَقَت : سجمي , فتحتي ليهو كدا؟
_ : مافتحتَ الباب أصلًا فاتِح !
رغد : وينو هسي مشى ؟
_ : واقف عايز يدخل الكراتين
هرولتُ إلى الخارج , تَبِعتني رغد وهيَ تُدخِل شعري من الخلف تحتَ الإسدال
زفَرتُ هازئة : بعد شنو
ضحِكت وهيَ تدفعني للخارج : أمشي ياتافهة
هرولتُ إليه , فتحتُ لهُ الباب
رفع نظَرهُ إليَّ مُتردّدًا , مدَّ بكفّه مُصافِحًا
صافحتهُ خجِله
حمَل الصناديق , تقدّمتهُ بإتجاه المطبخ , وتَبِعَني
دخلنا إلى المطبخ , وضعَهُم أرضًا ونظَر إليّ : مُحتاجين شي تاني ؟
هززتُ رأسي ونظَري للأرض : يدّيك العافية
خرَج إلى الصالة , تَبعتهُ : أء , دقيقه
توقّف ناظرًا للأرض
إستلمتُ أحد الكاسات, سكَبتُ لهُ العصير , وخرَجتُ إليه : إتفضّل
تناولهُ منّي بإبتسامة : شُكرًا
أشَرتُ له على الأريكه خلفهُ : غلط تشرب واقِف
هزّ رأسهُ مُتوتّرًا , وجلَس على حافّة الأريكة
توقّفتُ مُتردّدة, دخلتُ إلى المطبَخ أخيرًا , نهَض مُسرِعًا , مدَّ لي بالكأس : تسلم يدِّك
إستلمتهُ منهُ , خرَجَ على عجَل , وضعتُ الكأس وأنا أتذكّر دخولهُ وأغمِض عينيّ بإحراج
فتحت رغد الباب بِبُطء , لم أشعُر بها إلا حينما ندَهتني : وِصلتي أُمدرمان ولا وين ؟
نفضتُ أفكاري وأنا أُهرول نَحوها : تااني يارغد تاني ؟
ضحِكَت وهيَ تختبئ خلفَ الباب : خلاص خلاص
دخلتُ إليها وأنا أنزَع إسدال الصلاة
جلسَت على حافّة السرير ترتدي حذاءها : أها
نظرتُ إليها بتفكير : أها شنو ؟
إنحنَت تربط حذاءها بِطَيْف إبتسامة : إنتي طلعتي من هنا ليه أصلًا؟
نظرتُ حَولي بتفكير , ضربتها أخيرًا : رغد ياكلبه
رغد : أنا قُلتَ حاجة هسّي؟
_ : أيوة , العروس
رغد : العروس ياكبيرة , أمشي يلّا
ضحِكت وأنا أُهروِل بإتجاه الباب
* كانت الدائرة صغيرة.. أنا , لميس , ورغَد , تتوسّطنا العرُوس , كَقطعةِ بلّورٍ ثمينة, نحُوطها, نُخبّئ جمالها عن الأعيُن , كانت نيرمين سعيدة, سعادةً صافيَة, بلا قلَق, بِلا خَوف , بِلا أسئلة, يدًا بِيَد, ندُورُ حَولها, ويُصفِّقُ الجميع.. كُلُّ ليالي الوِحدة, كانت مَعبرًا لهذهِ الليلة, كُلُّ اللقاءات الخفيّة, كُل السهَر والتوبِيخ, ندُور , وأنظُر إلى عينيها , تضحَك.. وأفهَم أنها تتذكّر معي ذاتَ الليالي, صَوتُ عمّو النزير وهُوَ يوبِّخ طارق , ثُمَّ يحنُو عليه؛ لميس تُقاوم دَمعها, أفهمها ؛ أفهمُ هذهِ النظرة, تتأمّلنا كأنها تُريد أن تحتفظ بهذهِ الذكرى للأبَد.. كُنا بِثِقَل ما نحمِلهُ, لكنّنا معًا أخَفّ. كانت هذهِ الفرحَة, “فرحَتُنا" جميعًا, كُلٌّ مِنّا ينظُر إليها كإنتصار خاصّ.. وليسَ مُجرّد فرحٍ عابِر. تهزّ رغد كَتفيْها, وأعُود معها إلى كُلّ الأيام التي تدرّبنا فيها على رقصَاتِ العُرس؛ طلباتُ الحِنّة, بروفا الفُستان ؛ ومشاوير الصالات.. ننظُر إليهم الآن ونحنُ نقترِب من نهايةٍ سعيدة؛ ليكتمِل الحُـلم! ليكتمِل ولَو لِمرَّة..
يُتبَع…
#إسراء_عبدالمطلب
دخلتُ إليها , إلتفَتت إليّ وهَروَلَت نَحوي , ضممتُها إليّ, بشِدّة.. وتسربّت دمعاتٌ صغيرة بينَنا , أفلتتُها وهيَ تُكفكف دمَعها, وأنا أُشيح بِدمعي عنها إلى المِوقَد : بتعملي في شنو
نيرمين : دي مَديدة, أُمي قالت لي أعملها وأنا ماعارفاها نجضت ولا مانجضت
ضحِكت وأنا أقترب لأُخفض النّار : لسّه , خليها على نار هادية شويّة
ذهبَت بإتجّاه الغرفة : تلفوني وين
تَبِعتها وأنا أتناول كأس الماء , أضعهُ أسفل البرّاد وأنتظرهُ ليمتلئ
طُرِق البابُ حينها , صِحتُ لنيرمين : دي لميس ؟
نيرمين من داخل الغرفة : لا دي حتكون رغد ؛ لميس خليتها معاهم في المستشفى
وضعتُ كأس الماء وهروَلتُ لأفتح الباب , تلقّتني رغد بحماسةٍ إنطفأت ما إن رأتني , مِلتُ برأسي إليها وهيَ تهرُب بنظراتها عنّي , تنهَّدت أخيرًا وهيَ تصيحُ بي : ياشافعه ما تخلّيني أخُش !
ضحِكتُ وأنا أحتجزها أمامَ الباب : زغردي أوّل !
إنطلَقَت منها زغرودةٌ عاليَة, خرَجت نيرمين على إثرها ضاحِكة : رغد ياخ !
تقدَّمت رغد إليها وأنا أتبعها مُتطفلة , ضمّتها : ألف ألف ألف مبروك, حمدلله على سلامتها نبّوش
نيرمين : الله يسلمك ياعمري , الله يسلمكم كلكم يارب وأحضَر أفراحكم
إلتفَتت رغد إليّ, تقدّمتُ إليها : آسفَة
رغد : برَا آسفة معاك
ضحِكتُ وأنا أُحيطُ كَتِفيْها : يارغد يارغد يارغد
رغد : هُس ولا كلمة
نيرمين ضاحِكة : تعالو خشّو طيّب
_ : لأ, خليها تسامحني أوّل , شوفيها بتحمِّر لي كيف !
رغد : بحمِّر ليك يازوله , كويس مادقّيتك
_ : يازوله دُقّيني أرحَم من النظرة دي
نيرمين : يارغود ماتخليش قلبك قاسي أُمّال
رغد : أنا مازعلانه منّك بس دايراك تعرفي إنو القلتيهو دا غلَط , أنا مستحيل ألصّقك في زول إنتي مادايراه أصلا ليه أعمل كدا ؟
_ : أنا آسفة طيب, كانت لحظة إنفعال والله
رغد : خير
_ : صُوليح ؟
رغد : نيرمين زحّي الشافعة دي منّي
نيرمين : يلا ياريل قبل ماتغيّر رأيها
إبتعدت عنها مُهرولةً إلى المطبخ : خلاص خلاص
صاحَت نيرمين : طفّي النار وتعالي ياريل
_ : ماجعانين ؟
رغد : أنا جعانه وجبتَ ليكم معاي إندومي , لكن الحيعملو منو
نيرمين : أكيد ما أنا
تنهَّدت من أمام الباب : أرميهو
قذفَت لي بِه, أمسكتهُ وأنا أتفقّد الكيس : الله شوكلاته
رغد : ريل أوعِك تهبشي الشوكلاته
ضحِكت نيرمين وهيَ تُشغِّل التكييف
رغد : ريل كان جيتِك مابريِّحك
نيرمين : أقنعي منّها
دخَل مُصعب إلينا بغتةً , صاحَت نيرمين بهِ : مُصعب دُقّ الباب ياخي معاي البنات !
نهضَت رغد تتلقّاه وهيَ تُزغرِد , ضحِك مُتقدِّمًا إليها : آبشري والله , آبشري
رغد : مبروك ياخ , يتربّى في عزكم إن شاءالله
مُصعب : الله يبارك فيك ياخ, عُقبالك , إلتفَت نَحوي : أووه ريل
لوّحتُ لهُ بقطعة الشوكلاتة , تقدَّم نحوي
نيرمين مُحذّره : الشوكلاته
نظرتُ إليها بِبلاهة, سحَبها من بين أصابعي بِخفَّة وهُوَ يُصافحني بالأخرى : الأخبار شنو ؟
رغد ضاحِكة : واااي لا
حملقتُ فيه : مُصعب !
ولّانا ظهرهُ عائدًا وهوَ يلتهمها بقضمةٍ واحِدة
رغد : شُفتي النيّة السودا
نيرمين : لا إنتي لا هِي
زفَرتُ وأنا أستلم أكياس الأندومي مُقطّبةً بينَ حاجِبَيّ
* إنقضَى أسبُوعٌ آخَر من التجهيزات , كانَ عصرُ اليوم يُوافق "سِماية نبأ" عقيقةُ المولود الأوَّل .. وليلةُ اليوم ذاتهُ حفلة الحناء.. لنيرمين ؛ صباحًا , كُنا بِمنزل عائلة نيرمين , بداخل غُرفتها التي تضجّ بأصوات الأهل وأكياس الخُضار , فُتِحَ البابُ بغتةً ودخلَت رغد إلينا تتلّقاها فوضى المكان : السلام عليكم
إلتفتتُ إليها : جايّه بعد شنو يا ماما الساعة كم ؟
ضحِكت وهيَ تُغلِق الباب : يابت واللهِ ما شُفتي أنا نُمتَ كيف, المنبّه ماحسيت بيه ؛ مارجعتَ منكم متأخّر أمس !
نيرمين : تعالي تعالي , غسّلي يدّك وتعالي
رغد لخالتو نرجس : ويُّوووه ياخالتو , العروس زاتا دخّلتوها في الشغل
خالتو نرجس : براها متشوبرَه
رغد لنرمين : لالا يابت قومي , بشيلو نورتِك زاتو
نيرمين : مافي زول غريب يارغد بس خالاتي
رغد : لالا قومي, هسي بجُو الضيوف ؛ ولميس وين صحي ؟
_ : مشَت تجيب فستان العروس من الترزي
رغد : قولي لي أمس مامشيتو تقيسوه ؟
_ : الوقت إتأخّر ماقدرنا !
رغد : الله يستُر
نيرمين : لالا حيكون مظبوط, شال المقاسات تلاتة مرّات !
رغد : آي مامشكلة, هسّي قومي
نهضتُ تنفُض كفّها : طيّب عايني , حخُش أراقب مديدة البلَح
_ : نُنّه , أنا بكمّلها ؛ خُشّي أوضة أُمّك واقفلي عليك
رغد : آي , سريع
إرتدَت إسدال الصلاة وهرولت إلى الخارج
فُتِح الباب مُجددًا , دخلَت لميس إلينا ضاحِكة : أنا قُلت ليهم مافي غير رغد بيقدَر على نيرمين , هرشتيها مش ؟
هززتُ رأسي ناظرةً للكُوب : حلوة, شُكرًا
ماجد : العفُو
عمَّ صَمت .. ثُمَّ كسَرُه طارحًا تساؤلهُ : بتعرفي رغَد من متين ؟
رفَعتُ عينيّ للأعلى بإستدراك, ثُمَّ أجَبتهُ : أوّل يوم في سنة تانية
ماجد : ماشاءالله .. ربنا يحفظكم لبعض
_ : آمين
توقَّف أمامَ منزل نيرمين , ولم أستدرِك أنّنا قد وصَلنا, نظَر للأسفَل بإبتسامةٍ خافِتة كأنّهُ يتذكّر شيئًا : صراحة عاجباني صداقتكم شديد , يعني مابس إنتي ورغد؛ نيرمين ولميس كمان , ماشاءالله يعني , لكن أظن ماحصَل جرّبتَ إحساس الصداقة دا؛ إنو زول يكون حافظَك في وجودك وفي غيابَك وهمَّك همُّو , نظَرَ إليّ مُستدركًا : ماشاءالله يعني ماتقُولي داير أحسِد
ضحِكت : لالا العفُو
نظَرَ للباب : ما داير أأخِّرك
شعرتُ أنّ الكلام ظلَّ مُتردِّدًا فوقَ شِفاههِ
_ : لالا مامُشكلة.. قُول ؟
تنهَّد ناظِرًا أمامهُ : أنا آسِف لو الكلام الحاقُولو دا ماعجبِك؛ لكنّ واللهِ أنا ماسِمعتَ نقاشكم عن قصد, يعني كُنتَ يادوب جايّ وكُنتو بتتناقشُو , يوم الشهادات لو بتتذكّري ؛
هززتُ رأسي مُقطِّبةً بينَ حاجبَيّ
أكمَل : عن ظرِف الوالد في الشُغل, وإنّك عايزه تساعدِيه
أشَحتُ عنهُ وأنا أكبَح إنفعالاتي
ماجد : أنا آسف, صدّقيني نيَّتي خير
تمالَكتُ نفسي وأنا ألتفِت إليهِ مُجدّدًا : تمام , لنفترض إنّك سمعتو بالغلط؛ بتفتحو معاي ليه؟
ماجد : أنا فعلًا مُحتاج لموظَّف معاي في حسابات البُرج السَكني
تنهَّدت
قاطَعني : صدّقيني الموضوع ما إنتي , يعني أنا كِدا كِدا عايز موظَّف , ولقيت الشخص المُناسب
_ : ماجد.. أنا مابفهَم في أمُور الحسابات دي أصلًا؛ وبنبّهك إنو ما تدّي نفسَك صلاحيّة في حياتي أنا ما أدّيتَك ليها ؛ لما أبقى أشتكِي ليك تعال إتكلَّم ؛ تمَام ؟
ترجّلتُ عن السيارة قبلَ أن أسمَعَ ردَّهُ
هروَلتُ نحوَ الباب, سحبتُ السِلك ودخلت ؛ تَبِعني مُهروِلًا, توقَّف أمام المدخل مُحتارًا ؛ شعرتُ بهِ ولم ألتَفِت , دخلتُ إلى المنزل وأغلقتُ الباب
دخلتُ إلى غُرفةِ نيرمين , تلقّتني وجوههم المُتفاجئة , صاحَت نيرمين : رُورو
رَميْتُ بالحقيبة جانبًا , وجلستُ على طرف الفِراش أُحيطُ رأسي بغضَب
طُرِق بابُ الغُرفة عُقبَ دخولي مُباشرةً, وكانَ مُصعب, فتحَت نيرمين لهُ الباب : أيوة يامُصعب
مُصعب : صاحب طارق جاب ليكم الحاجات دي , دخّلها جمب الباب
نيرمين ناظرةً إلَيّ : أيواه.. خلاص تمام ؛ مشى ؟
مُصعب : آي , عزمتو يشرب ليهو كباية شاي أبَا
همستُ من بين كفَيّ : أحسَن
أغلَقتَ نيرمين الباب وهروَلت إليّ , لميس خلفَ ظهري , ورغد بِجواري : يابِت مالِك بسم الله !
رفعتُ رأسي إليها : أصلًا كلُّو منِّك
رغد مُستنكِرة : بسم الله ! هو شنو المنّي؟
_ : المُتخلف الإسمو ماجِد دا ؛ ماكان ناقصني غيرو
لميس : يالطيف ؛ مالو عمَل شنو !
نيرمين : يابت إتكلّمي !
_ : جاي بكُل بجاحة يقول لَي أنا سمعتَ نقاشِك مع نيرمين بخصوص موضوع الشغل؛ وعندي ليك شُغل معاي !
لميس : حلو طيّب !
إلتفَتتُ إليها : هو شنو الحلُو طيّب !!
نيرمين : يابت مُش إنتي أصلًا عايزه تشتغلي !
_ : أيوة بس ما بالطريقة دي ! كأنو بيتمَنّنّ عليّ!
تنهَّدت رغد : بصراحة يارِيل ؛ إنتي قاعدة تكبّري المواضيع ساي في اللحظة دي
_ : أنا بكبِّر المواضيع ! طيّب يا رغد أنا بكبّرها ؛ ليه أصلًا تخلوني أمشي معاه وإنتو عارفين إني ماعايزه أحتكَّ بيه ! ليه بتقرّرو عني ياخ ؟؟
نيرمين : كدي روقي
رغد : ريل ماف زول قاعد يقرّر حاجة عنّك ؛ قولي بسم الله ! كل الحصل مشاويرنا كتيره وأكيد ماحنخليك تمشي براك
_ : رغد بالله وقّفي حِجَجِك دي ؛ إنتي عايزه تلصقيني فيه وخلاص
لميس : لا إله إلا الله , كدي روقو يا بنات
نهضَت رغَد غاضِبة
نيرمين لرَغد : ماشّه وين أقعُدي هنا !
رغد حاملةً حقيبتها : أصلًا إتأخَّرتَ
نيرمين : أٌقعدي قلت ليك
رغد : يابت ماشايفه الوقت؟ حمشي خلاص لي بُكرا
أحنَيتُ رأسي وأنا أهزُّ ساقَيّ
ودّعتنا رغَد دُونَ مُصافحة , وخرَجَت على عجَل
نهضَت نيرمين : حطلع أوقّف ليها ركشه دقيقه
تنهّدتُ بِضيق وأنا أرفع رأسي عُقبَ خروجهم
لميس : مالك يا ماما , ليه إنفجرتي للدرجة دي
إلتفتتُ إليها بملامحٍ لا تُفسَّر , وأنا أرفع كتِفَيّ بِحيرة
* كُنتُ أجلِس على أريكةِ الإسترخاء, وساقَيّ يُنافيانِ مبدأها؛ كُنتُ أهزّمها بِشدَّة, وأُطقطق أصابعي مِرارًا , دخلَت إليّ الطبيبة مروة أخيرًا , إستعدلتُ جالسَة وأنا أُرحِّب بِها , سارَت بإتجاه مكتبها لتضع الحقيبة : أُوه ؛ قالو لي دكتورة رِيل فتحَت العيادة قبلي
نهضتُ إليها : آسفة
أتَت نحوي مُهروِلة : ما إستقبلتي زول لسه ؟
" وعندما يجيءُ الوقت
و يُقرِّر الرحيل
دعيهِ يرحل
لأنّك مهيبةٌ
وغريبة وجميلة
شيءٌ لا يعرفُ الجميع كيفَ يُحبّهُ "
قد تفقدِي نفسِك في بداية العشرين , هذا المَكتوب هُو خطُّ العَودة لها بعدَ مًنتصف العشرين , والثلاثين , وحتّى تنتهي خوارزميّة الأرقام على جِدار عُمرِك.
- سيَجيء وقتٌ ستفقِد فيهِ الأشجار لَونها الأخضَر, سينحَسِر ضوءُ الشمس في قلبِك , وستغدُو كُل الأغنيات شِعرًا جَريحًا , يرثيك, والبَحرُ , مَوجُ الذكريات .. فِكرةُ الغَرقِ الأولى.. التي لا تنفكّ تُراوِدك.
ستُعلُوا فوقَ أحاديثِك عِباراتهم, قِصّةً عُقبَ قِصّة, سَوفَ ترسُم خطواتهم المِعوَجّة طريقكِ.. مُشوارًا عَقبَ الآخَر , وأنتِ خلفَ أسوارِ محبّتهم , أسيرةٌ لا ترى أغلالها ..
كُل تِلك الصداقات التي كشَف الخِصامُ زيفَها, وكل تِلك المحبّة التي صيّرتها الأيام ذِكرى تُوحِلُ القلب.. وتُدمِيه, ذلك الظِلّ الأسوَد؛ الذي أعطى للحُبّ تعريفًا ركيكًا لديكِ ثُمَّ رحَل, علَّمكِ أن العطَش إشتياق وأنّ المُلاحقَة إخلاص, أنّ الإنتظار (حُبٌ غيرُ مشروط) والجُروح بينَ المُحبِّين مِلحُ المَحبَّة.
أنتِ واهِمَة! كُنتِ واهِمة.. والآن ؛ بعدَ أن سحَلَت تلك الأيام خشونتها على نعومة جلدِكِ , تستفيقينَ , تسمحينَ بالرّحيل, وتأذَنينَ لنفسكِ بالعَودة.
بعدَ إبحارٍ طويل, سترَين البَحرَ أزرقًا , يخُصّك , ولا ترسُم أمواجهُ أساميهم
كانَ لديكِ صَوتٌ مليء بالدِفء, قلبٌ كالرَّبيع.. تستذكرين وهَجِك الأوَّل , كفراشةٍ تطير قُربَ كفِّك.. توشِكُ أن تحُطّ
الآن بعدَ أن عزَّ الرجُوع ؛ ها أنتِ تستقبلين تلك الصغيرة التي تاهَت باكِرًا , بجدائلها المُبعثرة, بإبتسامتها التي لا تصطفّ أسنانها بترتيب , بأثارِ حبّ الشباب على خدّيها , تلك الجميلة التي تُتقِن الحُب, تُدركين : أنّها هيَ مَن صنَعَتِ الحُبّ. تركُض غيرَ آبِهة إلّا بإختلاس ضحكاتٍ تُخبّئها لِليالي البُكاء, ولا تخشَى الليل , إنّها الشُجاعة التي عبَرَت بكِ ضفّةَ الألم الكبير ؛ تَرينها الآن , وأنتِ حصيلةُ ما حارَبتهُ بجسارتها, ما احتضنتهُ بِشجاعتها , كفٌّ أثِيرة؛ تقبِض النّار.. حتى تُصيّرها نُورًا..
بِلا أيادٍ
بلا طَوْقِ نجاة
سيُنقذك صِدقك
وتلك القدم التي ما إنفكّت عن الركض والمُحاولة
تلكَ العينان التِي بكَت في الظلام
حتّى تسرّبت لمعةُ الحُب منها
ستكُون هيَ مِشكاتِك
ولدَى الصباح الأوّل .. الذي ينتهِي فيهِ الفيضان
وتعودُ السُفن إلى مراسيها
ستمنحينَ الحُبّ لقلبكِ
أولًا
وأخيرًا
ودائمًا
وهذا هُوَ درسُك
هذهِ هيَ نجاتِك
لازلتِ أنتِ
هيَ أنتِ
وجِراحٍ أفقدتكِ بريقَك
تأتيكِ بهِ
بعد أن عزَّ اللقاء
سينتهي عهدُ " اللّا لَون "
وستعود عينيكِ ترى الشجرَ أخضرًا
والشمس
منكِ , ولأجلِك
ستُشرِق
- إسراء عبدالمطلب
❤️
لكن لا أحد يحن إلى جرحه، لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس، بل يحن إلى ما قبله. إلى زمان لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى التي تذوّب الوقت، كقطعة سكر في فنجان شاي.
-محمود درويش
إحنا دائمًا.. لما نحِن ، بنتذكر الجزء الحلُو
المقطَع الرايق من النُوتة .. الإندفاع الأوّل الغمَرك بكل مشاعر الدنيا الحلوة، الإحتواء والطبطبة والوقفة في الأزمات.. أعياد الميلاد، مشاويركم الكُلها وَنَس وخطاوي مألوفة ودَرِب عديل ودُغري
مافينا شخص بيتذكّر (هو ليه أصلًا غادَر؟ أو ليه الألفة دي كلها اتبدّدت؟)، ما بنذكُر الجزء القاسي.. الألم ومرارة البِكا والحيرة ، براك ، قلبك ملكُوم، وكفّك خاوِي..
حرِيّ بالإنسان إنو يستحضَر ألم زي دا.. ويتذكّر (كم مرّه) تُرِك لِي تيه الوِحدة دا ؟ وكم ليلة.. عددها كم الليالي القضاها سُهاد.. وبكا ؟
الصديق/ة ، والحبيب/ة .. وكل المُسميات البتأطّر علاقة إتنين بي بعَض.. لو ماكانت (مساحة آمِنة) فَ هي حتمًا (ساحة إعدام) .. ورماديّة المشهد؛ اللي الإنسان بيقضي جُل عمره فيها، مُحاولًا تغيير المُعادلة.. أو تبريرها، أو إعطاءها مُسمى آخَر: ما هِي إلا حبل المشنقة، اللي إنتَ ماشي عليه بإرادتَك المَحضّ
أقبَـل إنو الحُب ما هِنا.. أقبَـل سوءهُم الصَريح.. أقبَل بُعدَهم، وغادِر ، أقبَل إنك واهِم .. يمكِن صنعتَ أوهامَك براك! وعلّقتَ آخَرين في ساحة إعدام.. وكُل اللي رابطَك بالساحة دي .. إنك بِتُؤثر موت مألوف.. على حياة مُبهَمة:))
أقبَل
الحقيقة
أكسِر بيها قيدَك..
"ومرّه
خلّيـهُم محطَّـة
وإنـتَ سافِر"
- إسراء عبدالمطلب
#روسيال
(أرشيـف 22 ينايِر 2025) ❤️
أهمِس لنفسي : أها طارق جَا
يأتيني صَوت مُصعب : أووه ؛ ابو النسَب
أُغلق النار , أحمل إبريق الشايّ لأصفّيه
أشعُر بخطواتهم تقترب : أي نيرمين في المطبخ , يا نُنّه
ألتفِت إليهم بإبتسامةٍ صغيرة : خيّبنا ظنّك يا طارق
يضحَك : أوووه, الريله شخصيًا
يضحَك مُصعب : البنات ديل بقو كتيرات خلاص
يتقدّم طارق نَحوي : كيف الكلام دا
أًصافحهُ ضاحِكة : دا ضايق منّنا الأمَرّين خليهو
يضحَك طارق : الخبر شنو عليك الله ياريل ؟
_ : بخير والله ياعريس
يهمس : عريس شنو بس هي بِقى فيها عريس
تعلُو ضحكتي : معليش ؛ بديتو تمُّو بَس
يضحَك : كلامك صح ؛ أها خامسه كيف , شُغل بختلف
أُحكم إغلاق تُرمس الشايّ : واللهِ بِختلف شديييد
طارق : الله يساعدكم لكن خامسة قاسية والله
مُصعب : أها زلابيتكم دي مرقَت ؟
_ : مرقَت يا مصعب ؛ الشفقَه تطير !
يستلم الطبَق , تُرمس الشاي ويتقدَّم
_ : دقيقة أدّيك صينيّة !
يخرُج : ياخ صينية شنو إحنا بتاعين صواني
يضحَك طارق : ديل جاهزين ؟ عشان أنا ماعندي زمن وريت نيرمين
_ : جاهزين جاهزين , أشربو الشاي بس
يصيح لِمصعب : أها نلقّي ليك يدّينا تكُب لينا ولا كيف يا مصعب
مصعب : يازول كدي نشوف الزلابيه دي بتقول شنو أوّل شي
ضحِكت وأنا أُجهّز الأكواب : هاك يا طارق هاك
يستلمهم مني ويخرُج إلى المجلِس
* بِسيّارة طارِق, السُحُب تُهدِّدُ المِشوار, لميس قلِقة , رغَد الأكثَر قلقًا, وأنا ؛ أكتفِي بِمُراقبة الطريق تارة, وبالإبتسام لحالِ نيرمين وطارق تارةً أُخرى
يتنهَّد طارق : 20 مشوار , 20 مشوار يا مُسلمين ؟
نيرمين : معليش , حقَّك علينا
رغد : طارق يا أخوي , أنا براي متوتّرة , نزّلني بس كان حتعمل كِدا
طارق : لا حولااااا , وإنتي مالك قال زي المحكومة إعدام ؟
نيرمين : ما ورّيتك أنا ياطارق, عبدالرحمن عمل ليها موضوع عشان إتأخّرنا في السوق أمِس
طارق : وإنتو إتأخّرتو ليه أصلا؟
لميس : أها عان دا
نيرمين ضاحكة : طارق بسم الله , مالك حرارتَك مُرتفعة ؟
طارق : يازوله الراجل كلامو صح , تتأخّرو لشنو
رغد : أنا قُلتَ ليكم نزّلوني
_ : ياجماعة صلّو على النبي بسم الله
طارق : طيّب براحة, الصالَة الكوافير البوتيك
رغد : بيتي أوَّل
نيرمين بصوٍتٍ خفيض : حاضر يارغد والله , روقي
أٌمسِك بكفّها : أنا حنزل معاك
رغد : لالا يابت أمشي معاهم
_ : بحصّلهم مامشكلة
تنهّدت وهيَ تستند إلى كتفِي
لميس : ريل أدّيني تلفونك
أمُد لها بهِ
طارق : لميس
لميس : آيّ
طارق : الموقع
لميس : هدَا قاعدة أفتحو من تلفون ريل, تلفوني ماعارفة مالو
_ : أنا نازله لكنّ
تنهَّدت بإستسلام : واي ياريل نازله وين مخلياني؟ أنا براي ناس الشغل عاملين لي زفّه ولازم أرجع سُرعه
رغد ناظرةً إليّ : واصلي معاهم ياريل ,أنا بطمّنكم , ماف شي
زفَرتُ وأنا أُقبِّل خدَّها بِقلَق : أكيد ؟
توقّف طارَق أمامَ منزلها , أومأت لِي برأسها , وترجّلت عنّا ؛ لوّحنا لها حتى توارَت داخِل المبنى.
* قبلَ أذان العصر , كُنّا قد أتممنا إجراءات الصالة, حَجز خبيرة التجميل , وبروفا الزفاف الأخيرة, خرجنا من البوتيك مُحمّلين بالأكياس , أطقُم أحذية ومُجوهرات لفساتيننا التي مازالت عندَ الخيّاط , يقطعان نيرمين ولميس الشارع , يلتفتان إلَيّ : ريل أرَح !
_ : لا أنا حتحرّك من هِنا , طارق بعدّه حيضبحنا
نيرمين : يابت تعالي خلّي العوارة
_ : لالا والله ؛ أنا حتمشّى شوية وبعدين أركب المواصلات, الجوّ حلو
لميس تُومئ لها بِتفهُّم : خليها طيب , طمنينا بس لمن توصلي
أبعث لهُنّ بِقُبلة : حاضر
أسير الشارع مُستقيمًا حتّى أصِل إلى المبنى المنشُود, أدخُل وأضع أغراضي لدى طاوِلة السكرتيرة, تبتسِم لي بِترحاب : دكتورة ريل
أًصافحها : كيف حالك
تتقدّمي نحوَ المكتب : بخير تسلمي يارب, إتفضّلي
_: حخلي كروري دا عندِك بس
تبتسِم لي : ولا يهمِّك
أطرُق الباب, يأتيني صوتها مُرحِّبًا : هلا بِريل
أدخُل إليها بإبتسامة : دكتورة مروة
تنهَض إليّ , أُهروِل نَحوها : كيف عرفتيني
مروة : بقيتي تجي في مواعِيدِك
ضمّتني إليها وهي تُربِّت على ظهري : كيف أحوالنا ؟
تنهّدت : الحمدلله
تجلس خلف مكتبِة بحركةٍ سريعة وتُشير لي بالجلُوس : واجب الأسبوع , بسُرعة
أُخرج الدفتر وأمُد لها بهِ
تبتسم وهي تستلمهُ
" ما هُو الطَور هذهِ المرّه ؟ إلحقي بالشعور, وتقصِّيه , حتّى يُفصِح لكِ عن نفسِه "
تقرأ الطبيبة مروَة إجابتي بصَوتٍ مُرتفِع :
"الغضَب, وكُل ما يُرادفهُ من الكلمات, نفُور, كُره, وإختناق! أنا حاسّه إني بقيت بكرَه حمزَة , وبكرَه أي مكان جمّعنا , وذكرياتنا , بكرَه يامِن برضُو , وحاسّه إني عايزه أرجع وأقتلِع منو كل الأيام والليالي المنَحتو ليها بسذاجة ديك ! حانقَة عليهم وعلى نفسي لمّن كُنت معاهم , هُم ما بيكفّو عن الظهور ومحاولة إثبات إنهم صح وأنا غلط, إنهم خساير وأنا الخاسرة , لكن أنا مابقيت حتّى طرف في النزاع دا ! أنا رميت سيفي ودِرعي زمان وخلاص, إخترتَ السلام, هُم ليه
قفَز إلينَا مُتحمّسًا : خالتي بخيته, جبنه خالي دوَا عليك الله
إستلمت كوبًا آخَر ناظرةً إليه : سمِح بس خلّي لينا الدكتورة دي تتم قرايتها
إبتسمتُ وأنا أربِّت كتفها : والله ياخالتو بخيته إنتي البتفهميني , هُو كل مايشوفني بقول لي قرايتِك دي قراية الكضب
بَخيته : ليه؟ شان في الجبَنه
هززتُ رأسي بِحُزن : أيوة
سحَب كُرسّيه وجلسَ أمامي : مُش عليك الله ياخالتي بخيته ؟
بخيته : بري والله يا ولدي؛ دكتورة والله هيبة الدكتورات دي في وشّها
إحتضنتها وأنا أبتسِم سعيدة : الله يخليك ويسعدك ياخالتو بخيته
ضحِكت وهيَ تُربّت كفِّي : الله يعدل عليك يابتي
تنهّدت وأنا أٌتلحّف بالبطانية
بعدَ لحظات, وضعتُ خالتو بخيته أكوابَ القهوة أمامَنا, مُبخرٌ صغير , ونهضَت بإتّجاه "الدُكان"
رشَف ماجد قهوتهُ ناظرًا إليّ : ماخلّصتي؟
طَويتُ الأوراقَ حينها : هي خلاص زِهجتَ
ضحِكَ حتّى سُكِبت القهوة على قميصِه : ولمن أقوليك قراية كِضب تزعلي
_ : مابزهَج إلا لمن تجي إنتَ , ماعارفة ليه
ماجد : سوّيها فيني آي
ضحِكت : الجَو بِرِد
ماجد مُعتدِلًا : نمشي؟
هززتُ رأسي ناظرةً إليه
نهضَ يُنهي قهوتهُ برشفةٍ واحِدة : يلّا طيب
نهضتُ أخلعُ عني بطّانية خالتو بخيته, أطويها وأضعها على مقعدها الصغير
يصيح لها ماجِد , تخرُج من البِقالة قادمةً نحوَنا , يُناولي ماجد مفتاح السيّارة وُيشير لي أن أتقدَّم
تقترب خالتو بخيته, أُلوِّح لها, تبعث لي بِقُبلةٍ حنونة, أبتسِم وأمضي بإتّجاه السيارة
* في الطَريق , أنحني على جنبِي نَعِسة , يُناولني ماجد الهاتِف : شغّلي حاجة
أبتسم وأستلمهُ منه : على ذوقي ؟
ماجد : مامشكلة
أُقطِّب حاجبيّ وأضحِك مُستنكرة : قصدَك شنو يعني !
ماجد : ياخ أنا ماقُلتَ شي زاتو, يازوله أنا بشكيك لي أُمي والله
علَت ضحكتي وأنا ألتفت بجذعي إليه : ياسلام؟ حتعمَل لي شنو خالتو
ماجد : حتدعِي بس , بعدّاك إنتي ونصيبِك
إنشغلتُ بالبحث عن الأغنية
إبتسَم ناظرًا للطريق : مالِك سكَتتي
تجاهلتهُ وأنا أٌشغِّل الأغنية , أرفعُ الصوت, وأبتسمُ للطريق
" بِينا نعيش
دا العُمر ليلَة..”
أسمعهُ يُردِّد , بصَوتٍ خفيض , ونغمةٍ حنونة
أبتسِم مُتفاجئة : بتعرفها ؟
ماجد : طلعتي ذوّاقة , ماتبَع الجيل الجديد
ضحِكت
يلتفت نحوَ نافِذَتي : الشارع دا مقفول ولا شنو ؟
_ : شكلُو
ماجد : نشوف غيرو طيّب
_ : ممكن أنزِل هنا أحسَن
ماجد : إنتي لسّه ماورّيتيهم قصة الشغل دا ؟
_ : لسّه , مامستعدّة هسي
ماجد : مامشكلة, خلّيني أقرِّبك شوية بس
أهزّ رأسي بالموافقة, نقترب من منزل نيرمين, على بُعد شارِعٍ واحِد , أترجّل عن السيّارة , ينحنِي إليّ , أنحني عبرَ النافذة, نبتسِم , ألوِّح لهُ , يرفع كفّهُ : يلا , في أمان الله
_ : مع السلامة
كانَ الشارع ذاتَهُ , الذي أنكرَ حمزة فيه أي شيءٍ حقيقيّ يربطنا, ذات الشارع الذي سِِرتُ عبرهُ باكِية, أجرُّ أذيالَ خَيبَتي للمرّة الأخيرة؛ أتنهَّد الآن وأنا أتشرّب هواءَ المساء بارِدًا إلى رِئَتيّ , يتراءَى لي وجههُ, ولا أطمئِن, بَل أفتَح عينيّ على إتّساعهما , شعورٌ بالنفُور والضيق حالَ ذِكرِه.. أصِِل إلى باب المنزل أخيرًا, لا أكادُ أطرقهُ حتّى يُفتَح, يقِف مصعب أمامِي مُتأهِّبًا للخروج : أُوووه, ريل
أبتسِم مُتعَبة , أصافحهُ : مُصعب, إزيّك
يُصافحني ويسحبني للداخل : خُشي خشي الحفلة مدوّرة جوّه
ألتفت إلى المدخل بإستغراب : حفلة شنو سجمي ؟
مصعب : حفلة من النوع التاني, رغد ولميس كلهم جوه ؛ حصّلي الشمار بس
أٌقطِّب حاجبيّ وأهروِل للداخل , يخرُج ويُغلِق الباب خلفه, أفتح الباب وأسير بإتجاه غُرفة نيرمين , تأتيني شهقات رغَد من خلف الباب, أدفعهُ وأدخُل قلِقة : في شنو !
لميس : بسم الله, وقّعتي قلبي يا ريل !
نيرمين : ريلو, جيتي متين
ترفع رغد وجهها المُحتقن بالدموع إلَيّ
أُهروِل إليها , أجلِس جوارها وأضُمّ رأسها إلى صدري : مالِك يا ماما ؟
تغمِز نيرمين لي : خليها , هي كويسة هسّي
تُجهِش باكية وهيَ تتشبّث بكتفي
أنظُر لنيرمين : واضِح ! في شنو بس حصل شنو ؟ علي؟
تهزّ لميس رأسها بالنَفي : التاني
أتنهَّد : عبدالرحمن أخوك؟ مالو كمان !
نيرمين بصوتٍ مُتعَب : عشان إتأخّرت معاي في السوق , عمَل قِصّة
_ : عمَل شنو يعني؟ وهسّي هي قاعدة هنا كيف للزمن دا ؟
صاحَت رغد بغتةً : ماراجعه ليهو , ماراجعة البيت دا خلاص كرهتو وكرهت العيشه دي خلاص !
_ : روقي .. روقي طيّب
لميس : الوضع بِقى غير مُحتمَل ياريل , عديل
_ : عمَل شنو يعني
لميس : عمَلو أسوَد ومهبِّب
نيرمين : يخوانّا , خلوها تروق هسي , كلامنا دا كلو ما حَلّ , أهدُو وخلونا نفكّر بمنطق بس
ما يكرَه, وما أجبَرهُ العالم على أن يتركهُ باكِرًا, وكانَ ثمّةَ خيطٌ نمسك أطرافهُ كِلَيْنا, أنّنا كبُرنا باكِرًا, فكانَ يَعِي ما أٌُقول؛ وكُنتُ أُحسّ بِما يشعُر.
* نحنُ الآن في المنطقة الصناعيّة, أستندُ على الدرّاجة في ناصيةٍ قريبة, وهُو يُفاوض صاحب المحلّ في سِعر البطّارية.
تخصَّر أمامي بِحيرةٍ وهُوَ يسألُني : أشيلها ؟ ولا نشوف محل تاني
قطّبتُ حاجِبَيّ حيثُ لم أنتبِه لمجيئه : إنتَ بتسألني أنا ؟
هزّ رأسهُ بالإيجاب : أيوَه
_ : البفهّمني ف البطاريات شنو !
ماجد : قصدي من ناحية السِعر
نظَرتُ حَولي : ماعارفة, حاسّاها ماغالية شديد
نظرَ إليّ وكأنّما يتأكّد من رأيي للمرّة الأخيرة
هززتُ رأسي : أظُن.. يعني
إلتفَت إلى البائع يتفقَّد جيُوبهُ : على بركة الله
_* كانت تِلك الأيّام عَذبة, أحسستُ بها تنساب من بين أصابع قلَقي راهِية ورقيقة؛ كانت ريل تتعرّف على شكل الطمأنينة لأوَّل مرّة مُنذُ زمَن , مرئيّةً ,مسموعة , ومَقبولة ؛ بالكامِل؛ بِلا قصٍّ أو لَصق ؛ هذا الشعور الذي لم يسبِق لهُ مثيلٌ في قلبي ؛ دفَعني لتخبئتِه.. قرّرت أن أُخفِيه حتّى يربُو ويكبُر ؛ لم أُخبر الفتيات حينها؛ لا الطبيبة مروَة , ولا حتّى دفتَر مُذكّراتي, سِرًّا, أحفَظهُ بِحرص ولا أبُوحهُ.
* كانت الساعة تُشير للعاشرة صباحًا, عندما نفضتُ عنّي غطائي الدافئ, وهروَلتُ بإتّجاه الحمّام, رنّ الهاتف , هرولتُ بِفرشاة الأسنان داخل فَمي, أجَبتُ وأنا أضعهُ على مُكبّر الصَوت
أتاني صوتُه مُوبِّخًا : شنو ياا جاد الله
تعشرقت بالمعجون وأنا أضحَك, غسلتُ فمِي وأجَبتهُ : صحيت والله
تنهَّد : وفوّتتي محاضرتِك طبعًا
_ : ما مُهمّة أساسًا
إزداد ضيقهُ : أها دا الكلام المابِعجبني
خرجتُ من الحمّام أُجفّف كفَيّ , أسندُ الهاتف إلى أُذني : ياماجد إنتَ حتعرف محاضراتي أكتَر مني يعني !
ماجد : خلاص ياستّي, غلطان أنا
تنهّدت : ماقصدي كِدا , صلاتَك على النبي
ماجد : ألف على الحبيب
_ : ححضَر التانية هدَا , بلحَق
ماجد : ماشِي, كُنت عايز أسألِك من شيت الحسابات لكن خليك لمّن تروقي
دخلتُ إلى الغرفة, فتحتُ خزانتي ووضعتُ الهاتف على الرفّ : لالا جهّزتو , مُديرة كبيرة يازول
ضحِك ضحكةً طويلة
إبتسمتُ وأنا أنحني أبحث عن تنّورتي السوداء
ماجد : طيّب يا مُديرة, أغشاك الساعة كم ؟
_ : 2
ماجد : حاضِر , عايزة حاجة ؟
نهضتُ وأنا ألقَف قميصي : هئّة؛ سلامتَك
ماجد : يلا طيب, ماتتأخري على محاضرتك
_ : طالعه على طُول هدَا , يلا
ماجد : مع السلامة
أنهيتُ المكالمة وأنا أحمل هاتفي وأُغلق الخزانة
سِرتُ على قدَمَيّ وصُولًا إلى مبنى الجامِعة , توقّفت أمام البوّابة أُبرِز بطاقتي , وكالعادة, أُغلق أزرّة البالطو , رنّ هاتفي وأنا أصعَد الدرَج , أجبتُ لاهِثة : رغودي
رغد : يابت إنتي وين ؟ الراجل دا قال بعد 5 دقايق ماحيدخّل زول
_ : هدَا في السلم واي
رغد : أسرعِي
أغلقتُ الخطّ , هرولتُ وصولًا للدَور الرابع, لقفتُ أنفاسي, فتحتُ باب القاعة بِبُطء , فرطَق المُحاضِر بأصابعهِ دونَ أن يلتفت , وأشارَ لي بالدخُول, دخلتُ مُسرِعةً وهرولتُ نحَوَ المُدرّجات الفارِغة, إلتفتَت رغد تُلوِّح لِي , وصلتُ إليها, جلستُ وسندتُ ضهري بِتعَب
ربّتَت على ساقِي : جيتي مَشي مُش؟
هززتُ رأسي وأنا أزفُر
رغد : مجنونة ساي
إلتفتّتُ إليها أهمِس : حضرتي الأولى ؟
رغد : فتحيّة النضّامه ؟ بري
ضحِكت : أنا زاتي ماكُنت ناوية أحضرها , وكدا كدا شالَتني نومه
رغد : خلاص أسكُتي عشان قاعدة أسجِّل
_ : مُش قال ممنوع التسجيل ؟
رمَقتني بنظرة : هُس
رفعتُ أكتافي أسحَبُ ماقُلته وإلتفتت إلى شاشة العرض
* خرَجنا من المحاضرة في تمام الواحِدة ظُهرًا , كانت شمس الشتاء لاسِعة , رغم ذلك نفحَاتٌ من البرد تسلّلَت تُلطّف مُشوارنا نحوَ الكافتيريا , رنَّ هاتفُ رغَد , أوقَفتني : دقيقة دقيقة
_ : في شنو ؟
رغد : نيرمين كانت عايزاني أصوّر ليها أوراق من المكتبة التّحت, أمشي خلاص أطلُبي بحصّلك
وضعتُ ملفّ الشيتات فَوق رأسي وصغّرتُ عينيّ من الشمس : خلاص تمام
ذهبَت عنّي , وإلتفَتّتُ أُكمِل طريقي
عندما وصلتُ إلى الكافتيريا, في الدَور الأخير لدى مبنَى الإدارة , تحسّست طريقي بينَ زحمة الطُلّاب وصولًا إلى شُبّاك الطلبات , رائحة البطاطا المقليّة التي إختلطَت مع دُخان البيرغر فوقَ الصاجّ, وعِطر, عطرٌ أعرِفهُ , لا أُريد أن ألتفِت.. ( ريل؟ )
تنهَّدتُ وأنا أُغمض عَينيّ بإستسلام , إلتفتتّ بوجهٍ جامِد
أحاط ظهري بِذراعِهِ يحجُبني من طابُور الشباب خَلفي , تنهّدتُ وأنا أُخفِض رأسي بِضيق
أشارَ لي أن أخرُج : عايزه شنو ؟
صباح الخير: "لا صرت مطلع شمْس .. لا ترجع ظلال".
Читать полностью…
أبقِ عينيكَ على النُّـور
لِتعبُرَ كُلَّ هذا الظلام.
أُحاوِل
-للمرّة مجهولة الترتيب-
على أمل
أن لا يطعَمَني اليأس
وأن يرى اللهَ منّي خيرًا.
'الشجَاعة لا تُنكِر الرجفَة، بَل تمشِي معها'
أنت أشجَع الشُجعان عندمَا تواجِه خوفك و تبكي قليلًا معه، و عكس الشجَاعة أن تُنكر بكلّ بساطَة جرحك الذي يرتَعش
🤍
سأتركُ القطار
يمضي بدوني
سيقولون عنه:
قطارٌ فاتته امرأة.
لطالمَا أسَرتْني لقطات الوِدّ الصافيَة، تلكَ التي لا يشوبها زيفٌ أو كلافَة، سَعدُ روحٍ بِروح، ضحكاتٌ بمثابة بَيْت، وعينانِ لدَى الآخَر هيَ الدُنيَا ومُنتهى كُلِّ الطُرق..
أغبَط المُحبِّين، ولا أعنِي بِقول المُحبّين -طرفيّ العلاقة-
إنَّما أعنِي المُحبِّين فُرادَى، -إذ أنَّ القصة في حقيقتها- ، تقول أنَّ أحد الطرفينِ أحبَّ بالأكثَر.. أخلَصَ بالأكثَر، غطَّت ضحكاتهُ الحنونة سقفَ المنفى، حتى أصبح منزِلًا! 'مُحِبٌ واحد من أصلِ كُلِّ إثنين' يحملُ روحهُ في وجهِه ، وكل الدُنى مُنذُ بدأت وحتَّى تنتهي ، لا تُساوي 'لديه' لحظةً يقضيها فِي ريحِ من يُحِبّ،
أُحبُّ أن أرى الوِدَّ يربُوا، ويكبُر.. ضحكةً بِضحكة وحُزنًا بِحزن، أُحِبّ أن أرى المسافات تدنُوا، والمشوار الصعب تحُوطهُ سحابةُ صَيْف، تُنسي العُمر هجيرهُ وتُحيي ربيعهُ بالمطَر..
أُحِبّ السنين حينَ تمضِي؛ تأخذُ المحبّين إلى ذروة الإلفة، إلى العطف المُخبّأ في نبرة الصوت الحادّة، والطلَب المُلِحّ الذي يُطاع من كَلِمةٍ واحِدة، تِلك الإلفة السحريّة، تُمهِل الروح سنينًا من التأمُّل.. في 'رابطةٍ روحيّة' لم تخضع يومًا لقوانين الكيميَاء.. لكنّها تفوّقت على كُل الفرضيَات!
وأنا ، آتية من العُمرِ الأوَّل.. تأسرني سنينهم الحنونة هذِه، يترقرقُ الدمعُ في عيني ويغشانِي الحنين.. لِنظرةٍ كبُرت أمامي حَتَّى أصبحَت بَيْتًا، وسقفًا، وأطفَال!
كُلُّ المُحبِّين في العالم أصدقائي، حتّى وإن كانت المسافة بينهم وبين أحبابهم بحرٌ من التجديف، قلبٌ ملكُوم، أو حتّى عُمرٌ من التمنِّي، أُحبّهم، وأرَى في صبرهم المُقنَّعِ بالأمل ذاتِي وأملي الصغير، أُحبُّهم وأعتبرهم أصدقائِي، لأنني عندما تحينُ قِصَّتي؛ أودُّ أن أكونَ الطرف الذي "يُحب حتّى تفنى العوالم، وتحترِق النجُوم، حتَّى تذبُل الشموس ، وينطفئ القمَر." مِثلَهُم!
JULY 2021
#رُوسيال
❤️
رغد ضاحكة : آي يازوله
لميس : عفيت منّك
_ : وين الفُستان؟
لميس : شالتو معاها الأوضة
رغد : بس تمام
نهضتُ أنفُض كفَّيّ : تعالي يا لميس, نضفّي باقي الأسوَد ع بال ما أشوف المديدة
لميس : دقيقة أغسّل يدّي
رغد : سوقيني معاك
خرَجنا سويًا, توجّهتُ إلى المطبخ وخلفِي رغد؛ بينما دخلَت لميس إلى الحمّام
رغَد : جابُو البارِد ؟
_ : لسّه
فتحت صنبور الماء : كيف لسّه, هسي الضيوف بِوصلو ؛ مصعب وينو ؟
_ : بري
رغد : دي مُشكلة دي
خرجَت لميس إلينا : مالكُم ؟
رغد : البارِد وينو ؟
لميس : جابوه
_ : أجي متين ؟
لميس : قبيل الصباح , قبل ماتجِي ؛ جلال جابو
رغد : الحمدلله طيّب
لميس : آي قاعد ؛ بس شوفو دخلوه الفريزر ولالا
_ : ما أظن لأني هسّي فتحت الفريزر
خرجَت رغد إلى المخزَن الخلفي : واي , ديل للغدَا بس صح؟ ماحيكفّو للحنّة
حكّت لميس رأسها : ماعارفة والله
رغد : مستحيل تكفّي
_ : مامشكلة لمّن نلِم في مصعب بنكلّمو , خلونا نخلّص الغدا هسي لأني حرّيت
لميس : يلا طيّب
خرجَت رغد إليها , بينما تخصّرتُ أتأمّل فوضى المطبَخ, أمسكتُ بِالملعقة الخشبيّة وأخذتُ أُقلِّب حبّات التَمر بداخل الوعاء..
* قُبيْل المغرب بِدقائق, كانت صالَة المنزل لا تزالُ تضجّ بأصواتِ المعازِيم .. كؤوس الشاي , وأطباقُ "المديدة واللقيمات" مواعين الغداء تصطفّ أمام باب المطبَخ, خرَجت خالتو نرجِس من المطبخ إلينا , هرولتُ نحوها : خالتو مالِك ؟
خالتو نرجس : اظنّو الضغط, نادي لَي نيرمين كدي
_ : تعالي جوّه طيّب , تعالي أنا بقيسو ليك
نهضَت مُتثاقلة تستندّ إلى ذراعي
صاحَت لها نبأ من داخل غُرفة الإستقبال : أُمّي مالِك
أشرتُ لها : مافيها شي بس الحرّ
نبأ : خلاص خليها تخش ترتاح في المُكيّف
دخلنا وأغلقنا الباب خلفنا , إلتفتَت نيرمين إلينا من أمام الخِزانة : أُمي !
أجلستُها على مهل , هرولت نيرمين إلينا : ماما , مالِك !
_ : روقي , خلينا نقيس ليها الضغط
جلست نيرمين أسفل قدميها , أخذَت تمسح على ذراعها : تعبتي الليلة , أعفي ليّ
صفعتها خالتو بِخفّة , مُمازحة, وضحِكَت بأنفاسٍ مُتسارعة : يابِت .. خلي الكلام الفاضي
إبتسمتُ وأنا أتناول جهاز قياس الضغط, أُمسِك بذراعها , وألفُّ الشريط حَولهُ
يُطرَق الباب , تصيح نيرمين : منُو
تفتحهُ رغد بهدوء : نُنّه ! بتسوي في شنو لسه مامشيتي الكوافير؟
نيرمين : أمّي تعبت يارغد
دخلَت إلينا وأغلَقَت الباب قلِقة : مالها خالتو بسم الله !
_ : ماعندها شي الحمدلله, الضغط مرتفع شوية بس
خالتو نرجس : عارفاهو أنا.. مابريّحني
نهضتُ عنها وأنا أخلَع لها الشريط : أجر وعافية ياخالتُو , دواكِ وين
نهضَت نيرمين تفتحُ الأدراج : ما أخدتيهم يا أُمي صاح
خالتو نرجس : حسّيت روحي كويسة
قاطعتها نيرمين : يا أمي الله يهديك ماف حاجة إسمها حسيت روحي كويسة , عليك الله يا أُمي !
خالتو نرجس : يابِت خلاص ماتكوركي فيني
نيرمين : ماكوركتَ يا أمي
خالتو نرجس : كوركتي , شنو هو ؛ خلاص نسيتها
تنهّدتُ وأنا أمسَح على ظهر نيرمين, زفَرَت وهيَ تُقبِّل رأس والدتها : معليش يا أمي, كوركتَ صاح ؛ سامحيني
أحنَت خالتو نرجس رأسها وبدَا عليها الحُزن , نظرتُ لرغَد وأنا أشرَح لها ما يحدُث , أومأت رغد بِرأسها مُتفهّمة , بينمَا جلست نيرمين أسفل قدميها مُجددًا وهيَ تُلاحق عينيها : أُمّي , ماما
أحاطَت خالتو نرجس وجهها, وأخذت تبكي
أغمضتُ عينيّ بِشدّة , هرولت رغد إليهم وهيَ تضُمّ خالتو إليها
زفرتُ أزدري دَمعي
نيرمين تُقاومُ البكاء : ماما ..
نظرَت رغد إليها مُحاولةً إسكاتها , همسَت لها دُونَ صَوت : خلّيها
نظرتُ حَولي أهرُب من هذهِ المشاعر , من أن يكون للإنسان منزلٌ سيُفارقهُ
من أن يكون للإنسان .. منزِلًا
(تُرى , كيفَ يكون شكل المنزل ياريل؟)
بعدَ كُل هذهِ السنين في بردِ المنفَى ؟
هل دافئًا ؟ مثلَ هذا الدَمع
هل حنونًا, لا يعرفُ القسوة؟
هل شاسِعًا؟ يتّسع لنا دائمًا ؟
هل يُشبه توبيخ خالتو نرجِس البريء .. حُزنها , ومحبَّتها؟
وجدتُ نفسي أجلس بجوار نيرمين , رأسي إلى كتفِها , رأسها إلى حُضن خالتو نرجس , وكَفُّ رغد تُربِّت على ظهرها وتضُمّها إليها , أخذنا نبكِي , وصورةُ نيرمين مُعلّقة بِجوار السرير , وفُستانُ الحنّاء, يستلقي على طَرَفِه..
* مساءً , كانَ سطحُ المنزل يُضيء كَمهرجان , فساتينٌ زاهِيَة , وردٌ مُجفَّف يُزيّن الطاوِلات, لم تصِل العروس بَعد, أُهروِل عبرَ الدرَج بخطواتٍ حَذِرة , أُمسِك بفُستاني كي لا أتعثّر, وتنكشِف فتحةُ الساق الصغيرة , أزفُر مُتضايفة وأنا أدخُل إلى غُرفة نيرمين : رغد !
تلتفت إليّ من أمام المِرآة : نُنّه جات ؟
إبتسمتُ على مضَض , إحتضنتني وقبّلتُها , ربّتَّت على ظهري بِرفق
إبتعدتُ عنها , أشارت لي أن أجلِس , جلَست قبالتي
وشبَكت كفّيها ناظرةً إلَيّ : مالنَا؟
_ : في شي غلَط .. فيني
مروة : خلينا نحكي , مانحكُم
زفَرتُ وأنا أفهمُ أفكاري , وأُحلّلها ؛ عبرَ الحديث إليها : أمِس كُنتَ مع الإسمو ماجِد دا طول اليوم, بحُكم السوق وتجهيزات العرِس
مروة : ليه الإسمو ماجد دا , هو مضايقِك ؟
تنهَّدت : ماعارفة, بيوتّرني
مروة : هو البيوتّرك , ولا إحتمالية إنو يكون بينكُم شي هي الموتّراك
_ : يادكتورة لأ! لأ ياخي أرجوك ماتقولي لَي كِدا
مروة : أنا آسفة, أنا بحاول أفهَم معاك بس , كمّلي
_ : أنا مُنزعجة منّو هو في شخصُو ؛ يعني , كلو على بعضو موتّرني , زول غريب وغامِض وماتفهمي نيّتُو شنو ؛ بس خلاص عادي ناس بتتلاقى وما بتستلطف بعض ؛ أنا مُشكلتي في الحصل أمس .. لمّا هو أدّا نفسو حقّ يعرِض عليّ شغل بناءً على ظروف عائلية أنا حكيتها لصحبتي وهو إتنصّت عليها !
مروة : إتنصّت ؟
_ : أيوة, هو قال بالغلط, بس دا كان حوار طويل , يبقى هو إتعمّد يقيف ويسمع
مروة : والزّعلك شنو , عرض الشُغل, ولا الشخص العرَضُو ؟
_ : الفِكرة ! هو عارضُو بناءً على شنو ؟ شفقَه ؟
مروة : ما ضروري يارِيل
_ : لأ أنا عندي ضروري يادكتورة
مروة : نروق ؟ ماعناد الحياة
زفَرت
مروة : برّاحة وحبّه حبّه ؛ حاليًا ماجد دا شخص غير مُحبَّب بالنسبة ليك ؛ ففكرة إنّو يساعدِك دي ما راكبه راسك ؛ هل إنتي شايفاه دون مستواك مثلًا !
_ : لأ ! ليه أشوفو كدا هو زول شغّال ومرتاح إلى حدّ مّا
مروة : ما ماديًا, إجتماعيًا, ثقافيًا
_ : ماعارفة, بس بحسُّو دقّه قديمة
مروة ضاحِكة : الله من بنات الجيل دا
إبتسمتُ : واللهِ! بيعمَل تصرّفات مُريبة كتير , بحسّ إنو أي ثانية بقضيها معاه دي ضياع زمن وبَس , إنسان عشوائي وغريب
مروة : أنا ممكن أفهم إنك ماتستلطفيه ؛ لكن زعلِك الشديد دا قاعد يدّيني إشارات تانية خلّي بالِك
_ : يادكتُورة!
مروة : خلاص خلاص , سكتتَ
تنهّدت وأنا أستند بظهري إلى يَد الأريكة : بعدما سمّعتو مالذّ وطاب , وشاكلتَ صحبتي العرّفتني عليه وعملتَ دراما ؛ حسّيت إنو الموضوع ماكان بستاهل كُل ردة الفعل دي !
مروة : شُفتي, إذًا في حاجة أبعَد من موضوع الشُغل في حدّ ذاتُه
نظرتُ إليه : حاجة زي شنو لكنّ !
مروة : يمكن في جرح لسّه مفتوح؛ وإنتي حسّيتيه إنكشَف
تنهّدت وأنا أغيبُ بنظراتي عنها في فضاء المكان
مروة : رِيل .. إنتي مامسؤولة عن أي ظرف أهلِك مارّين بيه, مسؤولة عن نفسِك بَس لحدٍّ مُعيّن, ومامسؤولية مُطلَقة, ضغطِك لنفسك تحت وطأة الشعور دا هي المتعباك, ومخلياك عُدوانية تجاه أي شخص بيحاول يهبِش المكان دا , وماجد المسكين كان فريسة ساهله
تنهّدتُ أبتسمُ بأسى : حرام عليك يادكتُورة
مروة ضاحِكة : دي الحقيقة , إنتي مَدينة ليهو بإعتذار
نهضَت عنّي وأكمَلت : دي كانت نصيحة صغيرة لغاية جلستنا الجايّة, عشان هسي مابنقدَر نتعدّا على مواعيد ضيوفنا الباقيين
نهضتُ خلفها : أنا آسفة حقيقي والله..
قاطَعتني : أنا شخصيًا ماعايزه أسَف؛ شوفي صحبتِك و ماجِد
ضحِكت وأنا أحمَل حقيبَتي وألوِّح لها خلف مكتبها : شُكرًا يادكتورة
بعثَت لي بِقبلة , إستقبلتُها ضاحِكة, وخرجتُ أُهروِل
* غفَوْت على كُرسي المكتبَة, كانت الساعة قد تجاوزَت الثانية عشَر ظُهرًا, أفَقتُ على رنين الهاتِف, نهضتُ فزِعة وأنا أتأمّل المكان حَولي, زفَرتُ وأنا أُجيب : ألو
أتاني صوت نيرمين فرِحًا : رورو ! نايمة ولا شنو ؟
_ : في المكتبة بس شكلي غفيت وماحاسّه
نيرمين : عندي ليك خبَر بمليون دولار
إعتدلتُ جالسة بِفضُول : شنو ؟
أتاني صوتها ضاحِكًا : نبأ وِلدت !
صرَخت , ثُمّ إلتفتتّ إلى الجالسين حَولي مُتوجّسة, نهضتُ أُهروِل بإتّجاه الخارِج : نيرمين إنتي جادّة ! نبأ وِلدت ! أيّووووي
ضحِكت : أي والله, جابَت ولَد
ضممتُ كفّي إلى صدري أُقاوِم دَمعي : حمدلله على سلامتها ! يا الله.. هسّي وين وأجيكم وين ؟
نيرمين : تعالي البيت, إحنا رجعنا وخلينا ماما معاها
_ : يلّا مسافة الطريق
* ترجّلتُ عن حافلة المواصلات على ناصية الشارِع, أكمَلتُ الطريق إلى المنزلِ سَيرًا , أردتُ أن أتمشّى , أن أسمَح لهذهِ المشاعر التي ترتطِم على شاطئِ قلبي أن تعبُر إلى ضِفّةٍ أُخرى, أهدأ وأأمَن .. لازِلتُ أذكُر زواج نبأ, يُومِض من أمسٍ قَريب.. كيفَ مرَّت هذهِ الأيّام؟ وأيَن سيرسُوا هذا المَوج الذي لا يكُفّ عن الفيَضان ؟
* كانَ المنزلُ هادِئًا, يبدُو أنّ الجميع في المُستشفى, وضَعتُ حقيبتي حانبًا وأنا أصِيح : نيرمين
أتاني صَوتها من داخل المطبخ : أنا هنا يا ريل
#شــمسٌ_بارِدة
الجزء الثالث عشَر
( ليكتمِلَ الحُلم.. )
(13)
(متَى نُؤصِد نوافذَ الشكّ؟ متى نُشرِّع أبوابَ الإلفة؟) أفَقتُ باكِرًا؛ بِذلك التساؤل يدُورُ بِرأسي ؛ أقِفُ أمامَ المِوْقَد, رأسي إلى الجِدار , وأصابعي تترقَّب فوَران الحليب لِتُطفئَ أسفَلهُ؛ رنَّ هاتفِي وإندلَق الحليب, في وتيرةٍ واحِدة, إنتفضتُ فزِعة وأنا أُطفئُ المِوْقَد, هرولتُ بإتّجاه الغُرفة, إستلمتُ الهاتف؛ أجَبتُ وأنا أُهروِلُ بإتّجاه المطبَخ : ألو
أتاني صَوتُ رغَد نشِطًا : رورو , صباح الخير
تنهّدتُ وأنا أستلم المِنشفة, أُجفّفُ الحليب : صباح النور
رغد : مالِك يادوب صحيتي ولا شنو
_ : آي , بعمل في الشّاي
رغد : ماشاءالله عليك ؛ العروس صاحية بدري عنِّك
أجبتُها بصَوتٍ نَعِس : هي مش العروس مفروض ماتنوم أصلًا
رغد : يختي داك يوم العرس ؛ لكن الفترة الإحنا فيها دي تنوم ساي نصحى نحنا
توجّهتُ نحوَ الكُوب مُمسكةً بِبرّاد الحليب , سكبتهُ بِبُطء : طالعين هسّي ؟
رغد : يابتّي إحنا طلعنا وقرَّبنا على الصالة زاتو
حملتُ الكُوب وخرَجتُ بإتجاه غُرفَتي : مشيتو بدُوني !
رغد : يا ماما إحنا أصلًا عايزينّك لمشوار تاني ؛ نيرمين وطارق مشُو للدهَب , وأنا ولميس عايزين نعربِن الصالة ؛ إنتي يا روحي حتمشي السُوق عشان مقاضِي الحِنّة
دخلتُ وأغلقتُ الباب بِقدَمي : براي !
رغد : لأ طبعًا , عارفنّك حتطشّي ؛ حيمُر عليك ماجد يسوقك
تنهَّدت وأنا أفهَم هذهِ اللُعبة التي لا أكفُّ عن خَوضِها : رغَد
قاطَعتني على عجَل : عايني ياماما , صاحب الصالة داخل علينا هدَا؛ يلّا؛ ماجد حيكلّمك ما تتأخّري عليه ؛ باي
كِدتُ أنطِق؛ حتّى قاطعني صوتُ إنهاء المُكالمة , زفَرتُ وأنا أرمِي بالهاتف على الفِراش ؛ أفتَحُ بابَ الشُرفة وأخرُج .. يرنُّ هاتفِي مُجددًا, فأتنهَّد وأعُود ؛ تاركةً كُوبَ الشاي على حافّةِ السُور
أمسكتُ بالهاتف, رقمٌ غَريب, لابُدّ أنهُ هُوَ , أجبتُ على مضَض : ألو
أتاني صوتهُ مُتردِّدًا, وعَجولًا : صباح الخير, دكتُورة ريل , كيف حالِك
حدّثتُ نفسي مُستنكِرة ( شنو دكتورة ريل دِي , جايّيني في عيادتي ! ) : صباح النُور , أهلًا
صمَتَ بُرهةً ثُمَّ أردَف : أء.. رغَد كلّمتني عشان مشوار السُوق
_ : أيوة, قالَت لي ؛ مافي داعي تتكلَّف وتجي ؛ بقدَر أمشي براي
ماجد : بصراحة من قلَق رغد عليك ما إتوقعت إنك تكوني مشيتي السوق براك قبل كدا
_ : ماحصل مشيت براي, بس مشيت كتير يعني ؛ حافظاه
ماجد : عمومًا أنا عشرَه دقايق وأكون عندِك , إنتي جاهزة ؟
_ : لأ! أنا يادوب صحيت
ماجد : مامُشكلة , أُخدي وقتِك
تنهَّدت : تمام
سمعتُ مِنهُ نِصفَ كلِمة وأنا أُغلِق الخطّ : مُنتَظ..
أنهَيتُها على عجَل , تأفَّفت وأنا أستدرِك أنَّني قطَعتُ حديثهُ
(لما أشوفِك بس يارغَد) ..
* كُنتُ أحتضنُ فُستان الحِنّة الضخَم إلى صدري, وأتقدَّمهُ في المَسير ؛ كان يتبعني بهدوء حامِلًا الأكياس , قاطَعني وأنا أتأهَّب لدخُول المَحل الأخير : رأيك شنو أمشي أودّي الحاجات العربيّة ونرجع نواصل؟
تنهّدتُ وأنا أُراقبُ الأكياس بينَ كفّيْه : تمام
أشَارَ لي على الفُستان , ظللتُ أُحملِق فيهُ وكِلتا يديه مشغُولتان : أءء.. أختّو في كَتفَك؟
إنفلَتت منهُ ضحكةٌ عاليَة, تُنافي هُدوءَ حضُوره
إبتسَمتُ ببِلاهة ولازلتُ مُتورّطة بأمرِ الفُستان
نظرَ نحوَ البوّابة بِطَيف إبتسامة : العربيّة قريبة من هِنا؛ مابعيدة
إستدركتُ : أءء.. أمشي معاك؟ أنا فكّرت حتمشي براك
هزَّ رأسهُ بِتفهُّم : لو تعبانة م..
قاطعتهُ وأنا أتقدّمهُ : لالا ماعشان كِدا ! بس سمعتك قُلتَ حتمشي ؛ مش إنتَ قُلتَ حتمشي ماحنمشي !
أخَذَ يضحَك وهوَ يتبعني
إلتفتتُ إليه ضاحِكة : صَح؟
هرَب بنظراتهِ حينها, لا أدري لِمَ.. أو رُبّما أدري ؛ لكنني أدِّعي الجَهل, لا مجَالَ لديّ لمغامرةٍ أُخرى!
هربَ بِنظراتهِ وهمَسَ : صَح
* كانَت لديّ تِلك العاطفة التي تجعَل الجميع يرتمُون إلى مدَاري باحِثين عن المحبّة, أن يطُوفو حولَ حنانٍ أبدَيّ لا ينقطِع؛ لكنَّ محبّتي لم تكُن مرهونَةً للَّمس, كانَت فقط للمُطالعة. أيقَنتُ ذلك وأنا أذلُف (بقلبي) الصغير إلى فخٍّ جديد.. إنّهُ لا يعطَب؛ رُبّما يتوقّف .. قليلًا , ويستدرِك ؛ لكنّهُ لَم يُمَسّ. ظلًّ عُذريًّا حتى ذلكَ الوَقت.
* في الطَريق إلى منزل نيرمين؛ كانت الساعة على شاشةِ السيارة تُشير إلى السادسة مساءً, كُنتُ أحمِلُ كُوبَ قهوةٍ بأحدى كفَّيّ, وأتصفّحُ هاتفي بالآخَر. كانَ ماجِد مُنهمِكًا في القيادة, ويبدو أنّ جُلَّ ما يدُورُ في ذهنِه هُوَ التخلّص منّي ومن صديقاتي اللاتي أقحمنهُ في لوائح العُرس الطويلة.. إسترقتُ النظَر إليه, فالتفَتَ إليَّ على الفَور ؛ إبتسمتُ لهُ بِبلاهة , فإبتَسم : أء عجبَتِك القهوة؟