9095
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة المتخصصة بالخطـب والمحاضرات 🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه •~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~• للتواصل مع إدارة القناة إضغط على الرابط التالي @majd321
للاشتراك في اللستة تفاعل نار🔥
دعـــــم طـــريــق الـــخـيــر🌪⬆️
□ أيها الإخوة! أحيانًا يكون أكبر عائق أمام الإنسان هو الصوت الذي يحدثه في داخله: «لا أستطيع، لن أنجح، لا فائدة، الظروف مستحيلة».
نعم، هناك عوائق حقيقية، وهناك ظلم وفقر ومرض وأزمات، وليس من الحكمة إنكار الواقع؛ لكن الحكمة أن ترى العائق ولا تجعله هوية، وأن تعرف حدود قدرتك دون أن تستسلم لما تستطيع تغييره؛ قال ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» [صحيح مسلم، رقم 2664]. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز.
قوِّ إيمانك، وقوِّ إرادتك، وقوِّ علمك، وقوِّ شخصيتك، وقوِّ مهارتك، وقوِّ قدرتك على العمل.
والقوة ليست أن تتحدى الله، وإنما أن تستعين بالله؛ وليست أن تعتمد على نفسك وحدها؛ وإنما أن تبذل وسعك وقلبك معلق بربك.
□ لا تجعل حياتك غرفة انتظار؛ فهناك من يقول: إذا جاءتني الفرصة؛ بدأت، وإذا تحسنت الظروف؛ تعلمت، وإذا توفر المال؛ عملت، وإذا ساعدني الناس؛ تقدمت... ولكن متى ستبدأ؟ قال سبحانه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]. وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
امشوا؛ فالرزق له أبواب، والسعي له طرق، والفرص قد تكون مخفية داخل عمل صغير، أو مهارة جديدة، أو علاقة طيبة، أو فكرة لم تجربها بعد.
تعلم من أجل العمل، وطوّر مهارتك، وابحث عن الفرص، وبادر، ولا تحتقر البداية الصغيرة.
قد لا تستطيع أن تغير حياتك كلها اليوم؛ لكنك تستطيع أن تغير شيئًا واحدًا فيها اليوم.
ابدأ بكتاب، بمهارة، بعمل، بفكرة، بعادة صالحة، بخطوة طال انتظارها.
وتذكر دائمًا: التوكل ليس أن تجلس وتنتظر ما سيأتي؛ وإنما أن يأخذ قلبك بالأمل في الله، وتأخذ جوارحك بالأسباب؛ فلا تُهمِّش نفسك؛ فقد كرّمك الله؛ فلا تحتقرها. وقد أعطاك عقلًا؛ فلا تعطّله. وقد منحك قدرة؛ فلا تدفنها. وقد أعطاك عمرًا؛ فلا تضيّعه.
قم بدورك في الحياة، واسعَ بما تستطيع، واترك النتائج لربك؛ فليس المطلوب منك أن تكون أعظم الناس؛ وإنما أن تكون أمينًا فيما وهبك الله.
قالَ مَن بيَّنَ أنَّ للإنسانِ نصيبًا من ثمراتِ سعيِه، وأنَّ عملَه محفوظٌ عندَ ربِّه، ظاهرٌ له يومَ القيامة، ثم يُوفَّى جزاءَه بتمامِ العدلِ والفضل، سبحانهُ العدلُ الكريم، الذي لا يضيعُ عنده عملُ عامل -قال-:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ(39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ(40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ(41)﴾ [النجم].
نسألُ اللهَ أن يرزقَنا سعيًا صالحًا، وعملًا نافعًا، وهمَّةً عالية، وأن يباركَ في جهودِنا وأوقاتِنا وأعمالِنا، وأن يجعلَ سعينا في طاعتِه ونفعِ عبادِه، وأن لا يجعلَنا من أهلِ التمنّي بلا عمل، وأن يكتبَ لنا الجزاءَ الأوفى، والقبولَ والرضوانَ يومَ نلقاه.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين؛ فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي جعل العمل بابًا من أبواب الكرامة، وفتح لعباده أبوابًا من الخير لا يحصيها إلا هو، وجعل الأيام ميدانًا للسعي والبناء، نحمده على ما أعطى، ونشكره على ما أولى، ونستعينه على أن نحسن استعمال نعمه فيما يرضيه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد؛
□ فقد يكون عملك الذي بين يديك هو بداية الطريق لا نهايته، وقد تكون مهنتك الحالية مرحلةً تتعلم فيها: لا سقفًا يحبس طموحك.
لا تقل: أنا عامل بسيط؛ إذن لا أحتاج إلى التعلم. ولا تقل: كبرتُ على اكتساب مهارة جديدة. ولا تجعل ضيق رزقك سببًا لجمودك؛ فكم من إنسان بدأ بقليل، ثم فتح الله له من أبواب الخير ما لم يكن يحتسب! قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
اجعل من عملك مدرسة: تعلم منه، طوّر نفسك فيه، راقب أهل الخبرة، أتقن مهنتك، واكتسب مهارة فوق مهارتك؛ فإن الخبرة التي تجمعها اليوم قد تكون رأس مالك غدًا.
ولا تحتقر ساعة فراغ؛ فرب ساعة تتعلم فيها مهارة نافعة، أو تقرأ فيها كتابًا، أو تتدرب فيها على صنعة، تفتح لك بعد سنوات بابًا لم تكن تراه.
والرضا بما قسم الله لك لا يعني أن تتوقف عن تحسين حالك؛ ترضى عن ربك، وتسعى في أرضه.
□ أيها الإخوة! ليس الإنسان جزيرةً معزولة؛ بل يحتاج إلى أخيه، ويتعلم من غيره، ويقوى بإخوانه؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ أَوْلِيَاءَ لِلهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
فَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذَا الشُّعُورِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَتِلْكَ بِشَارَةُ الْوِلَايَةِ.
أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحَقِّقَنِي وَإِيَّاكُمْ بِذَلِكَ.
*وَخِتَامًا أَقُولُ: عِشْ لَحْظَتَكَ مُبْتَسِمًا تَنْفِيذًا لِأَمْرِ اللهِ، وَابْتَسِمْ لِأَنَّ رَبَّكَ اللهُ.*
صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَزِدْ وَأَنْعِمْ عَلَى نُورِ شَمْسِ الْعِرْفَانِ، وَمَهْبِطِ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، اللَّهُمَّ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا،
اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حضر وسَمِعَ هَذِهِ الْخطبة وَلِوَالِدَيْهِ، وَافْتَحْ لَسماع الموعظة قَلْبَهُ وَأُذُنَيْهِ.
اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَذَوِي أَرْحَامِنَا، مَنْ أَحَبَّنَا فِيكَ وَمَنْ أَحْبَبْنَاهُ فِيكَ، مَنْ أَوْصَانَا بِالدُّعَاءِ وَمَنِ اسْتَوْصَيْنَاهُ بِالدُّعَاءِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسْطِينَ وَفِي سَائِرِ أَنْحَاءِ الْأَرْضِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
كُنِ اللَّهُمَّ مَعَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا وَمُؤَيِّدًا وَحَافِظًا.
انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجَبَهَاتِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
هَكَذَا وَأَنْتَ جَالِسٌ وَحْدَكَ، خُذْ خَمْسَ دَقَائِقَ، وَقُلْ: سَأُطِيعُ اللهَ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ الدَّقَائِقِ، وَسَأَبْتَسِمُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللهِ، وَأَنْتَ وَحْدَكَ فِي الْغُرْفَةِ.
وَانْظُرْ مَاذَا سَتُحِسُّ فِي نَفْسِكَ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ.
عِنْدَمَا تُنَفِّذُهَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ سَتَجِدُ أَثَرَهَا فِي نَفْسِكَ، وَأَنْتَ الَّذِي سَتُخْبِرُ بِالْأَثَرِ.
هَذَا هُوَ دَافِعُ الِابْتِسَامِ الَّذِي يُؤْتِي أُكُلَ هَذِهِ الِابْتِسَامَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ: الْوَاحِدُ مِنَّا مُنْذُ أَنْ يَصْحُوَ إِلَى أَنْ يَنَامَ تَتَوَافَدُ عَلَى قَلْبِهِ الْخَوَاطِرُ الْكَثِيرَةُ.
ابْتِدَاءً مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِي هُوَ الشَّيْطَانُ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَيْسَ غَائِبًا لِنَغْفَلَ عَنْهُ، بَلِ الشَّيْطَانُ عَدُوٌّ مُلَازِمٌ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِنَا.
وَبِالتَّالِي لِلشَّيْطَانِ الْعَدِيدُ مِنَ الْخَوَاطِرِ، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُمَيِّزَ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ، وَتُقَابِلَهَا بِابْتِسَامَةٍ وَاسْتِعَاذَةٍ بِاللهِ، وَسَتَرَى نَتِيجَةَ ذَلِكَ.
*أَوَّلًا: مِنْ خَوَاطِرِ الشَّيْطَانِ: خَاطِرُ الْمَعْصِيَةِ.*
يَأْتِي لِلْإِنْسَانِ خَاطِرٌ أَنْ يَعْمَلَ مَعْصِيَةً لَا تُرْضِي اللهَ.
فَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ تَذَكَّرْ أَنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوكَ إِلَى مَعْصِيَةِ اللهِ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ وَابْتَسِمْ.
تَصَوَّرْ أَنَّكَ تَسْتَعِيذُ بِاللهِ وَتَبْتَسِمُ، وَاللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ. وَاللهِ لَا تَعْلَمُ مَا أَثَرَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ مَصْحُوبَةً بِهَذِهِ الِابْتِسَامَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ.
*ثَانِيًا: خَاطِرُ الْأَذِيَّةِ.*
أَحْيَانًا تَأْتِي لِلْإِنْسَانِ خَوَاطِرُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّ فُلَانٍ، أَوْ أَنْ يُؤْذِيَ فُلَانًا بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْأَذِيَّةِ.
فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ قَلِيلًا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ خَاطِرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ أَيْضًا، فَقَابِلْهَا بِهَذِهِ الِابْتِسَامَةِ الْمَصْحُوبَةِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا.
*ثَالِثًا: خَوَاطِرُ التَّخْوِيفِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ.*
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَطِيرَةٌ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهَا.
مِثَالٌ: يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾
فَيَقُومُ الشَّيْطَانُ بِتَضْخِيمِ أَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ الْخَوْفُ فِي قَلْبِكَ مِنْهُمْ.
فَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوكَ إِلَى الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكَ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
فَوَحِّدِ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَابْتَسِمْ، وَقُلْ: إِنَّمَا الْخَوْفُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا أَخْشَى أَحَدًا سِوَى اللهِ.
وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَوْ تَعَامَلْنَا مَعَ أَنْفُسِنَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى هَذَا النَّحْوِ لَصِرْنَا نَفْسًا غَيْرَ النَّفْسِ، وَلَأَفَاضَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى هَذِهِ النَّفْسِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ.
وَتَأْتِي لَحَظَاتٌ يَتَوَقَّعُ الْإِنْسَانُ فِيهَا أُمُورًا سَيِّئَةً، قَدْ تَكُونُ وَسْوَسَةً مِنَ الشَّيْطَانِ أَوْ مِنَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ.
فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَقُّعَ لِلْأَمْرِ السَّيِّئِ وَنِسْبَتَهُ لِغَيْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ خَللٌ فِي الِاعْتِقَادِ.
النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينَا قَاعِدَةً فِي حَدِيثٍ عَظِيمٍ فَيَقُولُ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ»
هَذِهِ قَوَاعِدُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رَاسِخَةً فِي نَفْسِكَ رُسُوخَ الْجِبَالِ.
ثُمَّ قَالَ ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسْطِينَ وَفِي سَائِرِ أَنْحَاءِ الْأَرْضِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
كُنِ اللَّهُمَّ مَعَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا وَمُؤَيِّدًا وَحَافِظًا.
انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجَبَهَاتِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
فَإِذَا رَأَى الْمَلَكَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ يَصِلَانِ إِلَيْهِ، وَقَفَا بَعِيدًا عَنْهُ، فَقَالَا لَهُ: اجْلِسْ رَحِمَكَ اللهُ. فَيَجْلِسُ.
فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟»
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَيَنْظُرُ فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّ الشَّمْسَ كَأَنَّهَا تَغْرُبُ، لِأَنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى الصَّلَاةِ، قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالصَّلَاةِ، فَيَقُولُ لَهُمَا: دَعَانِي يَرْحَمُكُمَا اللهُ حَتَّى أُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، سَتَفُوتُنِي. أُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَعُودُ فَأُجِيبُ عَلَى الْأَسْئِلَةِ».
فَيَقُولَانِ لَهُ: أَمَّا إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، وَلَكِنْ أَخْبِرْنَا عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ.
فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ سَيِّدُ الْأَنَامِ.
قَالَ ﷺ: «فَيُمَدُّ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ قَبْرُهُ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
فَصَاحِبُ الرَّصِيدِ سَعِيدٌ فِي الدُّنْيَا، سَعِيدٌ فِي الْقَبْرِ، سَعِيدٌ عِنْدَ لِقَاءِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ.
*الخطبة الثانية*
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَشْقَى خَلْقِ اللهِ عَبْدٌ قَدِ اجْتَهَدَ وَتَعِبَ وَصَلَّى وَصَامَ وَفَعَلَ الْخَيْرَاتِ، وَلَكِنَّهُ كَرِيمٌ بِحَسَنَاتِهِ عَلَى الْعِبَادِ، يُوَزِّعُهَا فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ. لَا يَأْتِي اللَّيْلُ إِلَّا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ رَصِيدِ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ.
مِنْ هَذَا الْعَبْدُ الشَّقِيُّ الَّذِي يَشْقَى لِيَرْتَاحَ النَّاسُ؟! يَجْمَعُ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ؟!
فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟»
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، الْمُتَخَفِّفُ مِنَ الدُّنْيَا مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ.
قَالَ: «لَا، هَذَا لَيْسَ الْمُفْلِسُ.
الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، ثُمَّ يَأْتِي وَقَدْ سَبَّ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا.
قَالَ ﷺ: فَيُؤْخَذُ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى تَفْنَى، لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ. وَلَكِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الْحَقِّ: يَا رَبِّ نُرِيدُ حَقَّنَا.
فَيَقُولُ اللهُ: مِنْ أَيْنَ؟ وَقَدْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ.
قَالُوا: يَا رَبِّ، النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُونَ شُطَّارًا فِي تَصْرِيفِ أَنْفُسِهِمْ، فِي النَّجَاةِ بِأَرْوَاحِهِمْ.
قَالُوا: يَا رَبَّنَا، خُذْ مِنْ سَيِّئَاتِنَا فَضَعْهَا عَلَيْهِ.
قَالَ ﷺ: فَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَتُوضَعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُطْرَحُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ».
هَذَا أَشْقَى النَّاسِ، أَتْعَسُ النَّاسِ: الَّذِي يَتْعَبُ، يَقُومُ اللَّيْلَ، يَصُومُ النَّهَارَ، يُصَلِّي، يَتَصَدَّقُ، يَفْعَلُ الْخَيْرَ، وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا لِلنَّاسِ، يَمْنَحُهُ عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ لِلنَّاسِ. هَذَا هُوَ أَشْقَى النَّاسِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَصَاحِبُ الرَّصِيدِ هُوَ عَبْدٌ ادَّخَرَ عِنْدَ اللهِ مَكَانًا وَمَنْزِلَةً. إِنْ دَعَاهُ أَجَابَهُ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَهُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ شَرٍّ أَعَاذَهُ.
هَذَا هُوَ الْعَبْدُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَاضٍ حَسَنٌ، رَصِيدٌ طَيِّبٌ، فَإِذَا سَأَلَ اللهَ نَظَرَ اللهُ إِلَى رَصِيدِهِ الطَّيِّبِ فَلَبَّى نِدَاءَهُ.
ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي "صِفَةِ الصَّفْوَةِ"، وَالذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:
تَخَيَّلْ هَذَا، أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَسْأَلُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ: تَبِعَ جَنَازَةً، وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا، وَصَامَ، وَعَادَ مَرِيضًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَذَا السُّؤَالِ. هَذَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا كَانَ دَيْدَنَهُ دَائِمًا، وَكَانَ هَذَا حِرْصَهُ دَائِمًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي رَجُلٍ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، لِأَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا فِي إِنْسَانٍ حَرِيصٍ.
انْظُرُوا إِلَى الْمَعْنَى، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْحَثُ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي أَصْحَابِهِ، وَيَلْفِتُ نَظَرَهُمْ إِلَى الرَّصِيدِ الْحَقِيقِيِّ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". زَوْجَيْنِ: يَعْنِي صِنْفَيْنِ مِنَ الْمَالِ، يَعْنِي نَاقَتَيْنِ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. "قِيلَ: ادْخُلْ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ. فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ".
وَهُنَا بَرَزَ السُّؤَالُ، وَالْمُتَوَقَّعُ أَنْ يَسْأَلَ هَذَا السُّؤَالَ هُوَ الْأَوَّلُ دَائِمًا: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ هُوَ لَا يَطْمَئِنُّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ. يَكْفِي أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ، الْمُهِمُّ أَنْ تَدْخُلَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ، لَا فَرْقَ. لَكِنَّ صَاحِبَ الْحِرْصِ وَصَاحِبَ الِاجْتِهَادِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
رَصِيدُكَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ سَبُ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ وَالْفَوْزِ وَالْكَرَامَةِ، لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ حَتَّى فِي الدُّنْيَا. صَاحِبُ الرَّصِيدِ حَتَّى فِي الدُّنْيَا يَنْتَفِعُ بِهِ.
انْظُرُوا مَعِي إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ. خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ، مِنْ أَنْبِيَائِهِ. حَتَّى أَصْغَرُ الصَّغَائِرِ فِي حَقِّهِ هِيَ كَبِيرَةٌ فِي مِثْلِ شَأْنِهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحُوتَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ، فَعَاشَ فِي بَطْنِ حُوتٍ. تَخَيَّلْ أَنْ تَعِيشَ فِي بَطْنِ حُوتٍ فِي أَعْمَاقِ الْبِحَارِ. تَعْرِفُونَ الْبِحَارَ، الضَّغْطُ الْجَوِّيُّ فِيهَا مُرْتَفِعٌ جِدًّا، يَكْفِي أَنْ تَنْفَجِرَ طُبُولُ الْآذَانِ، وَتَنْفَجِرَ الشَّرَايِينُ فِي الْجِسْمِ. وَحَفِظَهُ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وَلَكِنَّهُ يَعِيشُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي حَبْسٍ عَجِيبٍ، لَيْسَ حَبْسًا انْفِرَادِيًّا يَجِدُ فِيهِ مُتَنَفَّسًا، بَلْ فِي مَعِدَةِ مَخْلُوقٍ يَطُوفُ بِهِ الْبِحَارَ.
لَكِنْ تَأَمَّلُوا مَعِي فِي التَّعْلِيقِ الرَّبَّانِيِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143]. كَانَ لَهُ رَصِيدٌ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ. كَانَ لَهُ رَصِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ، رَصِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 144]. حَتَّى وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا، كَانَ سَيَبْقَى فِي بَطْنِ الْحُوتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُ رَصِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ نَجَّاهُ.
وَيَقُولُ رَبُّنَا فِي شَأْنِ زَكَرِيَّا، وَقَدْ حُرِمَ مِنَ الْوَلَدِ حَتَّى صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا فِي السِّنِّ، وَامْرَأَتُهُ عَجُوزٌ. الْيَأْسُ يَتَسَرَّبُ إِلَى النُّفُوسِ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْجِبَا بَعْدَ هَذَا السِّنِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89]. قَالَ اللَّهُ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90].
🎤
*خُطْبَةٌ جمعة بِعُنْوَانِ :*
*هَلْ لَكَ رَصِـيدٌ عِنْدَ اللَّهِ ..؟*
*للدكتور/ يُوسُفُ حُسَيْنُ الرُّخْمِيُّ*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
الخطبـــة الأولـــى.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَبْدَعَهُ، وَسَنَّ الدِّينَ وَشَرَعَهُ، وَنَوَّرَ النُّورَ وَشَعْشَعَهُ، وَقَدَّرَ الرِّزْقَ وَوَسَّعَهُ، وَأَجْرَى الْمَاءَ وَأَنْبَعَهُ. جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا رَفَعَهُ، وَالْأَرْضَ بِسَاطًا وَضَعَهُ، وَسَيَّرَ الْقَمَرَ فَأَطْلَعَهُ. سُبْحَانَهُ مَا أَعْلَى مَكَانَهُ وَأَرْفَعَهُ، وَمَا أَعَزَّ سُلْطَانَهُ وَأَمْنَعَهُ!
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ
وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ
وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ
إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوُدُّ يَا غَايَةَ الْمُنَى
فَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَقُدْوَتَنَا وَعَظِيمَنَا وَشَفِيعَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمُ وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِكُمْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى. وَأُوصِيكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ. عِيَاذًا بِاللَّهِ.
فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ مَا رَأْيُكُمْ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ، حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُعَلِّقْ عَلَى الْأَمْرِ.
فَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ فُقَرَاءِ النَّاسِ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟" قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ، حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لَهُ.
فَعِنْدَئِذٍ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْحَادِثَتَيْنِ فَقَالَ، مُشِيرًا إِلَى الْأَخِيرِ مِنْهُمَا: "هَذَا خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ ذَلِكَ".
فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَجْعَلُ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا مِيزَانًا يَخْتَلِفُ عَنْ مِيزَانِ النَّاسِ. هَذَا الْمِيزَانُ يَتَحَدَّدُ عَلَى أَسَاسِ مَا يَمْتَلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رَصِيدٍ، لَيْسَ رَصِيدَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْمَتَاعِ، وَإِنَّمَا رَصِيدَ الْآخِرَةِ فِي دُنْيَا النَّاسِ.
الْغَنِيُّ وَصَاحِبُ الْجَاهِ وَصَاحِبُ الْمَكَانَةِ وَالْمَنْصِبِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ هَكَذَا أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ. يَظُنُّونَ أَنَّ الْآخِرَةَ كَحَالِ الدُّنْيَا: الْمَشَايِخُ فِيهَا هُمُ الْمَشَايِخُ فِي الدُّنْيَا، وَالرُّؤَسَاءُ فِيهَا هُمُ الرُّؤَسَاءُ فِي الدُّنْيَا، وَأَصْحَابُ الْمَكَانِ الْعَالِي وَالرَّفِيعِ هُمْ أَصْحَابُ الْمَكَانِ الْعَالِي فِي الدُّنْيَا. وَهَذَا وَهْمٌ مُهِمٌّ.
مِيزَانُ اللَّهِ يَخْتَلِفُ. هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ، إِذَا دَخَلَ الْمَجَالِسَ لَا يُفْسَحُ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا تَحَدَّثَ لَا يُنْصِتُ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا مَشَى لَا يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي يَمْشِي يَحْتَفُّ بِهِ الْمُرَافِقُونَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَتَجِلُّ الْأَمْوَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُفْسِحُ لَهُ النَّاسُ فِي الْمَجَالِسِ، وَيَسْتَقْبِلُونَهُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ؛ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَصْغَرَ مِنَ الذَّرِّ يَطَؤُهُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ.
ومن خصائصها: أنها أقل الأمم عملا وأكثرها ثوابا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فعن ابن عمر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط. ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذي يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجرُ مرتين. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت"(رواه البخاري).
قال ابن حجر -رحمه الله-: فهذه الأمة إنما شرُفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته.
وكذلك فإن من خصائصها: أن أعمار هذه الأمة بالنسبة لمن سبقها فيها قِصَر، فالقليل من يتجاوز المائة؛ "وعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين"؛ إلا أن الله عوضها بليال وأزمنة وأمكنة ومناسبات تتضاعف فيها الأجور، كليلة القدر وعشر ذي الحجة، وصيام عرفة، وغير ذلك.
ومن خصائصها: أنهم يأتون يوم القيامة غراء محجلين من آثار الوضوء، وبهذه الصفة يعرف النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من غيرهم عندما يكون منتظرُهم على الحوض، قال ابن حجر -رحمه الله-: ثبت أن الغرة والتحجيل خاص بالأمة المحمدية، وحين قال عليه الصلاة والسلام: "وددت أنا قد رأينا إخواننا" قال له أصحابه أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد" فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: "إنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء"(رواه مسلم).
وكذلك: فإنهم يشهدون لكل نبي على أمته، فإذا جحدت أمة نوح نبيها، شهدت هذه الأمة لنوح أنه أرسل إليهم وهكذا مع سائر الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكذلك: فإن هذه الأمة أكثر أهل الجنة؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ" قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ" قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ" قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ"(رواه البخاري)
وروى الترمذي وحسنه الألباني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أهل الجنة عشرون ومائةُ صف، ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم".
ومن خصائص هذه الأمة: أنه يدخل الجنة منها سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب بما عملوا بصلاح بدينهم وتقواهم.
وكذلك: فإن لها عيدين في السنة لا ثالث لهما، عيدُ الفطر وعيد الأضحى.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على فضله وإحسانه وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيرًا، أما بعد:
عبادَ اللهِ: ومن خصائصها: اختصاصها باللغة العربية، الذي شرفت بنزول القرآن به، فهي أفضل لغات الأرض وأعظمها وأقومها وأشملها وأكملها وأفصحها وأبينها، وهي أكبر لغات الأرض مفرداتٍ واشتقاقات وبيان وقدرة على التعبير.
وكذلك: فإن تقويمَ هذه الأمة تقويمٌ قمري؛ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )[التوبة: 36]، وقال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ )[البقرة: 189]؛ فهذه الأهلة مواقيت للناس في حلهم وإحرامهم وصومهم وفطرهم ونكاحهم وطلاقهم ومعاملاتهم وديونهم.
ومن خصائصها: أنها أول من يجتاز الصراط، وأول من يدخل الجنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "فأكون أنا وأمتي أول من يجيز" يعني الصـراط"(رواه البخاري)، وفي الحديث الآخر عند البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: "نحن أول من يدخل الجنة".
وعن عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ -رضي الله عنه-، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ" فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هُوَ؟ قَالَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ"(رواه أحمد).
ومن خصائص هذه الأمة: أنها الأكملُ في التشريع والأحسنُ في التنزيل، فدينها كامل شامل صالح " اليوم أكملت لكم دينكم وأتمم عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ما من سلوك بشري أو قول يصدر عن الإنسان إلا وله تشريع عندنا، إلا وله حكم في كتاب الله أو في سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؛ (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)[البقرة: 138].
ومن خصائص هذه الأمة: أن الله أكرمها فجعلها أمة وسطاً؛ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)[البقرة: 143]؛ فهي أمة وسط، والجيل الأولُ منها عُدول خيار، هم بين غلاةِ النصارى وجفاة اليهود، فلا تشديدات وتعقيدات وتنطع ولا تهاون وتمييع للأحكام وانهزامية.
كذلك فإن من الخصائص: ما ميّز الله به هذه الأمة بأن جعلها أمةَ يسر، رفع الحرج عنها، وضع الأغلال والأثقال والآصار التي كانت على الأمم قبلها؛ (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)[النساء: 28]، أحلّ لها كثيراً مما حُرم على غيرها، ولم يجعل عليها في أحكامها عنتاً وشدة؛ (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)[الحج: 78]؛ فكانت شريعةُ المعصوم -صلى الله عليه وسلم- أكملُ الشرائع وأيسرُها وأسهلُها، قال عن نفسه -صلى الله عليه وسلم-: "إني أرسلت بحنيفية سمحة"(رواه أحمد).
وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-"وأحل لنا كثيراً مما شُدِّد على مَن قبلنا، ولم يجعل علينا من حرج"(رواه أحمد).
وحسبك -يا عبد الله- حتى تدرك رحمة الله بهذه الأمة وتيسيره عليها أن تعلم أن الرجل من بني إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول قرضه بالمقراض، فلا يطهره إلا ذلك، ونحن نكتفي بغسله، وكانت المرأة إذا حاضت عندهم لم يؤاكلوها ولم يجالسوها في البيت، ونحن أُحل لنا الاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج، وكان القصاص في بني إسرائيل في القتلى ولم تكن فيهم الدية، فخفف الله عنا بتشريع الدية فذلك قوله -تعالى-: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[البقرة: 178].
وقال بن مسعود -رضي الله عنه-: "وكانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح مكتوباً على بابه ذلك الذنب وكفارته".
وكان صومُ مَن قبلَنا من الأمم إمساكٌ عن الكلام مع الطعام والشراب، فكانوا في حرج، ورخص الله لنا بحذف الإمساك عن الكلام "إنكم أمة أيريد بكم اليسر"، كما قال -صلى الله عليه وسلم-، لقد رضي الله لنا اليسر وكره لنا العسر"، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[البقرة: 185].
ومن خصائص هذه الأمة: أن جُعلت لها الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فلم يجد ماء ولا مسجدا فطهوره ومسجده عنده، فيتيمم ويصلي، بخلاف الأمم قبلنا، فإن صلاتهم مقصورة عليهم في كنائسهم وبيعهم وصوامعهم، وقد بشر بهذا المعصوم -صلى الله عليه وسلم-، يقول عبد الله بن عمر: قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام غزوة تبوك يصلي فاجتمع وراءه رجال يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال: "أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي"، وذكر من هذه الخمس، "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظِّمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم"(رواه أحمد).
ومن خصائصها: أن الله هداها ليوم الجمعة، سيدُ الأيام وخيرُ يوم طلعت فيه الشمس، قال -صلى الله عليه وسلم-: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب مِن قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد"(رواه البخاري).
ومن خصائص هذه الأمة: أن الله تجاوز لها عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه، وفي الدعاء القرآني" ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " وقال -صلى الله عليه وسلم- " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفُسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به"(رواه مسلم).
فدل هذا على كلَّ من أحب شيئاً وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالَى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه؛ ولذلك سمَّى الله طاعة الشيطان في المعصية عبادة للشيطان، (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [يس:60-61]. فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن.
ومن قال لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته، فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله تعالى في طاعة الشيطان والهوى، (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ) [القصص:50]، (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) [ص:26].
قال الحسن: "اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته". وقال أبو يعقوب النهرجوري: "كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة". وقال يحيي ابن معاذ: "ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده".
ومن هنا يُعلم أن من أتى بلا إله إلا الله ينجو من النار ويدخل الجنة برحمة الله تعالى، بشرط أن يسلم من أنواع الظلم الثلاثة: ظلم الشرك، وظلم العباد، وظلم العبد نفسه بالمعاصي، فمن أشرك دخل النار، ومن ظلم العباد كان منه القصاص، ومن ظلم نفسه بالكبائر كان تحت المشيئة.
فاتقوا الله ربكم، واقدروا كلمة التوحيد حق قدرها، واعرفوا لها فضلها، وحققوا شروطها، وجانبوا نواقضها؛ حتى يكون لكم الأمن في الدنيا والآخرة، ثم صلوا وسلموا على خير خلق الله.
وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
*فضل لا إله إلا الله*
*للشيخ/ إبراهيم الحقيل*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى:*
الحمد لله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، تفرد بالجلال والكمال، وتنزه عن النظراء والأمثال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يتعبد الموحدون بذكره، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله حتى يقرر أن لا إله إلا الله؛ فأقام الدين، ونشر التوحيد، وأوضح الشريعة، حتى توفاه الله تعالى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أئمة الهدى، وأنوار الدجى، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى وأطيعوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18].
أيها المؤمنون: كلمةٌ التقوى هي كلمةُ الإخلاص والتوحيد، لا إله إلا الله، وهي شهادةُ الحق ودعوةُ الحق، وبراءةٌ من الشرك. لأجلها خُلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزلت الكتب، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء:25 (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) [النحل:2].
قال سفيان بن عيينه -رحمه الله تعالى-: "ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله". لأجل هذه الكلمة أعدت دارُ الثواب ودارُ العقاب، ولأجلها أمرت الرسل بالجهاد؛ فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر.
هي مفتاحُ الجنة وثمنها، وهي دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحاً، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة كما صح ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي موجبةٌ للمغفرة، ومنجاةٌ من النار. سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤذناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: "خرج من النار" أخرجه مسلم، وقال أبو ذر -رضي الله عنه-: قلت يا رسول الله، كلمني بعملٍ يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشرُ أمثالها"، قلت: يا رسول الله، لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: "هي أحسن الحسنات" أخرجه أحمد.
لا إله إلا لله تمحو الذنوب والخطايا، وتجدد ما درس من الإيمان في القلب، وهي أفضل الذكر، وأثقل شيء في الميزان، كما روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-ما عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أن نوحاً قال لابنه عند موته: "آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كنّ في حلقة مبهمة فصمتهن لا إله إلا الله" أخرجه أحمد بسند صحيح.
إن هذه الكلمة العظيمة إذا قالها المسلم صعدت إلى السماء، وخرقت الحجب؛ حتى تصل إلى الله تعالى، أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش، ما اجْتُنبت الكبائر".
هذه الكلمةُ أفضلُ الأعمال، وأكثرها تضعيفاً، تحفظ العبد من الشيطان، وتعدل عتق الرقاب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه" متفق عليه.
وهي التي تفتح أبواب الجنة؛ كما جاء في حديث عمر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء". أخرجه مسلم.
تحرم النار على من قالها مخلصاً؛ كما في حديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" أخرجه الشيخان، وعندهما أيضاً أن الله تعالى يقول: "وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله"، ولهذا السبب فهي تقطع ظهر إبليس، كما قال سفيان الثوري: "ليس شيء أقطع لظهر إبليس من لا إله إلا الله".
الخطبة الثانية:
الحمد لله على فضله،وإحسانه،وأشكره على توفيقه وامتنانه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،وسلَّم تسليماً كثيرًا، أما بعد:
يقول رسولُنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (القبرُ روضةٌ من رياض الجنةِ أو حفرةٌ من حُفرُ النار).
كان عثمانُ بنُ عفانُ الخليفةَ ـ رضي الله عنه ـ إذا شيعَ جنازة بكى حتى يغمى عليه فيحملونَه إلى بيتهِ كالجنازة إلى بيته.
قالوا مالك؟ قال سمعتُ الرسولَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( يقول القبرُ أولُ منازلِ الآخرة فإذا نجا العبدُ فيه أفلح وسعد، وإذا خسرَ ـ والعياذُ بالله خسرَـ أخرتَه كلها).
والقبرُ روضةٌ من الجــنانِ ** أو حفرةٌ من حُفر النيرانِ
إن يكن خيرًا فالذي من بعـده** أفضلُ عند ربـنا لعبده
وإن يكن شرًا فما بــعده أشد** ويلٌ لعبدٍ عن سبيلِ اللهِ صد
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين.
فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوانا إلا على الظالمين.
والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أتيتُ القبورَ فناديتُها ** أين المعظمُ والمحتقر؟
أتيتُ القبور. قبور الرؤساءِ و المرءوسين.
قبور الملوك والمملوكين
قبور الأغنياءِ والفقراء فناديتُها أين المعظمُ والمحتقر؟
تفانوا جميعًا فما مخــبرٌ ** وماتُوا جميعًا ومـــات الخبر
فيا سائلي عن أناسٍ مضوا ** أما لك في ما مــضى معتبر
تروحُ وتغدو بناتُ الثرى ** فتمـــحو محاسنَ تلك الصور
أريت قبرًا ميز عن قبر؟
أأنزل الملكُ في قبرٍ من ذهبٍ أو فضة؟
والله لقد ترك ملكَهُ وقصوره وجيشهُ وكلَ ما يملك، ولبسَ قطعةً من القماش كما نلبس واُنزل التراب.
ولدتك أمك باكيًا مــستصرخًا ** والناس حولك يضحكـون سرورًا
فأعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا ** في يوم موتك ضاحكًا مــسرورًا
لكن كثيرًا من الناس علموا بالقبر، وأول ليلة في القبر فأحسنوا العمل، ولذلك متهيئون دائمًا.
يريدون الله والدار الآخرة، ثبتهم الله في الليلِ والنهار.
يترقبون الموت كل طرفة عين.
خرج رجلُ من الصالحين وشيخُ من المشائخ أعرفه من مدينة الرياض.
خرج بزوجته وكانت صائمة قائمة وليّة من ولياء الله، خرج يريد العمرة، والغريب في تلك السفرة أنه ودعت أطفالها، وكتبت وصيتها، وقبلت أطفالها وهي تبكي. كأنها ألقي في خلدها أنها سوف تموت.
{ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام:62].
ذهب واعتمر بزوجته وهو وإياها في بيت أسس على التقوى، إيمان وقرآن وذكر وصيام وقيام وعبادة.
لا يعرفون الغيبة ولا الفاحشة ولا المعاصي.
عاد معها فلما كان في الطريق إلى الرياض، أتى الأجل المحتوم إلى زوجته.
{وعد الله الذي لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم: 6: 7].
ذهب إطار السيارة فانقلبت ووقعت المرأة على رأسها، لكنها إن شاء الله شهيدة.
{أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف:16].
خرج زوجها من الباب الآخر، ووقف عليها وهي في سكرات الموت تقول:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، الله، الله، الله.
وتقول لزوجها: عفى الله عنك، اللقاء في الجنة، بلغ أهلي السلام.
{والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} [الطور:21]. إي والله.
أسأل الله أن يجمع تلك الأسرة في الجنة، وأن يجمعنا وأحبابنا وأقاربنا في الجنة.
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحـنا ** شوقًا إليكم ولا جـفت مآقينا
تكادُ حين تناجيكم ضمائـرنا** يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إن كان عز في الدنيا اللقاء ففي** مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
عاد الرجل إلى الرياض ودفن زوجته، دخل بيته وحده بلا زوجة، دخل بيته واستقبله الأطفال لكن حياة سهلة وبسيطة.
ولكن الموقف المرعب أن واحدة من الطفلات بنت، قامت تقول أين أمي؟
قال سوف تأتي.
قالت: لا والله لا بد أن أرى أمي.
وانهار الرجل.
ونقول لتلك الطفلة سوف ترينها بإذن الله في جنة عرضها السماوات والأرض.
يعمل لها العاملون، ليست كدنيانا الحقيرة، السخيفة التي يعمل لها الذين لا يريدون الله والدار الآخرة.
{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133].
*أول ليلة في القبر*
*للشيخ/ عائض القرني*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين.
{الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}
{الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير}
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
فارقتُ موضعَ مرقدي ** يومًا ففارقني السكون
القبرُ أولُ ليلةٍ بالله قلي ما يكون
ليلتانِ اثنتان يجعلها كلُ مسلمٍ في مخيلته.
ليلةٌ وهو في بيته مع أطفاله وأهله.
منعمًا سعيدًا، في عيشٍ رغيد في صحة وعافية، يضاحكُ أطفاله ويضاحكونه.
والليلةُ التي تليها مباشرةً ليلةٌ أتاه الموت فوضع في القبر، أي ليلتين؟
ليلةٌ ثانيةٌ وضع في القبر لأولِ مرة، وذاك الشاعرُ العربيُ يقول:
فارقتُ موضعَ مرقدي ** يومًا ففارقني السكون
انتقلتُ من مكانٍ إلى مكان، وذهبتُ من موضع نومي في بيتي إلى بيتٍ آخر فما أتاني النوم.
فبالله كيف تكونُ الليلةُ الأولى في القبر؟
يومَ يوضعُ الإنسانُ فريدًا وحيدًا مملقًا إلا من العمل، لا زوجةَ ولا أطفال ولا أنيس:
{ثم ردوا إلى اللهِ مولاهم الحق ألا لهُ الحكمُ وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام: 62].
أولُ ليلةٍ في القبر بكي منها العلماء، وشكا منها الحكماء، ورثى منها الشعراء، وصنفت فيها المصنفات. أولُ ليلةٍ في القبر.
أُتيَ بأحد الصالحين وهو في سكراتِ الموت لدغته حية.
وكان في سفر، نسي أن يودع أمه وأباه وأطفالهُ وإخوانه، فقال قصيدةً يلفظُها مع أنفاسه هيَ أم المراثي العربيةِ في الشعر العربي. يقولُ وهو يُزحفُ إلى القبر:
فلله دري يوم اُتركُ طائـعًا ** بنيَ بأعلى الرقمتينِ وداريا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ** و أين مكانُ البعد إلا مكانـيا
يقول كيف أفارقُ أطفالي في لحظة؟
لماذا لا أستأذنُ أبوي؟
أهكذا تُختلسُ الحياة، أهكذا أذهب؟
أهكذا أفقدُ كل ممتلكاتي ومقدراتي في لحظة؟
ويقولُ عن نفسه:
يقولُ لي أصحابي واللذينَ يتولونَ دفني، لا تبعد أي لا أبعدك الله.
وأين مكانُ البعد إلا هذا المكان؟
وأين الوحشةُ إلا هذا المنقلب؟
وأين المكان المظلم إلا هذا المكان؟
فهل تصورَ متصورٌ هذا.
{حتى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربي ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 100].
كلا، آلان تراجع حساب ، آلان تتوب، آلان تنتهي عن المعاصي.
يا مدبرًا عن المساجد ما عرف الصلاة.
يا معرضًا عن القرآن.
يا متهتكًا في حدود الله.
يا ناشئًا في معاصي الله.
يا مقتحمًا لأسوار حرمها الله.
آلان تتوب، أين أنت قبل ذلك؟
أو ليلية في القبر.
قال مؤرخو الإسلام
مات الحسنُ ابن الحسنِ من أولادِ علي ابنَ أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ و أرضاه.
كان عنده زوجةٌ وأطفال.
كان في الشباب، والموتُ لا يستأذنُ شابًا ولا غنيًا ولا فقيرًا ولا أميرًا ولا ملكًا ولا وزيرًا ولا سلطانًا،
الموتُ يقصمُ الظهور ويخرجُ الناسَ الدور وينزلهم من القصور ويسكنهم القبور بلا استئذان.
الحسن ابنُ الحسن مات فجأة، نقلوه إلى المقبرةِ.
فوجدت عليه امرأتُه وحزِنت حزنًا لا يعلمه إلا الله.
أخذت أطفالها وضربت خيمةًَ حول القبر.
وهذا ليس من عمل الإسلام ولولا أن مؤرخو الإسلام ذكروه ما ذكرته.
ضربت خيمةً حول القبر وأقسمت بالله لتبكينا هي و أطفالها على زوجِها سنةً كاملة.
هلعٌ عظيم وحزنٌ بائس.
وبقيت تبكي فلما وفت سنة أخذت إطناب الخيمةِ وحملتها و أخذت أطفالها في الليل.
فسمعت هاتفًا يقول لصاحبه في الليل:
هل وجدوا ما فقدوا؟ هل وجدوا ما فقدوا؟
فردَ عليه هاتفٌ آخر قال :
لا، بل يئِسوا فانقلبوا.
ما وجدوا ما فقدوا، ما وجدوا ضعيتهم، ولا وديعتهم:
كنزُ بحلاون عند الله نطلبُه ** خير الودائعِ من خير المؤدينا
قال لا، بل يئِسوا فانقلبوا.
ما كلمَهم من القبر، ما خرج إليهم ولو في ليلةٍ واحدة، ما قبل أطفاله، ما رأى فتاته، لا.
ولذلك هذه هي أولُ ليلةٍ ولكن لها ليالي أخرى إذا أحسن العمل.
قال الله ـ جل وعز ـ {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21].
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)[آلِ عِمْرَانِ: 144]. (رواه البخاري).
أمةَ الإسلامِ: وأما اسمُ اللَّهِ -تعالى- القيومُ، فمعناه: القائمُ بنفسِه، والقائمُ بشؤونِ خلقِه، وجميعُ الخلقِ محتاجونَ إليه؛ ولذا كان النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- إذا قامَ من الليلِ يتهجدُ قال: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ".
هو قيِّمُ السماواتِ ومَنْ فيهنَّ من الملائكةِ، والأفلاكِ، والأجرامِ، وقيِّمُ الأرضِ ومَنْ فيها مِنَ الجنِّ، والإنسِ، والطيرِ، والوحشِ، وما علمناه وما لم نعلمْ. وفي القرآنِ العظيمِ: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)[فَاطِرٍ: 41]، وقال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ)[الرُّومِ: 25].
وهو -سبحانه- في قيامِه على خَلْقِه لا يَشغَلُه مخلوقٌ عن غيرِه، ولا شأنُ أحدٍ عن شأنِ غيرِه؛ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ)[الرَّحْمَنِ: 29]، يُحيِي ويميتُ، ويعطي ويمنعُ، ويقبضُ ويبسطُ، ويعزُّ من يشاءُ ويذلُّ من يشاءُ؛ كلَّ يومٍ هو في شأنٍ، يهدي ضالًّا، ويشرحُ صدرًا، ويكشفُ ضرًّا، ويجيبُ داعيًا، ويشفي سقيمًا، ويردُّ غائبًا، ويُغيثُ ملهوفًا، ويُطعِمُ جائعًا، ويكشفُ كربًا، ويسترُ عاصيًا، ويشكرُ طائعًا، ويقبلُ تائبًا، ويُؤمِّنُ خائفًا، ويَجبُرُ مكسورًا، وينصرُ مظلومًا، ويقصمُ ظالمًا؛ كلَّ يومٍ هو في شأنٍ، قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبتْ، يعلمُ أحوالَهم، وأقوالَهم، وأعمالَهم، يُحصيها عليهم، ثم يومَ القيامةِ يُحاسبُهم ويُجازيهم.
أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ الرجيمِ: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)[البَقَرَةِ: 255].
بارَك اللَّهُ لي ولكم في القرآنِ والسُّنَّةِ، ونفعَني وإيَّاكم بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللَّهَ لي ولكم، فاستغفِروه، إنه كان غفَّارًا.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للَّهِ الحيِّ القيومِ، له الخلقُ والأمرُ، وله الحكمُ، وإليه تُرجعونَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللَّهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ، فيا معاشرَ المؤمنين: إنَّ المؤمنَ حينما يعلمُ أن اللَّهَ -تعالى- حيٌّ لا يموتُ، وأنَّه -سبحانه- قيومُ السماواتِ والأرضِ، قائمٌ بالخَلْقِ والتدبيرِ، منفردٌ بالمشيئةِ والتقديرِ؛ فإن ذلك يحملُه على أن يكونَ اعتمادُه عليه، وثقتُه به دون غيرِه، راضيًا بكل ما جاءَ من أمرِه، صابرًا على ما ابتلاه به، لا يطمعُ في سواه، ولا يرجو إلَّا إياه، ولا يرى في العطاءِ والمنعِ إلَّا حكمتَه، ولا يعاينُ في القبضِ والبسطِ إلَّا قيوميتَه، فيُكثِرُ من دعائِه وذِكرِه، لا سيما إذا حزبَه همٌّ، أو لَحِقَ به كربٌ وغمٌّ؛ ففي سننِ الترمذي من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: كان النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- إذا كربَه أمرٌ قال: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ"، وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ -رضي اللَّهُ عنه وأرضاه-: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، ثُمَّ جِئْتُ مُسْرِعًا لِأَنْظُرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- مَا فَعَلَ، فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ"(رواه البيهقي في دلائل النبوة).
أُمَّةَ الإسلامِ: إنَّ من جوامعِ أدعيةِ النبي -صلى اللَّهُ عليه وسلم- التي أحاطتْ بحذافيرِ طلبِ الخيرِ، واستكفاءِ الشرِّ، ما كان النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- يواظبُ عليه ويلهجُ به في أورادِه، وعند إقبالِ نهارِه وإدبارِ ليلِه، وهو ما أوصى به ابنتَه فاطمةَ -رضي اللَّهُ عنها وأرضاها- حين قال لها: "مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ؟ أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى
كم من فرصة جاءت من معرفة صالحة! وكم من خطأ تجنبته لأنك سألت صاحب خبرة! وكم من باب علم فتحه لك معلم! وكم من همّ خفّ عنك لأن لك أخًا صادقًا يسمعك وينصحك!
فاصحب الصالحين، واجلس إلى أهل العلم والخبرة، واسأل من سبقك، وتعلم من تجارب الناس، وكن أنت أيضًا نافعًا لمن حولك؛ قال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [صحيح مسلم، رقم 2586].
لكن ليس كل اجتماع نافعًا؛ فهناك علاقات تستنزف العمر، وتطفئ الهمة، وتجر إلى الغفلة، وتجعلك نسخةً من أناس لا يريدون لك أن تتقدم.
فاختر من تصاحب؛ فإن الصاحب إما أن يرفعك إلى الخير، أو يسحبك بعيدًا عنه.
□ عباد الله! انتبهوا إلى لون آخر من تهميش النفس: أن يهرب الإنسان من فراغه إلى العمل، ومن خوفه إلى المال، حتى يصبح المال غايته، والعمل هويته، والدنيا كل عالمه؛ قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].
فلا تجعل طلب الرزق يأخذ منك دينك، ولا تجعل العمل يأخذ منك أبناءك، ولا تجعل التجارة تأخذ منك صحتك، ولا تجعل الطموح يأخذ منك قلبك؛ فقد قال ﷺ: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه» [صحيح البخاري، رقم 1968].
والنجاح ليس أن تجمع المال وتخسر نفسك، ولا أن تبني تجارتك وتهدم بيتك، ولا أن تصعد في الدنيا وتسقط في علاقتك بالله.
النجاح أن تكبر قدراتك دون أن تصغر روحك، وأن تتقدم في دنياك دون أن تتأخر عن آخرتك.
□ أيها المسلمون! لا تنتظر أن تتغير الحياة حتى تتغير أنت؛ فالله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
التغيير ليس أمنية تقولها؛ وإنما قرار تعيشه؛ فحوّل الشكوى إلى مسؤولية، والعجز إلى سعي، والجهل إلى تعلم، والخوف إلى مبادرة، والتبعية إلى وعي، وإهدار الوقت إلى استثمار، ودفن المواهب إلى تنمية.
لا تقل: متى يصلح المجتمع؟ قل: ماذا أصلح في نفسي اليوم؟
لا تنتظر أن يبدأ الآخرون؛ كن أنت البداية.ظوإذا أصلحت نفسك، وأتقنت عملك، ونفعت أهلك، وعلمت غيرك، وأعنت محتاجًا، وشاركت في إصلاح مجتمعك؛ فقد أصبحت جزءًا من التغيير الذي تنتظره.
□ وقبل أن تلوم الناس؛ اجلس مع نفسك جلسة صدق، واسأل:
ما القدرة التي أهملتها؟
ما العلم الذي تركته؟
ما المهارة التي كان ينبغي أن أتعلمها؟
ما الفكرة التي قتلتها بالخوف؟
كم من وقت أضعته؟
ما العادة التي تهمشني؟
وما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها اليوم؟
لا تنتظر الكمال؛ فالكمال لا يأتي قبل العمل.
ولا تحتقر البداية الصغيرة؛ فالأعمال الكبيرة كثيرًا ما بدأت بخطوة لا يراها الناس.
ولا تجعل الماضي حكمًا على المستقبل؛ فقد يفتح الله لك غدًا بابًا لم يخطر لك على بال؛ قال ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» [صحيح مسلم، رقم 2664].
فاسترد نفسك من التسويف، واسترد وقتك من الضياع، واسترد عقلك من التبعية، واسترد قدرتك من الخوف.
ليس المطلوب أن تكون أعظم الناس؛ ولكن المطلوب أن تكون أمينًا على ما أعطاك الله.
أن تكون إنسانًا نافعًا، متعلمًا، عاملًا، مبادرًا، مؤثرًا، عابدًا لله.
فقد كرّمك الله؛ فلا تُهن نفسك، وأعطاك عقلًا؛ فلا تعطّله، ومنحك قدرة فلا تدفنها، وأعطاك عمرًا؛ فلا تضيّعه؛ تحرر من العجز، وخذ بالأسباب، وابدأ اليوم بما تستطيع.
وأكثروا من الصلاة والسلام على من علّم الأمة معنى القوة والسعي والعمل، محمدٍ رسول الله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أصلح نفوسنا، وأيقظ هممنا، وبارك في أعمارنا وأوقاتنا وأعمالنا، وارزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وهمّةً عالية، وإرادةً قوية، وبصيرةً تهدينا إلى الخير، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وانفع بنا أهلنا ومجتمعنا وأمتنا، ولا تجعلنا عالةً على غيرنا، ولا ممن ضيّعوا ما أنعمت به عليهم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا لأن نبدأ بإصلاح أنفسنا، وأن نسعى في إصلاح ما حولنا، وأن نلقاك وأنت راضٍ عنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
*لا تهمش نفسك*
*إعداد/ حسن الكنزلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*محاور الخطبة:*
□ الإنسان مكرَّم وليس هامشيًا
□ أخطر التهميش أن تهمّش نفسك
□ حين يُهمَل العقل يُهمَّش الإنسان
□ لا تدفن الموهبة التي أودعها الله فيك
□ العجز يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الواقع
□ لا تنتظر الفرصة؛ كن مستعدًا لها واسْعَ إليها
□ لا تجعل وظيفتك أو ظروفك سجنًا لقدراتك
□ العلاقات النافعة تفتح أبوابًا يغلقها الانعزال
□ لا تستبدل تهميش نفسك بالانشغال المفرط بالدنيا
□ التغيير يبدأ من الداخل
□ استردّ نفسك قبل أن تطالب العالم بإنصافك
*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي خلق الإنسان فسوّاه، وقدّره فهداه، وكرّمه بالعقل والإرادة، وفتح له أبواب العمل والهداية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ الأمة على طريق القوة والعمل، وحذّرها من العجز والكسل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
واتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تقوى الله ليست أن يعيش الإنسان ضعيفًا مستسلمًا؛ وإنما أن يعرف ربه، ويعرف قدر نفسه، ويستعمل ما وهبه الله فيما يرضيه؛ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
وبعد؛
□ فقبل أن تسأل: لماذا لم يعطني الناس فرصتي؟ اسأل نفسك: ماذا فعلت بالفرصة التي أعطاني الله إياها؟
لقد بدأ الله قصة الإنسان بالتكريم؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
فأنت لست زائدًا في هذه الحياة، ولست مخلوقًا بلا رسالة؛ أعطاك الله عقلًا تفكر به، وإرادة تختار بها، وقدرة تسعى بها، وعمرًا تستثمره، وصحة تنتفع بها، وفرصًا تأتيك كل يوم. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]؛ فمن عرف قدر النعمة لم يدفنها، ومن عرف رسالته؛ لم يرضَ أن يعيش عالة على غيره.
والتواضع أن تعرف فضلك من غير كِبر، أما احتقار النفس فليس تواضعًا؛ والرضا بالقدر أن ترضى بما وقع، أما أن تجعل القدر حجة لترك ما تستطيع؛ فليس من التوكل في شيء.
□ أيها الإخوة! قد يظلمك إنسان، وقد يحرمك مجتمع من فرصة، وقد تضيق بك الظروف؛ وهذا مؤلم؛ ولكن الأخطر أن تتحول مظلمة الآخرين إلى سجن تسكنه أنت بإرادتك؛ قد يغلق الناس بابًا في وجهك؛ فلا تغلق أنت جميع الأبواب في وجه نفسك.
ومن تهميش الإنسان لنفسه: أن يحتقر ذاته، ويستسلم، ويخاف من كل تجربة، ويتردد حتى تضيع الفرص، ويسوّف حتى يمضي العمر، ويدفن موهبته، وينتظر من الآخرين أن يصنعوا له حياته؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]؛ فلا تجعل ظروفك تعريفًا لنفسك، ولا تجعل فشلك في تجربة حكمًا مؤبدًا على حياتك.
وقِف مع نفسك وقفة صدق، واسألها: هل منعني الآخرون فعلًا؟ أم أنني منعت نفسي بالخوف؟ هل أُغلقت الأبواب كلها؟ أم أنني طرقت بابًا واحدًا ثم جلست أبكي عنده؟
□ عباد الله! من أعظم صور تهميش النفس أن يملك الإنسان عقلًا ثم يعطله؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22].
ليس المطلوب أن تعرف كل شيء؛ ولكن ألا تتوقف عن التعلم. لا تجعل عمرك يتقدم وعقلك واقفًا مكانه؛ تعلّم، اقرأ، اسأل، فكّر، راجع أفكارك، ميّز بين الحق والباطل، ولا تجعل كل ما تسمعه حقيقة، ولا كل ما يفعله الناس صوابًا. وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
والهاتف نعمة؛ إذا ملكته، ونقمة؛ إذا ملكك؛ وسيلة؛ إذا استخدمته، وسارق للعمر؛ إذا استسلمت له؛ فكم ساعة ذهبت في المقاطع والأخبار والجدالات، ثم سألت نفسك: ماذا تعلمت؟! ماذا أنجزت؟! ماذا قدمت؟!
والعقل الذي لا يغذيه العلم؛ يضعف، والعقل الذي لا يهتدي بالوحي؛ يضل.
□ أيها المسلمون! ما من إنسان إلا وقد أودع الله فيه شيئًا يمكن أن ينفع به نفسه وأهله ومجتمعه؛ لكن الموهبة لا تكفي؛ تحتاج إلى علم، وتدريب، وممارسة، وصبر، وتراكم. لا تقل: لست مثل فلان؛ فقد أعطاك الله ما لم يعطه غيرك، وأعطى غيرك ما لم يعطك.
ولا تجعل المقارنة تقتل همتك؛ لا تسأل دائمًا: هل أنا أفضل من غيري؟ بل اسأل: هل أنا اليوم أفضل مما كنت بالأمس؟ قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
والفكرة لا تصبح مشروعًا؛ حتى تعمل عليها، والقدرة لا تصبح مهارة؛ حتى تدربها، والمهارة لا تصبح إنجازًا حتى تصبر عليها، والإنجاز لا تكتمل قيمته؛ حتى يتحول إلى نفع للناس.
فَكَلَامُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
وَعَلَى أَسَاسِ هَذَا الْقَبُولِ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ لَكَ الْقُرْآنُ: اجْعَلْ هَذَا مِنْ ثَوَابِتِ اعْتِقَادِكَ:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
لَاحِظُوا: "مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا".
فَإِذَا نَسَبْتَ الْمُصِيبَةَ إِلَى اللهِ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَهَا، جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الْمُصِيبَةَ لَكَ وَلَيْسَتْ عَلَيْكَ.
*ابْتَسِمْ، رَبُّكَ اللهُ.*
قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
*الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ*
إلـــــــــــــــــــــهـــي
كَلِمَاتُ شِعْرِي فِي عُلَاكَ صَلَاةٌ،
أَنْتَ الَّذِي سَجَدَتْ لَهُ الْكَلِمَاتُ.
يَا مَنْ يَشُقُّ الصَّخْرَ عَنْ رَيْحَانَةٍ،
فَإِذَا الْجَمَادُ حَدَائِقٌ وَنَبَاتُ.
أَنَّى نَظَرْتُ، تَرَاكَ عَيْنُ بَصِيرَتِي،
نُورًا لَهُ آفَاقُنَا مِشْكَاةُ.
أَنَا لَهْفَةٌ حَرَّى إِلَيْكَ، فَخَافِقِي
مُتَوَقِّدٌ، وَمَشَاعِرِي جَمَرَاتُ.
أَنَا سَجْدَةٌ لَكَ مُنْذُ مِيلَادِي، وَفِي
قَبْرِي سَتَسْجُدُ أَعْظُمِي النَّخِرَاتُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا وَحَبِيبِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَبَعْدُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى.
أَمَّا بَعْدُ:
نَأْتِي الْآنَ إِلَى الْأَفْعَالِ، لِأَنَّنَا فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى تَكَلَّمْنَا عَنِ الْخَوَاطِرِ وَمَسَائِلِ النَّفْسِ.
فَدَعُونَا الْآنَ نُفَعِّلُ الِابْتِسَامَةَ فِي أَفْعَالِنَا.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا».
فَالدِّينُ لَا يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنْ بَعْضِنَا، بَلْ يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَحَابَّ وَنَتَكَاسَبَ.
فَكَيْفَ نُحِبُّ الْآخَرِينَ؟ هَلْ نَذْهَبُ لِنَشْتَرِيَ دَوَاءً مِنَ الصَّيْدَلِيَّةِ لِنُحِبَّهُمْ؟! لَا، هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَلْبِيَّةٌ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَدُلُّنَا عَلَى عَمَلٍ عَمَلِيٍّ إِذَا فَعَلْنَاهُ حَصَلَتِ الْمَحَبَّةُ، فَقَالَ: «أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
وَمِنْ مَعَانِي "إِفْشَاءِ السَّلَامِ" أَنْ نَلْقَى بَعْضَنَا بِوَجْهٍ طَلْقٍ، أَيْ بِابْتِسَامَةٍ.
فَابْتَسِمْ مِنْ صِدْقٍ وَأَنْتَ تُطِيعُ اللهَ، ثُمَّ قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
وَاللهِ لَا تَعْلَمُ مَاذَا يَصْنَعُ هَذَا السَّلَامُ الْمَصْحُوبُ بِالِابْتِسَامَةِ فِي قَلْبِ أَخِيكَ.
فَلْيَكُنْ هَذَا سُلُوكَنَا: وَجْهٌ طَلْقٌ، وَابْتِسَامَةٌ جَمِيلَةٌ، نَفْعَلُهَا طَاعَةً لِلهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى: أَحْيَانًا يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِفَائِدَةٍ فَلَا تَتَحَقَّقُ، فَيَتَذَمَّرُ وَيَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا.
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَنَا: «وَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ _ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
وَأَخِيرًا: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا ضَامِنًا أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ حَيًّا.
فَعِنْدَمَا تَذْكُرُ الْمَوْتَ، ابْتَسِمْ.
نَعَمْ، ابْتَسِمْ، لِأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَسَيَنْقُلُكَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى لِقَاءِ اللهِ، فَلْتَكُنِ ابْتِسَامَتُكَ انْشِرَاحًا بِلِقَاءِ اللهِ.
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*( ابـتســــم ربــــك الله)*
*للشيخ/ محمـد المقرمي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبـــة الأولـــى:*
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
لك الحمدُ ياالله كَمْ شَدَّنِي وَجْدٌ
لِحَمْدِكَ إِجْلَالًا، لَكَ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ.
لَكَ الْحَمْدُ، إِنَّ الْقُرْبَ مِنْكَ وَسِيلَةٌ،
وَأَمَّا الْبُعْدُ عَنْكَ يَا سَيِّدِي بُعْدُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَمِنْهُ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، مَا الْكَلِمَاتُ تِلْكَ الَّتِي سَتَطِيقُهَا الْكَلِمَاتُ؟
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، نَأَى بِحَمْلِهَا عِلْمُ الْكَلَامِ، وَضَاقَتِ اللَّهَجَاتُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، عَاشُوا عِزَّهَا أَصْحَابُ سَيِّدِنَا الرَّسُولِ وَمَاتُوا.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، زَادِي هَا هُنَا، وَهُنَاكَ ذُخْرِي، وَالْعِظَامُ رُفَاتُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، تُغْنِي يَوْمَ لَا يُغْنِي الْمَلَامُ، وَتَنْفَعُ الْحَسَرَاتُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، آخِرُ قَوْلِنَا، فَاجْعَلْهَا يَوْمَ تَحَشْرَجَ الزَّفَرَاتُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَبَعْدُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ _ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، وَكُلُّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا مَعَانِيَ جَمِيلَةً.
وَقَدْ وَقَفْنَا فِي اللِّقَاءِ الْمَاضِي مَعَ كَلِمَةِ "الِابْتِسَامَةِ".
لَوْ تَأَمَّلْتَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَوَجَدْتَ عِبَارَاتٍ عَدِيدَةً مِنْ أَحْرُفِهَا فَقَطْ، وَمِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ:
الِابْتِسَامَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بِسُبُلِ السَّلَامِ.
الِابْتِسَامَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بِالسَّلَامَةِ.
الِابْتِسَامَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بِالسِّلْمِ.
وَلَكَ أَنْ تُحْصِيَ مَا شِئْتَ مِنَ الْإِحْصَاءِ.
فَكَيْفَ نُوَجِّهُ هَذِهِ الِابْتِسَامَةَ بِحَيْثُ تَظْهَرُ فِي حَيَاتِنَا هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ أَحْرُفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ؟
أَقُولُ وَبِاللهِ الْمُسْتَعَانُ:
أَوَّلًا يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الِابْتِسَامَةَ أَمْرٌ مِنْ أَوَامِرِ اللهِ.
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ تَكُونُ أَمْرًا مِنْ أَوَامِرِ اللهِ؟ مَا رَأَيْنَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَمْرًا يَقُولُ لَكَ: "ابْتَسِمْ"!
اسْمَعْ كَيْ تَعْلَمَ أَنَّ الِابْتِسَامَةَ أَمْرٌ مِنْ أَوَامِرِ اللهِ.
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
إِذَنْ أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نَتَّبِعَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ نَتَّبِعَهُ ﷺ فِي عَقِيدَتِهِ، وَفِي صِفَاتِهِ، وَفِي أَفْعَالِهِ، وَفِي أَقْوَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَكَانَتِ الِابْتِسَامَةُ لَا تُفَارِقُ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
إِذَنْ أَنْ تَتَّبِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الِابْتِسَامَةِ، وَبِهَذِهِ النِّيَّةِ: لَا لِيُقَالَ إِنَّكَ مُبْتَسِمٌ، وَلَا لِيُقَالَ مَا يُقَالُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ.
وَلَكِنْ تَبْتَسِمُ بِدَافِعِ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّكَ بِابْتِسَامَتِكَ هَذِهِ تُطِيعُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَتُنَفِّذُ أَمْرًا مِنْ أَوَامِرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَيْ تَجِدَ لِهَذِهِ الِابْتِسَامَةِ آثَارَهَا فِي نَفْسِكَ.
وَكَمَا قُلْتُ سَابِقًا: لَا نُقَرِّبْ أَوَامِرَ اللهِ، وَلَا أَوَامِرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَلَا نَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَمَرَ بِكَذَا، فَلْنُقَرِّبْ.
بَلْ أَوَامِرُ اللهِ وَرَسُولِهِ تُنَفَّذُ بِتَسْلِيمٍ كَامِلٍ.
كَانَتْ لِي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أُسْطُوَانَةٌ أُصَلِّي إِلَيْهَا فِي اللَّيْلِ.
قَالَ: وَقَدْ أَقْحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، وَأَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ، فَخَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا، لَمْ يُرْزَقُوا الْمَطَرَ.
قَالَ: فَجَعَلْتُ لَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَلَسْتُ إِلَى أُسْطُوَانَتِي تِلْكَ مَهْمُومًا حَزِينًا.
يَعْنِي: هَؤُلَاءِ النَّاسُ خَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا، دَعَوْا فَلَمْ يَسْتَجِبِ اللهُ لَهُمْ. أَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَرْحَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِحَالِهِ فَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ؟
قَالَ: فَجَعَلْتُ أُقَلِّبُ الْأَمْرَ وَأَنَا فِي حُزْنٍ عَظِيمٍ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِذْ دَخَلَ عَبْدٌ أَسْوَدُ فِي الظَّلَامِ، فِي ظَلَامِ الْمَسْجِدِ.
عَبْدٌ أَسْوَدُ، تَعِبُهُ سَفَرٌ. فَصَلَّى إِلَى أُسْطُوَانَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ لَا يَرَانِي.
دَخَلَ بِكِسَاءَيْنِ: كِسَاءٍ قَدْ جَعَلَهُ إِزَارًا، وَكِسَاءٍ آخَرَ أَقْصَرَ مِنْهُ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ مَدَّهُ أَمَامَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ صَلَاتِهِ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ:
يَا رَبِّ، هَؤُلَاءِ أَهْلُ حَرَمِ نَبِيِّكَ خَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ تَسْقِهِمْ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِمَا لِي عِنْدَكَ إِلَّا سَقَيْتَهُمُ السَّاعَةَ، السَّاعَةَ، السَّاعَةَ، الْآنَ، الْآنَ، الْآنَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: فَقُلْتُ: رَجُلٌ مَجْنُونٌ! مَنْ ذَا الَّذِي يُقْسِمُ عَلَى اللهِ ثُمَّ يَطْلُبُهُ عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟
قَالَ: فَمَا إِنْ وَضَعَ يَدَيْهِ قَالَ: حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الرَّعْدِ، ثُمَّ مَا لَبِثَ الْمَطَرُ أَنْ نَزَلَ، حَتَّى مَا كَادَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ.
قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الرَّجُلُ، فَحَمِدَ اللهَ بِمَحَامِدَ عَلَّمَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِيَّاهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ.
فَتَأَمَّلْ مَعِي إِلَى هَذَا الْعَبْدِ الْبَسِيطِ عِنْدَ النَّاسِ، الْقَلِيلِ قَدْرُهُ عِنْدَ النَّاسِ، كَيْفَ كَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ! أَنْ يُقْسِمَ عَلَى اللهِ فَيَبَرَّهُ.
نَحْنُ فِي الْيَمَنِ نُعَانِي مِنْ هَذِهِ الْمُعَانَاةِ هَذِهِ السَّنَوَاتِ. أَلَيْسَ فِينَا عَبْدٌ لَهُ رَصِيدٌ عِنْدَ اللهِ يَدْعُو اللهَ فَيُجِيبُهُ، يُقْسِمُ عَلَى اللهِ فَيَبَرُّهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَسَمَهُ؟
أَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَدْعُو لِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلَسْطِينَ، فَيُخْرِجُهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيَرْفَعُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الْمِحَنَ عَنِ الْأُمَّةِ؟
النَّاسُ الْيَوْمَ يَحْرِصُونَ عَلَى أَرْصِدَتِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُمْ يَغْفُلُونَ عَنْ أَرْصِدَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَلَا هُمْ نَالُوا حَظَّهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَتَنَعَّمُوا بِهَا.
فَنَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُنِيلَنَا حَظَّنَا لِلْآخِرَةِ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ تَقْصِيرِنَا جَمِيعًا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَزِدْ وَأَنْعِمْ عَلَى نُورِ شَمْسِ الْعِرْفَانِ، وَمَهْبِطِ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، اللَّهُمَّ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا،
اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حضر وسَمِعَ هَذِهِ الْخطبة وَلِوَالِدَيْهِ، وَافْتَحْ لَسماع الموعظة قَلْبَهُ وَأُذُنَيْهِ.
اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَذَوِي أَرْحَامِنَا، مَنْ أَحَبَّنَا فِيكَ وَمَنْ أَحْبَبْنَاهُ فِيكَ، مَنْ أَوْصَانَا بِالدُّعَاءِ وَمَنِ اسْتَوْصَيْنَاهُ بِالدُّعَاءِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
مَعْنَى "أَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ": يَعْنِي كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً فِي السِّنِّ، فَرَدَّهَا اللَّهُ شَابَّةً حَتَّى تَقْدِرَ عَلَى الْإِنْجَابِ مِنْ جَدِيدٍ.
طَيِّبٌ، لِمَاذَا يَا رَبِّ هَذَا؟ لِمَاذَا خَرَقْتَ الْقَوَانِينَ وَالسُّنَنَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْعَبْدِ؟! قَالَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]. كَانَ لَهُمْ رَصِيدٌ، فَمَا خَيَّبَهُمْ حِينَ احْتَاجُوهُ.
لَيْسَ فَقَطْ فِي حَيَاتِكَ، بَلْ حَتَّى بَعْدَ مَمَاتِكَ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَخَافُ عَلَى أَوْلَادِهِ، يَتْعَبُ وَيَشِيبُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ. يَقُولُ: أَنَا كَبِرْتُ فِي السِّنِّ، وَمَا بَنَيْتُ لِأَوْلَادِي بَيْتًا! وَمَا اشْتَرَيْتُ لَهُمْ سَيَّارَةً! وَمَا زَوَّجْتُهُمْ! وَمَا أَمَّنْتُ مُسْتَقْبَلَهُمْ! يَخَافُ النَّاسُ عَلَى ذُرِّيَّاتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَنْبَأَكَ عَنِ الْخَبَرِ: لِيَكُونَ لَكَ رَصِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَيَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَهُمْ حَافِظًا.
يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82]. هَذَا هُوَ السَّبَبُ. أَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى نَبِيًّا، وَالْخَضِرَ وَلِيًّا، وَطَافَ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَى إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ النَّائِيَةِ، فَأَقَامَ جِدَارًا لِرَجُلٍ مَاتَ مُنْذُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ. لِمَاذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ صَالِحًا. فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَوَلِيَّهُ لِخِدْمَةِ هَذَا الرَّجُلِ الْمَيِّتِ، وَنَفْعِ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ الْيَتِيمَيْنِ. لِمَاذَا؟ {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}. كُنْ صَالِحًا وَلَا تَخْشَ عَلَى أَوْلَادِكَ شَيْئًا.
وَعِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً لِأَمْرٍ حَصَلَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا يَوْمًا فَقَالَ: "يَا حَفْصَةُ، إِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي آنِفًا قَبْلَ قَلِيلٍ". طَيِّبٌ، لِمَاذَا جَاءَ جِبْرِيلُ؟ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لَا شَكَّ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِوَحْيٍ يَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِ النَّاسِ، بِدِينٍ، بِبُشْرَى. قَالَ: "جَاءَنِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقَالَ لِي: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَكَ: ارْجِعْ حَفْصَةَ". اللَّهُ يَأْمُرُ، وَيُرْسِلُ جِبْرِيلَ فِي رِسَالَةٍ مِنْ أَجْلِ زَوْجَةٍ طُلِّقَتْ طَلْقَةً: ارْجِعْهَا إِلَى عِصْمَتِكَ يَا مُحَمَّدُ مَرَّةً أُخْرَى! لِمَاذَا هَذَا؟ قَالَ: "يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: ارْجِعْ حَفْصَةَ، فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ".
انْظُرُوا إِلَى رَصِيدِهَا مِنَ الْخَيْرِ، كَيْفَ نَفَعَهَا حَتَّى فِي الدُّنْيَا! فَرَجَعَتْ إِلَى عِصْمَةِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى ﷺ، بَلْ وَكَانَتْ مِنْ زَوْجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ. لِمَاذَا؟ إِنَّهَا كَانَتْ صَوَّامَةً قَوَّامَةً، كَانَ لَهَا رَصِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ.
هَذَا فِي شَأْنِ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ بِالْآخِرَةِ؟!
وَالْآخِرَةُ أَعْظَمُ وَأَبْقَى.
عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ عَنْهُ، يَسْمَعُهُمْ حِينَ يُصْرَخُونَ مِنْ دَفْنِهِ.
قَالَ: فَيَأْتِيهِ الْمَلَكَانِ، فَإِذَا جَاءَا أَقْبَلَتِ الصَّلَاةُ، أَقْبَلَ الْمُدَافِعُونَ الْحُرَّاسُ الْمُرَافِقُونَ.
قَالَ: أَقْبَلَتِ الصَّلَاةُ فَوَقَفَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَأَقْبَلَ الصِّيَامُ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقْبَلَتِ الزَّكَاةُ فَوَقَفَتْ عَنْ يَسَارِهِ، وَأَقْبَلَ فِعْلُ الْخَيْرِ فَوَقَفَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.
فَإِذَا جَاءَ الْمَلَكَانِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، قَالَتِ الصَّلَاةُ: لَا تَأْتِيهِ مِنْ هُنَا، لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ، هُوَ مِنْ هُنَا مَحْمِيٌّ، أَنَا الْحَارِسُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لَيْسَ لَكُمْ مَدْخَلٌ مِنْ هُنَا.
فَيَأْتِيَانِهِ مِنَ الْيَمِينِ، فَيَقُومُ الصِّيَامُ: لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ.
يَأْتِيَانِهِ مِنَ الشِّمَالِ، فَتَقُومُ الزَّكَاةُ: لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ.
يَأْتِيَانِهِ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، فَيَقُومُ فِعْلُ الْخَيْرِ فَيَقُولُ: لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ.
مِيزَانُ الْآخِرَةِ مُخْتَلِفٌ. هَذَا الرَّجُلُ لَا يَتَحَدَّدُ عَلَى مُسْتَوَى اللَّوْنِ وَلَا الْجَاهِ وَلَا الْمَالِ وَلَا الْمَنْصِبِ وَلَا الْمَكَانِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَإِنَّمَا يَتَحَدَّدُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ: مِقْدَارُ رَصِيدِكَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْحَسَنَاتِ.
النَّاسُ الْيَوْمَ يَتَفَقَّدُونَ أَرْصِدَتَهُمْ. إِذَا نَقَصَ النِّتُّ أَوْ رَصِيدُ الِاتِّصَالِ فِي جَوَّالِكَ أَصَابَكَ الْحُزْنُ وَالْهَمُّ، فَلَا تَطْمَئِنُّ نَفْسُكَ وَلَا يَهْدَأُ بَالُكَ حَتَّى تَمْلَأَ رَصِيدَكَ مِنَ النِّتِّ أَوْ مِنْ رَصِيدِ الِاتِّصَالِ. وَهَكَذَا الْإِنْسَانُ إِذَا نَقَصَ رَصِيدُهُ فِي الْبَنْكِ، أَوْ فِي الْخَزْنَةِ، أَوْ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ فِي الْجَاهِ، يَقُولُ: أَنَا ذَهَبْتُ الْيَوْمَ إِلَى الْمُنَاسَبَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَلَمْ يَسْتَقْبِلْنِي أَحَدٌ، وَلَمْ يُصَافِحْنِي أَحَدٌ، وَلَمْ يُفْسِحْ لِي أَحَدٌ. يَحْزَنُ النَّاسُ إِذَا نَقَصَ رَصِيدُهُمْ، رَصِيدُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا. لَكِنْ مَنِ الَّذِي يَحْزَنُ وَيَبْتَئِسُ إِذَا نَقَصَ رَصِيدُهُ عِنْدَ اللَّهِ؟ إِذَا رُدَّ مِنْ بَابِ اللَّهِ؟ إِذَا كَانَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَغِيرًا؟ مَنِ الَّذِي يَحْزَنُ عَلَى ذَلِكَ؟ مَنِ الَّذِي يَهْتَمُّ لِهَذَا؟ وَهُوَ الرَّصِيدُ الْحَقِيقِيُّ.
فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: "يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". أَكْثَرُ إِنْسَانٍ فِي الدُّنْيَا غِنًى وَمَالًا وَمَنْصِبًا وَجَاهًا وَمَتَاعًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. يُؤْتَى بِهِ فَيُصْبَغُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ صَبْغَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ، وَمَا مَرَّ بِي نَعِيمٌ قَطُّ. نَسِيَ السَّيَّارَاتِ الْفَارِهَةَ، وَنَسِيَ الْوَجَبَاتِ الْفَاخِرَةَ، وَنَسِيَ الْأَمْوَالَ وَالْمَتَاعَ وَالْجَاهَ. نَسِيَ هَذَا كُلَّهُ بِصَبْغَةٍ وَاحِدَةٍ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
قَالَ ﷺ: "ثُمَّ يُؤْتَى بِأَشَدِّ أَهْلِ الدُّنْيَا فَاقَةً وَحَاجَةً، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّتْ بِكَ فَاقَةٌ قَطُّ؟" فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ بُؤْسًا قَطُّ، وَلَا مَرَّتْ بِي فَاقَةٌ قَطُّ. فَنَسِيَ الْجُوعَ، وَنَسِيَ الْبَرْدَ، وَنَسِيَ الْحَرَّ، وَنَسِيَ الْكَرَاتِينَ الَّتِي كَانَ يَنَامُ عَلَيْهَا، وَالْعَمَلَ الشَّاقَّ الَّذِي كَانَ يَقُومُ بِهِ، وَنَسِيَ الْإِهَانَةَ الَّتِي كَانَ يَتَعَرَّضُ لَهَا. نَسِيَ كُلَّ شَيْءٍ بِغَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْجَنَّةِ.
هَذَا هُوَ الرَّصِيدُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ النَّاسُ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَتَفَقَّدَهُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. الْيَوْمَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ بَعْضَهُمْ: كَيْفَ الْوَضْعُ عِنْدَكَ؟ هَلْ هُنَاكَ مُرَتَّبَاتٌ الْيَوْمَ أَمْ لَا؟ هَلْ مَعَكَ صَرْفَةُ الْعِيدِ أَمْ لَا؟ هَلْ عِنْدَكَ حَاجَاتُ أَوْلَادِكَ أَمْ لَا؟ يَتَفَقَّدُونَ حَاجَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةَ.
لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى ﷺ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ يَتَفَقَّدُ فِي أَصْحَابِهِ؟ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُجْتَمِعًا مَعَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. الْأَوَّلُ دَائِمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
تَأَمَّلُوا مَعِي إِلَى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَيْفَ كَانَ رَصِيدُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ هُوَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، كَانَ غَنِيًّا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْسَ الْآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا. كَانَ الْمَالُ وَالتُّرَابُ فِي عَيْنَيْهِ سَوَاءً. كَانَ الْأَوَّلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
ومن خصائصها: حل الغنائم، فقد كانت الأمم قبلنا على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم غنائم، ومنهم من أذن له في الجهاد فكانوا يغزون ويجاهدون ويأخذون أموال أعدائهم ولكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم أن تنزل نار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم القبول ألا تنزل، وقد من الله على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنائم؛ "فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيّباً".
وفي الحديث عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي" وذكر منها "وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي"(رواه البخاري).
وهكذا تتألق هذه الأمة المباركة، ويترادف عليها فضل الله وكرمُه، وتتقلب في إنعامه وإحسانه، فيا فوزنا ويا سعدنا أن كنا من أمة هذا النبي الكريم العظيم، ولكن مهلاً ... هل شكرنا الله حق شكره أن جعلنا من هذه الأمة؟ وهل كنا على مستوى هذا التكريم؟ هل أعطينا العالم صورةً حسنة عن هذه الأمة المحمدية؟ أليس من المأساة أن يقولَ بعضُ من أسلم من الغربيين: أحمد الله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين وإلا لما أسلمت، قرأ عن الإسلام فسرّه ما فيه فاعتنقه، فلما رأى المسلمين هاله البونُ الشاسع بين المقروء والمشاهَد، وظن أنه لو رأى المسلمين وحالَهم قبل أن يقرأ عن الإسلام لما فكر في اعتناقه، لا بد عباد الله أن نحقق في أرض الواقع هذه الخيرية ونحملَ هذا الإسلام فنبشرَ به العالمين ونحيي به موات الدنيا، فإن الأرض عطشى إلى مطر المسلمين، مشتاقة إلى وقع أقدامهم وهتاف تكبيرهم.
عبادَ اللهِ: وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
ومن الخصائص أيضا: أنها محفوظة من الهلاك والاستئصال، فلا تهلك بالسنين ولا بالجوع ولا بالغرق ولا يسلط الله عليها عدوا من غيرها فيستبيح بيضتها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم"(رواه مسلم)، وقال عليه الصلاة والسلام " سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا"؛ فأعطاه الله هذا الوعد فلا يُمكن استئصالُ هذه الأمةِ الكريمة من الأرض مهما حاول الأعداء، ومهما سعوا واجتهدوا في ذلك، فإنها باقيةٌ ما بقي الزمان إلى نهاية الساعة.
ومن خصائصها: أنها أمة مرحومة، قال عليه الصلاة والسلام: "أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ"(رواه أبو داود وهو حديث صحيح).
كما أن من خصائصها: أنها لا تجتمع على ضلالة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "سألت ربي أن لا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها"، وعن كعب بن عاصم الأشعري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة"(قال الألباني: الحديث بمجموع طرقه حسن)؛ فلا يمكن أن يتجمع علماء الأمة كلهم على إثم أو خطأ أو معصية أو ضلالة أو بدعة أو انحراف أبدا، ولا بد أن يوجد فيهم من يعرف الحق إلى قيام الساعة.
ومن خصائصها: أن فيهم القرونَ الثلاثة المفضلة الأولى؛ (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[الواقعة: 10 - 12]، قال -صلى الله عليه وسلم-: "خير الناس قرني، ثم اللذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم"(رواه البخاري) وقال عليه الصلاة والسلام: "بُعِثْتُ فِي خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ"(رواه أحمد).
ومن الخصائص أيضا: أن صفوفها في الصلاة كصفوف الملائكة، ولم يكن هذا لأمة قبلها، فعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ"(رواه مسلم).
وكذلك فإن من خصائصها: التأمين والسلام، وقد حسدنا عليه اليهود كما قال عليه الصلاة والسلام: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين"(رواه بن ماجة).
وكذلك أيضا فإن من خصائصها: أن الطاعون شهادة لمن أصيب به من أمته -صلى الله عليه وسلم-، فعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الطَّاعُونِ؟ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ رَجُلٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَيْتِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ"(رواه أحمد).
وكذلك فإن من خصائصها: أن الله يبعث على رأس كل سنة من يجدد لها دينها في العلم والعمل والعبادة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يُشترط أن يكون المجدد واحدا، فقد يكون المجددون كل منهم يجدد في جانب من الجوانب. وكذلك : فإن فيها الطائفة المتمسكة بالحق، ظاهرين به منافحين عنه مبينين له إلى قيام الساعة، فلا يمكن أن يُكبت الحق الذي عندهم، بل هم ظاهرون، فإذا لم يظهروا بالسيف والسنان فهم ظاهرون بالحجة والبيان.
وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"(رواه البخاري) وكذلك: فإن لها نصرا وتمكينا في الأرض فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ"(رواه أحمد).
ولا شك أنه يوجد في حياتها فترات من الضعف والذلة، لكن لها انتصار كبير وشأن عظيم وحُكْم بليغ شامل في الأرض كما حصل في عهد الراشدين وبني أمية والعباس والمماليك وصلاح الدين الأيوبي مما كان له رفع لها في أرجاء المعمورة.
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*خصائص الأمة المحمدية*
*للشـيخ/ سـلـمـان المـالكـي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى:*
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
عبادَ اللهِ: لقد فضل الله -تعالى- هذه الأمةَ وميزها واختصها على غيرها من سائر الأمم بكرامات كثيرة في الدنيا ليست لغيرها، لم تكن لها أن تتميز وتنبؤا هذه المكانةَ وتلك الفضيلةَ إلا بتعظيمِ الله لرسولها وتكريمِ نبيها واتباع هذه الأمةِ نبيها -صلى الله عليه وسلم-، فبهذه الأمة أتم الله الشرائع السماوية، وجعل دينها الأكملَ والأجمل والأصلح للبشرية، وينبغي لأتْباعِ هذه الأمةِ المحافظةُ على خصوصياتِ أمتهم في زمنِ الدعوة إلى إزالةِ الفوارق بين الأمم، في زمن الانجراف وراء تيارات الإلحاد وتمييعِ الإسلام، وهي الدعوة التي بدأها أعداء الله وروجَ لها منافقو هذه الأمة المندسين في صفوفها، وكذا السائرون على نهجهم والمنزلقون معهم من المستسلمين والضعفاء والمنهزمين.
لذلك فإنه لا بد من تكريسِ الفوارق في النفوس ليعتزّ أفراد الأمة بأمتهم، لأنهم إذا لم يرو لأمتهم فضلا على غيرها ولم يشعروا بخصوصياتها، فإن هذه العزة ستضمحل في النفوس، وتتلاشى وتندثر وتزول، هذه الخصوصيات في هذه الأمة عباد الله تستوعب العام والخاص، والظاهر والباطن، والجوهر والمخبر؛ (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)[الأنعام: 162- 163]؛ إنها تستوعب الحياةَ كلها بأنشطتها المختلفة، هذه الخصوصيات هي مصدر عزتنا وكرامتنا؛ (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[الأنبياء: 10]؛ أي شرفكم وفضلكم، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[المنافقون: 8].
نعم.. المنافقون الذين ينادون بإزالة هذه الفوارقِ كي لا يكون هناك فرق بين المسلم والكافر، والبرِ والفاجر، وينادون بالأخوة الإنسانية التي تحْطِم قواعدَ الدين وفواصله وحواجزه لا يعلمون، وصدق عمر -رضي الله عنه- يوم قال: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزة في غيره أذلنا الله".
إن الفيصل بيننا وبين أولئك القوم موجود في كتاب الله، قد حكم الله به حين نزول القرآن (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، فلا يمكن أن نستوي نحن وإياهم، لا يمكن أن يستوي الموحد والمشرك، ولا المؤمن والكافر، لقد جعل الله للجنة خلقا كما جعل للنار خلقا؛ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[التغابن: 2].
عباد الله: إن من الخصائص العظيمة التي منحها الله وجعلها لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، أن جعلها أكرمَ الأمم وأخيرِها وأحسنها وأفضلها عند الله -تعالى-، وحسبنا شهادةُ القرآن؛ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[آل عمران: 110]، وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ فِي قَوْلِهِ -تعالى- " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" قَالَ: أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ"(رواه الترمذي: وقال حديث حسن).
أيها الأخوة: هذا بعض من فضل لا إله إلا الله؛ ولكن هل ينال فضلها وبركتها من قالها بلسانه فقط؟ كلا؛ حتى يستيقن بها قلبه كما جاء في بعض الأحاديث" مستيقنا"، وفي آخر "خالصاً من قبل نفسه"، وفي آخر "مخلصاً" وفي آخر "يبتغي بذلك وجه الله"، وفي آخر "يقولها حقاً من قبله"؛ إذ تفيد هذه الأحاديث أنه لا يكفي قول اللسان.
نعم يكفي قول اللسان في حقن دمه وماله، ومعاملته في الدنيا كمسلم ما لم يأت بناقص لها، كما ثبت أن أسامة -رضي الله عنه- قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أسامة، قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟" قال: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح! قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟"، وفي رواية "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟" قال أسامة -رضي الله عنه-: "فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ". أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم.
أما في الآخرة فلا تكون سبباً في دخول الجنة والنجاة من النار إلا باستكمال شروطها، وانتفاء موانعها، كما تواترت بذلك النصوص، قيل للحسن -رحمه الله-: "إن ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها، دخل الجنة". ولما سئل وهب بن منبه رحمه الله: " أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك". وقال الحسنُ للفرزدق وهو يدفن امرأته: "ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن: نعم العُدَّة! لكن، لـ "لا إلا الله" شروط، فإياك وقذفَ المحصنات!.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غيرُ الله، والإله: هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً، ومحبة وخوفاً ورجاءً، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله لغير الله عز وجل، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصاً في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك؛ ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها طاعة غير الله، أو خوفه، أو رجاؤه، أو التوكل عليه، والعمل لأجله" ا.هـ.
فمن ظن أن مجرد النطق بهذه الكلمة ينجيه من النار ويدخله الجنة، ولو لم يستيقن بها قلبه، وتعمل بهذا اليقين جوارحه، فقد أخطأ في ظنه؛ لأن كثيراً ممن يقعون في نواقض الإسلام يقولونها، وكثيرٌ ممن يحاربون الإسلام يقولونها، وكثيرٌ ممن يحاربون الإسلام وأهله من المنافقين يقولونها، ومنافقو عهد الرسالة الذين مردوا على النفاق كانوا يقولونها بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حقناً لدمائهم وأموالهم! ومع ذلك أخبر الله أن المنافقين بفعلهم هذا يخادعون الله وهو خادعهم؛ فكان جزاؤهم أنهم في الدرك الأسفل من النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد:19].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً طيبا كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى؛ فإن الإيمان مع التقوى، يجعلُ العبد من الأولياء، وأولياءُ الله لهم البشرى، (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس:64].
أيها الإخوة المؤمنون: اتِّباعُ الهوى من أعظم ما يعارض كلمة التوحيد، لأن لا إله إلا الله تقتضي عدم طاعة الهوى، وإلا كان الإله هو الهوى، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الجاثـية:23]. قال قتادة: "هو الذي كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى"، ويشهد لهذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش" أخرجه البخاري.
فاعمل لدار غد رضوان خازنها ** الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسـك طينتها** والزعفران حشيش نابت فيها
يا إخوتي في الله:
يا شيخًا كبيرًا احدودب ظهرُه ودنى أجلُه، هل أعدت لأولِ ليلة؟
يا شابًا قويًا متنعمًا غره الشباب والمالُ والفراغ هل أعددت لأولِ ليلة؟
إنها أولُ الليالي:
وإنها إما أولُ ليلةٍ من ليالي الجنةِ.
أو أولُ ليلةٍ من ليالي النار.
عباد الله: وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
أتى أبو العتاهية يقول لسلطانٍ من السلاطينِ غرتُه قصوره، وما تذكرَ أولَ ليلةٍ ينزل فيها القبر.
ونحن نقول لكل عظيم ولكل متكبر، متجبر أما تذكرت أول ليلة؟
هذا السلطان بنى قصورًا في بغداد، فدخل عليه الشاعر يهنئه بالقصور يقول له:
عش ما بدا لك سالمًا في ظل شاهقةِ القصور
عش ما بدا لك سالمًا عش ألف سنة، عش مليون سنة سالمًا معافًا مشافًا.
يجري عليكَ بما أردتَ مع الغدوِ مع البكور
ما تريدُ من طعام، ما تريدُ من شراب هو عندك اسمع ماذا يقول:
فإذا النفوسُ تغرغرت بزفيرِ حشرجةِ الصدور** فهناك تعلمُ موقنًا ما كنت إلا في غُرور
فبكى السلطان حتى أغمي عليه: فهناك تعلمُ موقنًا ما كنت إلا في غُرور.
أولُ ليلةٍ في القبر.
وأنا أطالبُ نفسي و إياكم يا معاشر المسلمين أن نهيئ لنا نورًا في القبر أولُ ليلة.
ووالله لا ينورُ لنا القبر إلا العملُ الصالحِ بعد الإيمان.
لنقدمَ لنا ما يؤنسُنا في القبر يوم ننقطعُ عن الأهل المال الولد والأصحاب.
خرج النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى تبوك:
وفي ليلةٍ من الليالي نامَ هوَ والصحابة، وكانوا في غزوةٍ في سبيل الله.
قال ابنُ مسعود ـ رضي الله عنه ـ و أرضاه:
قمتُ آخرَ الليل فنظرتُ إلى فراش الرسولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم أجده في فراشه.
فوضعتُ كفي على فراشهِ فإذا هوَ بارد.
وذهبتُ إلى فراشِ أبي بكر فلم أجده على فراشه.
فالتفت إلى فراش عمر فما وجدته،
قال وإذا بنورٍ في آخر المخيم وفي طرف المعسكر، فذهبتُ إلى ذلك النور ونظرتُ.
فإذا قبرٌ محفور، والرسولُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد نزلَ في القبر.
وإذا جنازةٌ معروضةٌ، وإذا ميتُ قد سجي في الأكفان.
وأبو بكرٍ وعمر حول الجنازة، والرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لأبي بكر وعمرَ دليا لي صاحَبكما.
فلما أنزلاهُ، نزلهُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القبر،
ثم دمعت عيناه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم التفتَ إلى القبلةِ ورفع يديه وقال:
(اللهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه)، (اللهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه).
قلت من هذا؟
قالوا: هذا أخوك عبد الله ذو البجادين مات في أولِ الليل.
قال ابنُ مسعود ـ رضي الله عنه ـ فوددت واللهِ أني أنا الميت: (اللهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه).
وإذا رضي اللهُ عن العبدِ أسعده.
وإنما هي مسألةٌ لمن نسيَ اللهَ و أوامرَ الله وانتهكَ حدودَ الله.
نقولُ له هل تذكرتَ يا أخي أولُ ليلةٍ في القبر؟
كان عمر بن عبد العزيز أميرًا من أمراء الدولةِ الأموية، يغيرُ الثوبَ من حرير في اليومِ أكثرَ من مرة، الذهبُ والفضةُ عنده الخدم القصور، المطاعم المشارب كلَ ما اشتهى وكل ما طلبَ وكلَ ما تمنى.
ولما تولى الخلافة، مُلك الأمة الإسلامية انسلخَ من ذلك كلِه لأنه تذكرَ أولَ ليلةِ في القبر.
وقف على المنبرِ يوم الجمعةِ فبكى وقد بايعتهُ الأمة.
وحولَه الأمراء الوزراء والشعراء والعلماء وقوادَ الجيش، فقال:
خذوا بيعتَكم.
قالوا ما نريدُ إلا أنت.
فتولاها فما مرَ عليه أسبوعٌ أو أقل إلا وقد هزُل، وضعف وتغير لونه ما عنده إلا ثوبٌ واحد.
قالوا لزوجتهِ مالِ عمرَ تغير؟
قالت واللهِ ما ينامُ الليل، والله إنه يأوي إلى فراشه فيتقلبُ كأنه ينامُ على الجمر ويقول:
آه توليت أمر أمةِ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يسألني يوم القيامةِ الفقير والمسكين والطفلُ والأرملة.
يقولُ له أحد العلماء يا أمير المؤمنين:
رأيناك قبل أن تتولى الملك وأنت في مكة في نعمةٍ وفي صحة وفي عافيه، فمالك تغيرت؟
فبكى ـ رضي الله عنه ـ حتى كادت أضلاعَه تختلف،
ثم قال للعالم وهو ابن زياد: كيف بك يا ابن زياد لو رأيتني في القبرِ بعد ثلاثةِ أيام.
يومَ أجرد من الثياب، وأوسد التراب، وأفارقُ الأحباب وأترك الأصحاب.
كيف لو لرأيتني بعد ثلاث والله لرأيت منظرًا يسوءك.
فنسأل اللهَ حسن العمل.
والله والله لو عاش الفتى في عمرهِ ** اسمع..
والله لو عاش الفتى في عمرهِ ** ألفًا من الأعوامِ مالكَ أمره
متنعمًا فيها بكــــلِ لذيذةٍ ** متلذذًا فيها بسكنى قصره
لا يعتريه الهمُ طول حـياته ** كلا ولا تردُ الهمومُ بصدره
ما كان ذلك كلُه في أن يفي ** فيها بأولِ لـــيلةٍ في قبره
واللهِ لو عاش ألف سنة، وما طرقَه همٌ ولا غم ولا حزن.
واللهِ لا يفي بأولِ ليلةٍ في القبر.
وواللهِ لننزلنَها جميعًا، أولُ ليلة.
فيا عباد الله، أسألُ الله لي ولكم الثبات، ماذا أعددنا لضيافةِ تلك الليلة؟
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَدًا"(رواه النَّسائيُّ في السنن الكبرى).
وفي مستدرَكِ الحاكمِ قال -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، قَالَهَا ثَلَاثًا، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنَ الزَّحْفِ"؛ فالاستغاثةُ بهذين الاسمينِ مظنةُ تفريجِ الكرباتِ، وإنالةِ الطلباتِ، وتكفيرِ الذنوبِ والسيئاتِ.
فيا حيُّ يا قيومُ، يا حيُّ يا قيومُ، برحمتِك نستغيثُ، أَصلِحْ لنا شأنَنا كلَّه، ولا تكلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عينٍ.
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى أزواجِه وذريتِه، كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ، وباركْ على محمدٍ، وعلى أزواجِه وذريتِه، كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدينَ: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ، والتابعينَ، ومَنْ تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وعنَّا معهم بعفوِكَ وكرمِكَ وجودِكَ، يا أرحمَ الراحمينَ.
اللهم أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، واجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا، رخاءً سخاءً، وسائرَ بلادِ المسلمينَ.
اللهمَّ فرجْ همَّ إخوانِنا في فلسطينَ، اللهمَّ كنْ لهم معينًا ونصيرًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا. اللهمَّ احفظِ المسجدَ الأقصى من ظلمِ الظالمينَ، وعدوانِ المحتلينَ، واجْعَلْه شامخًا عزيزًا إلى يومِ الدينِ.
اللهمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ، والمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البَقَرَةِ: 201]
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
*الحي القيوم ...*
*معرفة تورث توكلا ودعاء*
*للشـيخ/ ماهـر المعيقلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى:*
الحمدُ للَّهِ الحيِّ القيومِ، لا تأخذُه سنةٌ ولا نومٌ، أحمدُه -سبحانه- وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةً نرجو بها الخلاصَ من نارِ السمومِ، وأشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللَّهِ ورسولُه، اجتباه ربُّه وأعطاه ما يرومُ، صلى اللَّهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه وأزواجِه والتابعينَ، ومَنْ تبعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ، فيا معاشرَ المؤمنين: اتقوا اللَّهَ، وأخلِصوا له نياتِكم تُفلِحوا، والتزِموا سُنَّةَ نبيِّكم -صلى اللَّهُ عليه وسلم- تهتدوا، واجتهِدوا في الأعمالِ الصالحةِ تربحوا، وابتعِدوا عن الآثامِ تَسلَمُوا؛ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[البَقَرَةِ: 281].
أُمَّةَ الإسلامِ: إنَّ العلمَ بأسماءِ اللَّهِ -تعالى- وصفاتِه وأفعالِه من أجلِّ العلومِ، وأنفعِها، وأهمِّها، وأعظمِها؛ فشرفُ العلمِ تابعٌ لشرفِ معلومِه، ولا معلومَ أعظمُ وأَجَلُّ من العلمِ بالربِّ -عز وجل-، وكلما كان العبدُ بأسماءِ ربِّه وصفاتِه أعلمَ، كان به أعرفَ، ومنه أخوفَ، وله أطلبَ، وإليه أقربَ، ولرضاه -جل جلالُه- أرجى، ومن سخطِه أخشى.
وإن من أسماءِ اللَّهِ -تعالى- الحسنى التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ: الحيَّ والقيومَ، وهذان الاسمانِ جامعانِ لمعاني الأسماءِ الحسنى، وعليهما مدارُ الأسماءِ والصفاتِ العُلا؛ فالحيُّ جامعٌ لصفاتِ الكمالِ، والقيومُ جامعٌ لصفاتِ الأفعالِ.
وقد ذهَب جمعٌ من أهلِ العلمِ إلى أنهما اسمُ اللَّهِ الأعظمُ الذي إذا دُعيَ به أجابَ، وإذا سُئلَ به أَعطى؛ ففي مسندِ الإمامِ أحمدَ عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: كنتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- جالسًا في الحلقةِ، ورجلٌ قائمٌ يُصلِّي، فلما ركَع وسجَد وتشهَّد، ثم قال في دعائِه: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ"، فقال النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا اللَّهَ؟" قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى".
وفي سننِ ابنِ ماجةَ قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ في سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثٍ: في الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطه". قال أبو حفصٍ -وهو أحدُ رواةِ الحديثِ-: فنظرتُ في هذه السُّوَرِ الثلاثِ، فرأيتُ فيها أشياءَ ليس في القرآنِ مثلُها: آيةَ الكرسيِّ: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)[البَقَرَةِ: 255]، وفي آلِ عمرانَ: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)[آلِ عِمْرَانِ: 2]، وفي طه: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ)[طه: 111].
إخوةَ الإيمانِ: إنَّ اسمَ اللَّهِ الحيَّ يدلُّ على الحياةِ الكاملةِ والدائمةِ الباقيةِ؛ فحياتُه -جل جلالُه- ليست مسبوقةً بعدمٍ، ولا يَلحَقُها زوالٌ وفَناءٌ، ولا يعتريها نصبٌ وإعياءٌ، حياةٌ تستلزمُ كمالَ صفاتِه من علمِه، وقدرتِه، وسمعِه، وبصرِه، وعفوِه، ورحمتِه، إلى غيرِ ذلك من صفاتِ كمالِه وجلالِه.
ومَنْ كان هذا شأنه فهو الذي يستحقُّ أن يُعبدَ، ويُركعَ له، ويُسجدَ؛ ولذا قال -جل جلالُه-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)[الفُرْقَانِ: 58]. وأما الحيُّ الذي يموتُ فهو لا يستحقُّ العبادةَ، وهذا حالُ كل مخلوقٍ؛ (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)[الرَّحْمَنِ: 26-27].
وبهذا استدلَّ الصِّدِّيقُ -رضي اللَّهُ عنه وأرضاه-، فإنَّه لما ماتَ النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- قامَ عمرُ -رضي اللَّهُ عنه وأرضاه- يقولُ: واللَّهِ ما ماتَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-، فجاءَ أبو بكرٍ -رضي اللَّهُ عنه-، فكشَف عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- فقبَّلَه، وقال: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا"، ثم خرَج فقال: أيُّها الحالفُ على رِسْلِكَ. فلما تكلَّم أبو بكرٍ جلَس عمرُ، فحمدَ اللَّهَ أبو بكرٍ وأثنى عليه، وقال: "أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا -صلى اللَّهُ عليه وسلم- فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ"، وقرأَ -رضي اللَّهُ عنه وأرضاه-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ