81
كَنارٌ لَم يكُون قُربها أحداً أوجُ و أخمِدُ وحديٰ.
مع مرورِ الليالي البطيئة،
التي كانت مليئةً بالدموع والعتاب،
كنتُ مع كلِّ دمعةٍ تُذرف، أنطفئ.
لم أكن أعي هذا تمامًا،
إلى أن وُضعتُ في مكانٍ
يطلب منّي كلَّ الدموع والأسى،
وكان يستحقُّ كلَّ دمعةٍ لتسقط،
إلّا أنّها أبت، وعاندت،
ونظرت إلى المكان كأنّه شيءٌ
لا يمتلك ذرّةَ أهميةٍ أو قيمة.
لكنه كان ليحرقني في الآن السابق.
وهنا أدركتُ أنني لم أنطفئ فقط،
بل كنتُ نارًا مُنيرةً، لاهبةً،
تُدفئ وتُنير،
إلّا أنّني أصبحتُ رمادًا
طار مع مهبِّ الريح.
وأعلنتُ حزني،
لكن على نفسي.
حزينًا أنا جدًّا على نفسي،
فإنّها من المفقودات
التي لن توجد أبدًا.
وأنا، كعقابٍ على أفعالي،
يجب أن أتقبّل أنا الجديد،
والنفس التي لا تمسّني بصلة.
لكن انا يريدُ أنا القديم
ويبكيهِ كل ليله .
وضعتُ أذني على قلبهُ
أردتُ صوتًا،
أردتُ حسًّا،
أردتُ روحًا.
أردتُ شيئًا بسيطًا، كصوت القلب،
لأتأكد أن الدنيا ما زالت موجودة،
وأن العيش الهنيء ما زال مُمكنًا،
وأنني سأُحيى من جديد.
كنتُ أبحث عن إشارة،
أيّ حركةٍ صغيرة،
أيّ ارتعاشة،
أيّ شيءٍ يقول لي إنكَ ما زلتَ هنا.
أردتُ شيئًا منك، لأشعر أنك لم تفارقني.
صوتُ بكائي لا يخرج،
ودموعي تقف على طرف عيني،
احتقارًا بي، وتأبى النزول.
وأنا أضرب وأولول،
عسى صوتًا مني يُحييك،
وعسى أن يصل إليك شيءٌ مني، فتعود.
لكنّك تركت خلفك رمادًا،
لا يستطيع أن يفعل شيئًا سواك.
حلَّ الظلام، وسكن الشارع الذي كنّا بهُ،
وأظلمت روحي.
عمَّ الهدوء المكان، وأيقنتُ فعلًا أننا مُتنا؛
لم تمت أنت فقط.
كنتُ كمن يضع أذنهُ على بابٍ مغلق،
ينتظر من خلفهِ نفسًا واحدًا،
ليتأكد أن هناك من لم يرحل بعد .
لستُ حزينًا،
ولستُ سعيدًا حتى بالأشياء
التي كان الفرحُ يليق بها.
لا أفكّر،
مع أنّ التفكير كان يأكل رأسي
حتى أتعبني.
صرتُ أكثر صمتًا منّي،
وأهدأ مما ينبغي،
كأنّ شيئًا في داخلي
أطفأ الضجيج كلّه.
لا أعرف ما الذي أصابني،
ولا متى أصبحتُ غريبًا عنّي.
أقفُ أمام نفسي،
فلا أعرف هذا الوجه،
ولا أفهم هذا الصمت.
فمن أنا،
حين لا أكون حزينًا،
ولا سعيدًا،
ولا حتى قادرًا على معرفة
ما الذي أشعر به ؟
لَيْتَ العُمرَ يَقِفُ هُنا،
وَلَيْتَ السِّهامَ تَكُفُّ عَن رَما،
وَلَيْتَني أَعِشْ لِمَرةٍ في هَنا
يا هَنا ؟
أَن أَكونَ طَيرًا في سَما،
أم أَن أَكونَ حُرًّا في فَنا ؟
وَأَيُّ سَماءٍ تَستَقبِلُ الطَّيرَ مَكسورَ الجَنا ؟
وَأَيُّ جَناحٍ أُناشِدُهُ كَي يَهِبَ في السَّنا ؟
وَما لَنا ؟
لَم نَنَل ، وَنالَ مِنّا العَنا .
هذه المرّة لم أبكِ.
هذه المرّة لم أحزن.
هذه المرّة لم أشتق.
هذه المرّة لم أشعُر بشيء.
وقفتُ في منتصف كل تلك الفوضى،
غريبًا عن كل شيء،
لا أشعُر إلا بثقل ثيابي على جسدي.
كأنّهُ ليس داخلي،
وكأنّ كل تلك الفوضى ليست لي.
غريبٌ عنّي ، لا أعرفني.
أقف في زاوية،
أرى كل المشاعر مُتضاربةً ببعضها،
القلب والعقل في نقاشٍ حاد،
والزجاجُ في كل مكان؛ حتى إنّه جرحني.
كيف أصفني لمن يسألني الآن؟
هل أنا حزين؟
سعيد؟
مطمئن؟
أنا حقًا لا أعرفُ الإجابة.
الصمتّ أضاعني بين الكلمات،
والحروف وضعتني بينهما،
وانا لا أعرفُ كيف أُكوّن جملة.
وهنا عرفتُ
أنّ العجز ليس فقط في كيف تنجز أمرًا،
العجز الحقيقي
هو كيف تفهم نفسك وشعورك.
كيف تُفسّر ما تشعر بهُ؟
وكيف تفسّر ما تراهُ؟
ربما هذا هو العجز الحقيقي؛
أن تقف أمام نفسك،
ولا تعرف من أنت .
ذاتي يرفض هذا المكان،
لأن المكان ليس بمكاني
لكن أين مكاني؟
وأيُّ أرضٍ أنتمي؟
وإلى أي دارٍ أرتمي؟
أين اطمئناني وسكوني؟
أيُّ الحياة التي تلملمني؟
تائهٌ، في هذه الدنيا أنا.
أمشي كمن يخاف من الحائط أن يدفعهُ
ضائعًا أنا، حتى أرضي معرّجة؛
تسقطني، سقطتُ وانتهى أمري
إذن، من لي؟
أم أنني يجب أن أبحث أعمق عن مكاني؟
أم أنني أصلًا، لا مكانَ ينتظرني ؟
أخافُ على قلبي.
بالمعنى الآخر، أخافُ على ليونتهُ، على رهفتهُ
أخافُ من الدنيا أن تجعل منهُ صخرةً صلبة،
لا تلينُ لقريبٍ قبل البعيد، ولا لمعروفٍ قبل الغريب.
أخافُ أن أنظر إلى الأشياء المهمة نظرةً عابرة، باردة،
لا تحمل أيَّ لهفةٍ أو دهشة.
أخافُ أن أكون وسطَ الفوضى هادئًا، وعند الأحبة
غيرَ مجيب، ولا معطيًا.
أخافُ أن أنظر إليكِ يومًا نظرةً باردة،
لا تحمل من الحب حتى اسمهُ.
أخافُ أن أعبركِ، دون أن أجرَّ قلبي خلفي
كما كان يفعلُ دائمًا، بل أن أراهُ يمشي أمامي،
بعيدًا عنكِ ثم يتجاوزكِ، ولا يريد أن يعود.
أخافُ أن يأتي ذلك اليوم، فأقف أمامكِ،
ولا أجد في قلبي تلك اللهفة التي كانت
تدفعني نحوكِ، ولا ذلك القلب الذي كان
يبقى حيث كنتِ، حتى بعد أن أرحل.
أخافُ أن يكون قلبي قد تعلّم أخيرًا كيف يتركُ،
وكيف يمضي دون أن يلتفت.
أنا خائفٌ، وسطَ هذا الخوف رعد .
نَجَوتُ منَ اليومِ بأُعجُوبةٍ،
أُفكرُ فِي الغدِ، هَل سأَنجُو،
أَم يكونُ نهايَةَ الطَّريق ؟
ما عادت البيوتُ لنا مأمنًا،
ولا صارَ فيها للسكوتِ لنا سكنْ
غدتْ للروحِ منفذَ هربٍ،
من ضجّةِ الأيامِ، من خوفٍ، ومن محنْ
فغدوتُ أبحثُ عن أماني في الزوايا،
في الشارعِ، في الزقاقِ، وبينَ الناسِ والوطنْ
أفتّشُ عن أمانٍ ضاعَ منّي،
فلا ألقاهُ، ولا ألقى لهُ أثرًا ولا زمنْ
لعلّي أنا المذنبُ في كلِّ ما جرى،
ولعلّني أُصبتُ بلعنةِ من فقدَ السكنْ
بلعنةِ البقاءِ وسطَ ضجيجٍ لا ينامُ،
وبلعنةِ قلبٍ كلما هدأ، عادَ وامتحنْ
زوايا البيتِ تصرخُ: قد تجاوزَنا الألمْ،
والجدرانُ مزّقت جلودَها من شدةِ الوهنْ
والأبوابُ تصطدمُ كأنها تلطمُ نفسها،
والأثاثُ يتهدّمُ، كأن البيتَ يعلنُ ما كتمْ
وأنا واقفٌ وسطَ هذا كلّه،
ثابتٌ، كأنَّ الأرضَ أمسكتني كي لا أنهدمْ
ساكتٌ، وسكوتي في هذا المكانِ صراخْ،
وأضمُّ نفسي إلى نفسي، وأبحثُ عن ركنٍ لا يُرى فيهِ الوجعْ
أريدُ الركودَ، أريدُ زاويةً لا يراني بها أحدْ،
لكنني أُجبرُ أن أبقى، وأن أواجهَ ما احتدمْ
لا نطقَ لي، لا فرارَ لي،
فما بقيَ لي من كلِّ هذا سوى الصمودِ، والصبرِ، والصمتِ الذي انكتمْ
وتمنيتُ لو كنتُ شجرةَ صفصافٍ،
تأخذني الريحُ حيثُ تشاءُ، ثم تعيدني حينَ تنحسرْ
أرقصُ مع النسماتِ، لا يحملني جدارٌ ولا وطنْ،
وأكونُ حرًّا، طليقًا،
حرًّا من كلِّ ما قيّدني،
منعتقًا من كلِّ ما كانَ يُسمّى سكنْ .
چنت أضنن شي غريب ويانه صار
الـ فاجأني بهل علاقة اني الغريب .
في داخلي شيءٌ مُحترق،
لا يشبه الحَريق بقدر ما يشبه ما
يتركهُ الحريق بعده، لحمٌ مَكشوف،
وجرحٌ نُزِع عنهُ جلدهُ
فصار الألم فيهِ بلا حجاب
لم يعد يؤذيني ما يحدث،
بل موضعٌ في داخلي
صار كلُّ شيءٍ يحدث يضغط عليه
حتى الأشياء التي لا تَحمُل سكينًا
تتركُ فيّ شقًّا، وحتى اللمساتُ العابرة
تُوقظ وجعًا لم ينمْ أصلًا
أشعر كأنني أمشي بجرحٍ مفتوح،
وأحاول أن أعيش طبيعيًا
بينما كل ما حولي يمرّ فوقهُ
لذلك لا تسألني لماذا يؤلمني هذا الحدث،
فأنا لا أتألم منهُ وحدهُ
أنا أتألم من كل ما سبقهُ
وهو يضغط عليه الآن.
أنا لا أملك جرحًا يؤلمني،
أنا أملك شيئًا مُحترقًا
نُزِع عنه جلدهُ، وصار العالم كلّهُ
إصبعًا يضغط عليه .
ما لنا في عالمٍ أراد إنكارنا،
دعنا أنا وأنت،
وعيونُ السماءِ علينا.
دعهم ينظرون كما يشاؤون،
فما عاد يعنيني هذا العالم،
ولا ضجيجه، ولا عيونه الكثيرة.
ما دامَت يدك قريبةً مني،
ووجهك أمامي،
فليشهد علينا من يشاء.
في تلك اللحظة،
كان العالم كلّه خلفنا،
وأنتَ وحدك أمامي؛
حتى خُيّل إليَّ
أن السماء نفسها
انحنت لتنظر إلينا.
فما لنا في عالمٍ أراد إنكارنا؟
دعنا نكون أنا وأنت،
وعيونُ السماءِ علينا،
ولْيكن العالم كلّه
خارج هذه اللحظة .
الواحدُ من سبتمبر،
بعد ذهابِ أغسطس البائس،
أستكون أنتَ كذلك؟
أم ستحاول إصلاحَ ما أفسدهُ أغسطس؟
على أيّة حال، خفّف حملكَ عليَّ،
فما عاد لي قلبٌ يحتمل.
كُن ساكنًا،
فما عاد لي روحٌ تحتمل الضجيج.
كُن مليئًا بالألوان، لا تكن أسودَ فقط.
كُن كلَّ شيء، لكن لا تكن ألمًا.
فالألم هشّمني،
وجعلني من كل جهةٍ أنزف.
كُن كالماءِ، خفيفًا ومُرويًا،
لا تكن كنارٍ حارقةٍ ومُلهبة.
كُن كلَّ شيء، لكن لا تكن ألمًا .
اختنقتُ ضاحكًا من الألم، لأنني أضعتُ طريق البكاء.
Читать полностью…
أَن أكُونَ حُرًا طَليقًا،
تعنِي أَن أكُونَ في لَحدِي،
أشُمُّ تُرابي وريحَة نعشِي .
مرّت بجانبي، كشريطِ حياةِ ميتٍ في آخر لحظاتهُ.
الأشياء التي أحببتُها دومًا ولم أنلها؛
مرّت بجانبي السعادة، ونظرت إليّ بتعالٍ.
والأحلام التي جاهدتُ لتحقيقها، نظرت إليّ باستخفاف.
والهدوء والسكينة مرّا يدًا بيد، ونظرا إليّ باستنكار.
ومرّ ابٌ وابنتهُ يحتضنان بعضهما ويمرحان، ونظرا إليّ بشفقة.
وأمٌّ تمدح طفلتها الوحيدة على رسمها خطوطًا مُتعرّجة.
مرّت نفسي المشرقة، الضاحكة.
مرّت الأمنيات، ومرّ الأشخاص،
ومرّت ليلى مع من تحب.
كان المشهد كعرض أزياءٍ لملابس مُوتى أمام أحبائهم.
ولا أنا من القادرين على الوصول،
ولا من الثابتين عند الحد.
أنظرُ عاجزًا، لم أحُرّك حتى يدي؛
لأن يدايَّ تعبتا من مدّهُما إلى كل شيء،
فلا تنالان ، وتعودان خائبتين، كخيبتي.
لم أرد أن أنطفئ، لكنني أُجبرت.
كشمعةٍ حياتُها الاشتعال، حين تأتي الأنوار، تُطفأ جبرًا، خوفًا من أن تحرق المكان.
أنا لستُ اختياري، أنا أُجبرتُ أن أكون هذا الإنسان ، لذلك قد يرونني متأقلمًا،
لكنني مجبُر .
دائمًا تحرصُ على غَسلِ يديها جيدًا،
بعدَ الحديثِ معي،
حتى تتأكّدَ من زوالِ دمي .
أن أكُون مُدركًا ، واعيًا
أن أكُون خالٍ من الاطمئنانِ وركُود .
سَأَلَني ذاتَ مَرّةٍ عابِرٌ:
« إِن كُنتَ مُتعلقًا بالمكانِ، فلمَ غادَرتهُ؟ »
نَظرتُ إِليهِ بِصمتٍ، وامتلأَتْ
عَينايَ بالدمُوعِ المخَفيةِ.
فَحتى أَنا لا أَدري ما الجَواب؛
هلْ أَنا غادرتُ، أَم طُرِدتُ ؟.
لم أنلْ شيئًا كاملًا من الدنيا،
حتى نومي أحيانًا لا يأتي أبدًا،
فيتركني أسيرَ الليل،
يلعب بجروحي الملتهبة،
ويحرّك أوتار مشاعري،
ويعزف الناي في قلبي، فيقطع أنياطه.
أما إذا أتى، فلا يأتي كاملًا،
يأتي مقطّعًا، كغنيٍّ متعجرف،
يعطي لفقيرٍ في التقاطعات
مالًا قديمًا باليًا،
ظنًّا منه بأنه فعل شيئًا يُذكر أمام الله غدًا.
لكن ما فعل سوى أنه أضاف الحيرة للفقير؛
فماذا سيفعل بمالٍ قليلٍ بالٍ؟
النوم حقيرٌ جدًا معي،
يقف دائمًا في نهاية الأمور،
ويطلب مني الوصول.
وحين أمشي، أقطع، أعبر
كل الأشياء، أموت، أتألم،
أعاني حتى أصل إليه.
وحين أصل، يلفّ ظهره،
فيخبرني بأنني لم أكن مجبرًا على فعل ذلك.
ويمشي، يتركني أنازح مع جروحي وألمي
بمفردي،
كطفلٍ يتيم الأبوين، مقطوع اليدين،
شُقّت قدمه.
لذلك أكرهك .
كنتُ في غرفتي المظلمة،
ناشرًا جروحي، أخيط جرحًا بعد آخر.
فاستوقفني جرحٌ كبير، كبيرٌ
لدرجة أنه ملأ الغرفة كلّها.
نظرتُ إليه بنظرةٍ فارغة، فارغةٍ
تمامًا من الحياة.
جرحُ أنكِ لم تحاولي من أجلي.
هذا الجرح عجزتُ عن خياطته،
ولا أعرف كيف سأتخطّاه .
لقد خذلني القدرُ مرّةً أخرى، يا ليلى.
أوهمني بأنني أخيرًا سأعيش،
وأنني سأحب. وحين تأكّد من قبولي للحياة مرّةً أخرى، داهمني، وسلبني كلَّ ما أملك.
والآن أنا مع ألمي، حائرًا: كيف الفرار؟
قد كذب من قال إنَّ منفذَ الألمِ هو البكاء.
ها أنا أبكي منذ ذلك اليوم إلى الآن،
لكنني في كلِّ مرّة أعيش الوجعَ كأنّه حدث بالأمس.
أصبحتُ كلَّ صباح، حين أستيقظ،
يصيبني الحزن؛ لأنني ظننتُ أنّها كانت آخرَ نومةٍ لي، فأستيقظ لأفرَّ من الألم، ومن الحياة.
هذا يا ليلى، ما جناه القدرُ عليَّ.
ولستُ من الذين يبوحون بآلامهم، لذلك أكتمها حتى امتلأتُ كُلي بالكلمات التي لن تُنطق.
امتلأتُ بها حتى صرتُ أشعر أنني لا أحتمل كلمةً أخرى، وأنَّ ما في داخلي يكادُ أن ينفجر .
احمِلُ جُرحي المكَشُوف وامشي، لا أستِعراضًا
أنما الطَيرُ حَين يذبحُ ، يرقصُ .
رتّبتُ جراحي بطريقةٍ تليق بهنّ،
على طاولةٍ جديدة، خصيصًا لهنّ.
فأنا أحترم جروحي، كيفما كانت.
وجاءتني نوبةُ ضحكٍ قوية،
فضحكتُ على جراحي كثيرًا،
لأن دموعي ما عادت تنفع بشيء،
لذلك استبدلتُها بالضحك.
أخذتُ الليل كلّه ضحكًا،
حتى ظنّ من معي في المنزل
أنني فقدتُ ما تبقّى من عقلي.
وأشعلتُ آخر سيجارة،
فأحرقتُ الجراح،
والطاولة،
والغرفة،
وأنا.
هل أنا سيّئٌ إلى هذه الدرجة
لأُصاب بهذا الألم المُقيت؟
أم أن الخير بعيدٌ عنّي
إلى درجة أنهُ كلما حاول
الاقتراب مني، دفعتهُ خطاياي ؟.
لم يعُد إليّ لأنّ الطريق ضاع منه
بل لأنّه لم يرد أن يعود
وهذا أقسى ما في الأمر .
أردتُ حقًّا أن أرى محاولاتكِ تجاهي،
أن أرى لهثكِ وأنتِ تركضين نحوي.
أردتُ حقًّا أن أرى في عينيكِ خوفًا من اختفائي،
أن أرى، ولو لدقيقة،
أنني مهمٌّ عندكِ،
وأن غيابي يعزُّ عليكِ ويثقل.
وأن أشعر، لوهلة، أن حبي كان يستحق،
وأن انتظاري كانت له نتائج تُرضيه.
لكنني لم أرَ شيئًا،
سوى الغبار على مكانكِ.
حتى إنكِ لم تأتِ
لتلقي نظرةً خاطفةً عليَّ.
فعدتُ أحمل حقائبي عائدًا،
حقائبَ ملأتها الخيبات،
والأملُ المنقطع، وحزنٌ حقير
يرافقني في كل طرقي، وظلامٌ قاتم.
لم تكوني الوحيدة التي لم تهتم،
لكنكِ كنتِ الوحيدة التي أثّرت.
آمل فقط أن ينتهي هذا كله؛
الحزن، والظلام، والخفوت...
أو أنتهي أنا،
لأن هذا ما جنيتُه على نفسي.