لا وجود للراحة في هذه الحياة، وإن أتت فهي فخّ لا محالة، تُمهّد لشيءٍ ما يهدّ قواك، وينفض عنك كل ما في داخلك من وهجٍ وشغفٍ ورغبةٍ لأشياء تمنّيت أن تحدث، ثم تسلبك حتى أملها.
كأنّ السكون لحظة استراحةٍ قبل العاصفة، وكأنّ الطمأنينة ومضة قصيرة تسبق الانطفاء الطويل.
تظنّ أنك وجدت ملاذك، فإذا به ينهار تحتك شيئًا فشيئًا، لتدرك أن هذه الدنيا لا تُعطي دون أن تأخذ، ولا تُنير دون أن تُطفئ.
كلُّ شيءٍ في هذه الحياة بات قاسياً حدّ الوجع،
حتى دفء الأشياء التي أحببتها صار يؤلمني.
أصبح الوهم أحنّ من الواقع، والخيال أصدق من كل الوجوه التي حولي.
أمدّ يدي لألمس ما كنت أحب،
فلا أجد سوى فراغٍ باردٍ يذكّرني بأنّ ما كان، لن يعود.
أعيش شعوراً فقدته منذ زمنٍ بعيد،
أحاول أن أُعيد نفسي إلى لحظاتٍ كانت تضيء قلبي،
لكن الغيوم السوداء غطّت كل شيء،
حتى ضحكتي باتت تُكتم في صدري،
وصوتي الداخلي يختنق بين أضلعي كصرخةٍ بلا صدى.
أشتاق أن أستيقظ في شغفٍ كما كنت،
أن أنام مطمئنة كما لو أنّ العالم لا يطاردني،
أن آكل بشهيةٍ لا يفسدها الحزن،
أن أنظر للحياة بعينٍ مفعمةٍ بالحب، لا بالخذلان.
كلّ شيءٍ تغيّر... حتى قلبي لم يَعُد يشبهني،
حتى الحنين صار وجعاً آخر أهرب منه ولا أستطيع.
كم تمنّيت أن أهرب من هذا الصمت،
أن أصرخ دون أن يسمعني أحد،
أن أنام طويلاً دون أحلام، دون خوف، دون انتظار.
لقد تعبتُ من محاولة النجاة،
تعبتُ من التجمّل أمام الخراب،
تعبتُ من التمسك بما لم يعد موجوداً.
ما عدتُ أطلب سوى سكونٍ أبديٍّ يطفئ كل هذا الصخب في داخلي،
ونسيانٍ رحيمٍ يمحو ما تبقّى مني.
" قالت لي إحداهن، لا أحد يموت بعد أحد ، منذُ ذلك اليوم وانا أحاول ألا أموت..."
Читать полностью…
" لا تذكر أسمه امامي، ولا تسألني عنه، لا تُذكرني في غصتي لطفاً ..."
Читать полностью…
في يوم العشرين من شهر نوفمبر عام ألفين واثنين وعشرين،
اقتنيت ساعتي الذهبية، تلك الرفيقة الصغيرة التي كان لونها يتبدّل مع الأيام، كما تتبدّل ملامح العمر وتفاصيل القلب.
كانت أكثر من مجرد ساعةٍ تلتف حول معصمي، كانت شاهدًا صامتًا على حياتي، تنبض معي وتخفت حين أرهقها الحنين.
مضى ما يقارب ثلاثة أعوامٍ إلا شهرًا، حتى توقّفت ساعتي الجميلة التي أحببتها بصدقٍ لا يوصف.
كم عاشت معي لحظاتٍ لا تُنسى، مرّها قبل حلوها، وضحكاتي قبل دموعي.
نظرت إليها كثيرًا وعيناي تملؤهما الحيرة والحزن،
ونظرت إليها أيضًا وأنا أتمتم في سري: ليت الوقت يتوقف عند لحظةٍ واحدةٍ فقط… تلك التي تمنّيت ألا تنقضي.
ونظرت إليها مراتٍ عدّة وأنا أرتجف بين يديها، أرجوها لو تستطيع أن تُرجعني يومًا إلى الوراء،
أو تسرّع الزمن لأتجاوز ما يؤلمني.
لا أحد يعلم كم لتلك الساعة مكانة في قلبي،
ولا أحد يدرك أنها كانت تحمل شيئًا من روحي بين عقاربها.
كانت لي صديقةً بصمتها، وشاهدةً على كل ما كنت عليه.
تمنّيت لو أن عمري توقّف معها،
لو أن نبضها ارتبط بنبضي،
لكان عمرنا الجميل واحدًا، وموتنا واحدًا.
الآن تركتني في زمنٍ خاوٍ من دفئها،
وفي كل نظرة إليها أسمع همسها الأخير:
"لن تعود الأيام الجميلة كما كانت، فكل اللحظات الرائعة كانت تلك التي مضت".
همست لي بأن القادم ليس إلا محاولاتٍ يائسة للحفاظ على فتات الماضي الجميل،
وأن النهاية مهما حاولنا تجميلها، ستبقى بشعة، ومخيفة، وموحشة.
وهكذا... رحلت ساعتي، وبقي الوقت من بعدها جامدًا في قلبي،
كأنها حين توقفت، أخذت معها آخر ما تبقّى من نبضٍ جميل في أيامي.
" ماذا قالت.؟
-قالت تغيرت أدوارنا، أخذت دوري ،وأخذت دورك... "