963
●تلاوات قرآنية منوعة ●قصص وحكم ومواعظ ●خواطر وهمسات راقية ●مسابقات إسلامية * وكل ما هو قيم ومفيد * ✔️ تاريخ تأسيس القناة: 2017/3/12 #قبل المغادرة،ارسل سبب مغادرتك هنا ،ڪي نصحح اخطاءنا،وشڪرا 🌸↓ للـتـواصـل ↓🌸 @Snr7lbot ↓↓نـَسـعـَدُ بـِگـم↓↓
#يوميات_في_السيرة_النبوية
رقم 205
تشكل الهجرة النبوية المحطة الأساسية في تاريخ الأمة الإسلامية، فهي ترمز إلى انتقال الأمة الإسلامية من مرحلة الاضطهاد والضعف إلى مرحلة المنعة والقوة، ومن مرحلة الخوف إلى مرحلة الأمن.
والجدير بالذكر أن المجتمع الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة قام على التقوى، والتآزر والتناصر، وتذويب العصبيات ونعرات الجاهلية. ولذلك نجح نجاحا باهرا وأصبح مجتمعا رائدا، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾(آل عمران 110) ولقد حقق هذا المجتمع الفتي ما حققه من نجاح لتأسيسه على أركان ثلاثة ذات أهمية في حياة الإنسان، وهي:
بناء المسجد الذي يعتبر موضعا لأداء الصلوات، ومؤسسة يتعلم فيها المسلمون تعاليم الدين وتوجيهاته، وكذلك مكانا لإبرام وإدارة جميع شؤون المسلمين المختلفة.
والأساس الثاني هو المؤاخاة بين المسلمين التي تذوب بها عصبات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بتقواه،
والأساس الثالث هي ميثاق التحالف الإسلامي الذي أزاح به كل ما كان من حزازات الجاهلية، والنزعات القبلية ولم تترك مجالا لتقاليد الجاهلية.
ما أقدم رسول الله صلى الله وسلم على مغادرة مكة (وطنه الحبيب) رفقة صحبه الكرام إلا بعد أن اتخذ التدابير الكفيلة بنجاح الهجرة، فقد عرض الإسلام على القبائل خارج مكة واستجيب له في ذلك، وعقد بيعة العقبة الأولى والثانية، كما أنه أعد أصحابه من الناحية النفسية بالإذن لهم في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة، طبعا كل هذا التخطيط كان بوحي من الله تعالى وتوفيقه.
علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته هذه مبدأ الأخذ بالأسباب في التعاطي مع الظروف والأحداث والأزمات بالرغم من أنه عليه الصلاة والسلام مؤيدا بالمعجزات الباهرات والآيات البينات الدالة على صدقه وحفظ الله تعالى له من كل أذى. فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيق هجرته أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وكلف ابنه عبد الله أن يأتيه كل يوم بأخبار قريش، وكلف أسماء رضي الله عنها بحمل الزاد والمؤن لهما، واستأجر عبد الله بن أريقط دليلا لهما على الطريق، وواعداه غار ثور بعد ثلاث وسلماه راحلتيهما.
ولقد تجلى دور المرأة فيما قامت به أسماء وعائشة رضي الله عنهما من مساندة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووالدهما أبي بكر رضي الله عنه. فقد حافظتا على سر الوجهة التي يقصد إليه والدهما صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرغم من التهديد الذي لحق أسماء من أبي جهل ونفر من قريش. فقد ضربت هذه المشاركة والمواقف لنساء وبنات المسلمين مثلا هن في أمس الحاجة إلى الاقتداء به والنسج على منواله.
وبإشارة من عمر بن الخطاب رضي الله اتخذ الصحابة الكرام الهجرة مبدأ للتقويم الهجري. ومعلوم أن عمر رضي الله عنه علل اقتراحه بجعل الهجرة مبدأ التقويم الهجري بأن الله تعالى فرق فيها بين الحق والباطل. غير أن هذا التقويم -للأسف- لا يلتفت إليه كثير من السلمين لارتباط كثير من مصالحهم وشؤونهم الدنيوية بالتقويم الميلادي؛ لذلك تجد كثيرا منهم يجهلونه. والإشارة هنا جديرة إلى أن القرآن الكريم وثق حقيقة مهمة حول التقويم الهجري؛ وذلك أنه بين أن هذه الشهور بدأ التأريخ بها منذ أن خلق الله سبحانه السموات والارض، مبينا عدتها والحرم منها ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ (التوبة36 )ولأهمية التقويم، ربط به سبحانه جملة من أركان الدين كالحج والصيام والزكاة، وجملة كبيرة من أحكام هذا الدين، كالكفارات والعدد وغيرها، ولعل السر في ذلك يرجع إلى ربط المسلمين بما يعتبر من هويتهم المبنية على دينهم الحنيف.
مما ينبغي أن يعتبر به في أحداث الهجرة أن التآمر ضد شريعة الله تعالى ومن يدعو إليها سيبقى ما بقي الإنسان على الأرض؛ لأنه إذا كانت هناك محاولات منع انشار الدعوة وانتفاع الناس بما فيها من خير ونفع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصب مختلف العراقيل والعقبات في طريقه، فمن الأقيس أن يحصل هذا ضد الدعاة إلى الله تعالى لكون المخالفين لهم يعتبرونهم طفيليين ومتدخلين في حياة الناس بدون وجه حق؛ ولذلك تتم مضايقتهم والتهوين من شأنهم بمختلف الطرق والأساليب وعبر جميع الوسائل المتاحة والممكنة، وما أكثرها!
الكاتب/ بدر الدين الحميدي / الألوكة
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
رقم 402
ساهمت الفوضى السياسية والانقسام الذي ساد الأندلس عقب انهيار الخلافة الأموية، ونشوء ما يسميه المؤرخون اصطلاحاً عصر (ملوك الطوائف)، ما فتح باب التنافس السياسي والتوسع العسكري. وبالتالي، ظهور شخصيات يمكن اعتبارها مرآة عصرها،من أبرزها ذو الوزارتين أبو بكر ابن عمار (رجل الجزيرة) والذي كانت شخصيته تتسم بالدهاء، وسعة الحيلة، والطموح الشديد والذي أوقعه "حظه السعيد" في قصر المعتمد المحب للأدب والشعر فأحسن صحبته.
ولد ابن عمار في قرية "بشينوش" في مدينة شلب، وهي "سيلفش" التي تقع في جنوب البرتغال حالياً، لأسرة فقيرة تدعي أن أصولها تعود إلى اليمن.
وقاده حظه إلى إشبيلية في بلاط المعتضد أقوى ملوك الطوائف حينها، وألقى على مسامعه قصيدة يحتفي فيها بانتصاره على البربر وضمه لبطليوس، بعد هزيمته لصاحبها ابن الأفطس سنة 1053م، يقول في مطلعها:
أدِرِ الزُّجاجَةَ فالنّسيم قـد انـبـرَى
والنجمُ قد صَرف العنَان عن السُّرَى
ومن هنا توطدت علاقته مع المعتمد ابن المعتضد
ويقول عبد الواحد المراكشي في وصف حال الصديقين الحميمين في كتابه المعجب قائلاً: (إنهما كانا صديقين لا يفترقان ليلاً ولا نهاراً، ويتشاركان السهر والأنس). وفي إحدى الليالي قال له المعتمد: (لتضعن رأسك ورأسي على وساد واحد). وعندما ناما خطر لابن عمار أن المعتمد يريد قتله، فقرر أن يفر من عنده وراح يختبئ، حيث فكر بجواز البحر إلى المغرب.
وعندما استيقظ الأمير لم يجده سعى باحثاً عنه مستغرباً حتى وجده ملفوفاً بالحصير في أحد دهاليز القصر فسأله عن الأمر، فحكى ابن عمار قصته، فضحك الأمير وخفف من روعه قائلاً: (وكيف أقتلك؟ أرأيت أحداً يقتل نفسه؟ وهل أنت عندي إلا كنفسي)؟
في كتابه نفح الطيب يذكر المقري أن ألفونسو ضرب حصاراً على إشبيلية، ولم يكن للمعتمد طاقة مواجهته، فاعتمد ابن عمار الحيلة وكان لاعباً للشطرنج، واستغل شغف الفونسو باللعبة فلعبا معا واستمال ابن عمار بالمال والذهب رجال الفونسو فكان ان اشترط ان هو كسب اللعبة ان ينفذ له طلبا واحدا وكان فيما بعد هو فك الحصار عن اشبيلية .
ومن المهم الإشارة إلى أن المؤرخين لا يعدّون هذه الحكاية من الوقائع التاريخية المقطوع بصحتها، إذ لا توجد أدلة معاصرة قوية تثبت أن مباراة شطرنج كانت السبب المباشر في إنقاذ إشبيلية، ولذلك تُذكر غالبًا بوصفها رواية تراثية مشهورة أكثر من كونها حقيقة تاريخية مؤكدة.
بعد الانتصارات التي حققها وساهم فيها ابن عمار أحس أن طموحه لا يجب أن يقف عند هذا الحد، ورأى أن ما صنعه بدهائه ومواهبه على منبته المغمور، يجعله يتقدم على ملكه المعتمد الذي ورث الحكم وراثة دون جهد كما يقول محمد عنان في تاريخ الإسلام في الأندلس. ثم سنحت الفرصة سنة 471 للهجرة، عندما حاصر بلنسية وأخذها، حيث بدأ يتصرف فيها تصرف الملوك، واستعمل عبيده على الحصون، وأنكر على المعتمد فضله لتبدأ الخلافات بينهما.
يذكر ابن خِلّكان في كتابه وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أن ابن عمار لم يكتف بالاستقلال عن ولي نعمته المعتمد، بل أرسل يهجوه وزوجته الرميكية التي طلبها له بنفسه.
ويتابع ذاكراً، أن ابن عمار أرسلها بعد أن وصله هجو المعتمد له وتعريضه بعائلته، فوقعت القصيدة بيد عبد العزيز صاحب بلنسية الذي كان حاقداً على ابن عمار فتوصل بها للمعتمد قاصداً إشعال فتيل الخصومة بينهما. وأتبع ابن عمار قصيدته تلك بأخرى يسخر فيها من سلطة المعتمد قائلاً:
مما يزهدني في أرض أندلـس
أسمـاء معتضـد فيها ومعتـمـد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
وبعد انتزاع عبد الله بن رشيق سنة 474 هجرية، غادرها ابن عمار نحو سرقسطة يتوعد الأخير، ويحرض أهل مرسية عليه.
ثم التجأ ابن عمار عند صاحب سرقسطة التي سرعان ما بدأ يوعز للمؤتمن أخذ حصن المبارك الذي علم بالأمر فخدعه وقبض عليه سنة 477، عندها أرسل المعتمد ولده عبد الله الذي أخذه منه بالمال وأرسله للسجن وقضى فيه مدة طويلة. وعاتبه بشدة مذكراً بفضله عليه. ويورد محمد عنان في المرجع السابق أنه رغم محاولات التشفع والأشعار، ومحاولة استجداء المعتمد من حين ليطلق سراحه.
والتي كادت أن تؤتي ثمارها في نفس المعتمد رغم اعتراض زوجته إلا أن خبر مراسلة ابن عمار لألفونسو ونيته الأمر عليه.. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فنزل المعتمد حيث ابن عمار سجيناً، وهوى عليه بفأس على رأسه فأرداه قتيلاً سنة 479 للهجرة وهو يقول: (أنت شر يموت معك كل الغدر والخديعة)، ثم أمر حراسه بإقامة مراسم جنازة رسمية لم تشهدها إشبيلية للوزير الراحل.
مجلة الرافد
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
الحلقة رقم 401
بدأت اهمية الممالك القديمة في منطقة أعالي النيل الأزرق في السودان مثل فازوغلي والبرون والكيلي منذ العصور الفرعونية، إذ ارتبطت أعالي النيل الأزرق بالتجارة مع مصر القديمة، خاصة تجارة الذهب والمواد النفيسة مثل حجر السُّبج. كما شاركت المنطقة في تجارة بلاد بونت المشهورة، وكانت جزءاً من الطرق التجارية الممتدة بين البحر الأحمر ووادي النيل. وفي العصر الأكسومي ازداد الاهتمام بطريق “ساسو” المؤدي إلى مناطق الذهب، حيث كان التجار ينقلون الملح والحديد مقابل الذهب عبر نظام “التجارة الصامتة”، وهو تبادل يتم دون كلام بين الطرفين.
يرى عدد من الباحثين أن منطقة “ساسو” المذكورة في الوثائق الأكسومية هي منطقة فازوغلي الحالية أو المناطق القريبة منها مثل خور تومات. ويدل النشاط التجاري الواسع على وجود تنظيمات سياسية واجتماعية متطورة منذ وقت مبكر.
بالنسبة لمملكة فازوغلي فهي إحدى الممالك والإمارات التاريخية العريقة الواقعة في منطقة أعالي النيل الأزرق على الحدود الحالية بين السودان وإثيوبيا. اشتهرت تاريخياً بأنها منطقة غنية بالذهب، وتعتبر من مشيخات المنطقة التاريخية التي ارتبطت بـ السلطنة الزرقاء (الفونج)، وتتمتع المنطقة بتركيبة سكانية متنوعة، وتظل جبال فازوغلي رمزاً تاريخياً للمنطقة.
في عام (1820-1823): أرسل محمد علي باشا حملة بقيادة ابنه إسماعيل إلى فازوغلي للبحث عن الذهب في منطقة بني شنقول ووثق الرحالة "فريديريك كايو" تفاصيل هذه الحملة وقام محمد
علي بضم المنطقة للحكم العثماني.
في عصرنا الحديث ما زال "مك" (زعيم/حاكم) فازوغلي يمثل رمزاً اجتماعياً وإدارياً للمنطقة، حيث أدان المك يوسف حسين المك حميدة التمرد في السودان وعبّر عن دعم المنطقة للجيش السوداني
وتتميز منطقة فازوغلي بأنها منطقة إسلامية صوفية، وتتكون من عدة مشيخات منها فامكا، فانقورا، وفداسي.
تاريخيا اتفقت الروايات الشفاهية، مثل رواية المك زكريا وبابكر دفع الله، في وصول داعية إسلامي مهاجراً عام 812هـ (1409م) يدعى داؤود بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ومن معه إلى فازوغلي. وقابل داؤود الملك الذي سأله عن المكان الذي جاءوا منه، فأجاب بأنهم أتوا من مكة، وعندما علم بمهمته وهويته رحب به، وأذن له بالإقامة، وسهَّل له الإعاشة وأمر الدعوة. واستقر المهاجر ومن معه في وسط أهل جبل كاكَتُر. ونجح داؤود في نشر تعاليم الإسلام وأصبحت منطقة كاكَتُر مركزاً للعلم، وكان الملك يزورها كل شهر، وأطلق عليها اسم “فاتا مَكَة” وتعني أهل ملكة، وبمرور الزمن أصبحت تنطق “فامَكَة”. وتذكر الروايات أنه جاء في عهد الملك الجاكر أو الجاثر بن حمادة، والذي زوّجه ابنته “ديشي”. وأنجب منها ابنه “التنكار” الذي تولى الحكم لاحقاً، فأصبحت الأسرة الحاكمة تجمع بين النسب المحلي والنسب الأموي.
وتختلف الروايات في أسماء أول الملوك وتواريخهم، لكنها تتفق على وجود مملكة مستقرة قبل وصول المهاجر الأموي.
امتدت حدود مملكة فازوغلي، بحسب الروايات، من فداسي داخل إثيوبيا شرقاً إلى فرحانة غرباً، ومن بني شنقول جنوباً إلى أم بارد شمالاً. كما ارتبطت المملكة بأسرة الفونج، إذ تعتبر بعض الروايات أن ملوك فازوغلي من “الجبلاويين” المنتمين للفونج.
اما بالنسبة لمملكة البرون، التي تُرجع الروايات قيامها إلى القرن الثامن الميلادي، تقول بعض الروايات إن قائداً أموياً يدعى سليمان بن عبد الملك هاجر إلى المنطقة بعد سقوط الدولة الأموية، ونزل عند ملك البرون، وساعده في حربه ضد الدينكا، ثم تزوج الملكة “فونجة”. وأنجب منها أنس وداود، ومن ذريتهما جاءت أسرة الفونج. وتربط الرواية بين البرون والفونج والعبدلاب، وتعتبر البرون من القوى التي شاركت في قيام سلطنة سنار.
أما بالنسبة لمملكة الكيلي فتربطها الروايات أيضاً بأسرة الفونج. إذ تذكر أن مؤسسها “مياس” من أحفاد الفونج الذين قدموا عبر الحبشة بعد الصراع مع العباسيين. واستقرت الأسرة أولاً في “ديسا” ثم انتقلت إلى الرقراق وبعدها إلى الكيلي. وتورد الروايات أسماء عدد من الملوك الذين حكموا المنطقة، وتشير إلى أن المملكة قامت غالباً في القرن السابع عشر الميلادي.
مقتبس من مقال لد/ احمد الياس حسين
موقع سودانايل
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
هناك أمثلة تاريخية واضحة تُظهر كيف أثّرت الملاريا (وأمراض مشابهة مرتبطة بالمناخ) على الصليبيين بشكل كبير، وأعطت أفضلية غير مباشرة للمسلمين:
1) حصار عكّا (1189–1191)
هذا من أشهر الأمثلة. فالحصار طال جدًا، والجيش الصليبي تمركز في منطقة ساحلية رطبة مليئة بالمستنقعات.
وكانت النتيجة انتشار الملاريا وأمراض أخرى بسرعة
وفيات كبيرة بين الجنود وحدوث إنهاك شديد حتى للقادة
في المقابل الجيش الإسلامي بقيادة صلاح الدين الأيوبي كان في وضع أفضل نسبيًا لأنه يتحرك على علم كامل بطبيعة المنطقة والامراض المنتشرة وسبل الوقاية منها.
2) يافا والساحل الفلسطيني
المناطق الساحلية عمومًا كانت بؤرًا للملاريا بسبب المياه الراكدة. كثير من الحاميات الصليبية في هذه المناطق عانت من:
حمى متكررة ،نقص في الجاهزية القتالية ،صعوبة في الاحتفاظ بالقوات لفترات طويلة
هذه الاسباب جعلت السيطرة على هذه المدن مرهقة للصليبيين أكثر من المسلمين.
3) الحملة الصليبية الأولى والمسير داخل بلاد الشام
أثناء التقدم نحو الداخل، مرّ الصليبيون بمناطق حارة ورطبة لم يعتادوا عليها.
فعانوا من تفشّي الأمراض (ومنها الملاريا)
فكانت هناك خسائر بشرية بدون معارك مما ادي الي بطء شديد في التقدم
4) أنطاكية وما حولها
خلال وبعد السيطرة عليها، عانى الصليبيون من أمراض مرتبطة بالمياه والتلوث والبعوض، خاصة مع الاكتظاظ وسوء الإمدادات. هذا أدى إلى:
انخفاض عدد المقاتلين الفعليين وضعف القدرة على الصمود طويلًا
5/ احتلال السودان (1896-1899 وما بعدها)،
حيث عانى الجيش الانجليزي المستعمر بقيادة كتشنر كثيرا من الملاريا التي احدثت خسائر كثيرة في صفوفه ووصفت أفريقيا بشكل عام في تلك الحقبة بأنها "قبر الرجل الأبيض" بسبب الفتك الذي أحدثته هذه الأمراض بين الأوروبيين.
في هذه الأمثلة، شكل مرض الملاريا عامل استنزاف قوي ضد الصليبيين، خصوصًا في المناطق الساحلية والحصارات الطويلة. ومع معرفة المسلمين بالبيئة وطبيعة المنطقة، تحوّل هذا العامل الطبيعي إلى ميزة غير مباشرة في ميزان الحرب.
المراجع:
المصادر العربية القديمة غالبًا تستخدم تعبيرات مثل:
“الوباء”، “الحمّى”، “المرض”
ولا تسمي “الملاريا” بالاسم الحديث. لكن الوصف (حمى متقطعة ، مناطق مستنقعية ، انتشار واسع) يتطابق مع ما نعرفه اليوم عن الملاريا.
الكامل في التاريخ
النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية
سيرة صلاح الدين الأيوبي
الروضتين في أخبار الدولتين
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
تمنع نصوص الشريعة وقواعدها العامة ولاة الأمور في الأمة من التدخل في القضاء أو التأثير في أدائه بأي وجه من الوجوه، وقد تواترت الآيات في وجوب الحكم بالعدل وتحريم الظلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90] وقال تعالى : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: 58] وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]
وفي الحديث القدسي : ( قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ).
هكذا فهم وعمل السلف الصالح بأحكام الشريعة، فهم ولاة الأمور والحاكم هو الله تعالى، وأن الخليفة أو الإمام ليس إلا واحدا من المسلمين سواء بسواء، هم الذين يختارونه ويوسدونه الرئاسة ولهم مراقبته، وعليه مشاورتهم فإن حاد عن الشرع وأهدر مصالحهم عزلوه.
كما فهم ولاة الأمور في الدولة الإسلامية أن أساس الحكم في الإسلام هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فهذا عمرو بن العاص يقول: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بالمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل.
وهذا عمر بن عبد العزيز يكتب إلى أحد عماله حينما استأذنه في تحصين مدينة قائلا: ( حصنها بالعدل، ونق طريقها من الظلم ).
وهذا سعيد بن سويد يقول في إحدى خطبه بحمص: ( أيها الناس إن للإسلام حائطا منيعا وبابا وثيقا، فحائطه الحق وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان وليس شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذاً بالعدل ).
من أجل ذلك أحاط الخلفاء الراشدون ورؤساء الدولة الإسلامية القضاء بكل مظاهر الإجلال والتكريم، وصانوه عن التدخل ضمانا للحق وإرساء للعدل فلم يسعوا إلى تحويل الأحكام لصالحهم، أو لصالح من يحبون، وانما امتثلوا لأحكام القضاء بالاحترام والتنفيذ فكانوا يقبلون الأحكام الصادرة ضدهم راضين وينفذونها طائعين.
وكم حدثتنا كتب الأثر عن مخاصمات كان بعض الخلفاء الراشدين وولاة المسلمين ومن بعدهم طرفا فيها، وصدرت ضدهم أحكام القضاة الموالين من قبلهم راضين طائعين ولعل الحق كان معروفا لهؤلاء الخلفاء، ولكنهم تعمدوا طرح الخصومة على القضاء لاختبار قوتهم في الحق ولو كان في جانب ذمي من اليهود أو النصارى وضد الخليفة، وليكن ذلك سنة من بعده.
ولم يكن حرص قضاة الإسلام أنفسهم على تلك المعاني بأقل من حرص ولاة الأمور فقد كان القاضي في مجلس قضائه محترما مهيبا لا تأخذه في الحق لومة لائم يسوي في مجلسه بين الأمير والحقير وبين الشريف والوضيع.
وقد روت لنا كتب التاريخ بعض الأمثلة على ذلك منها : دخل الأشعث بن قيس على القاضي شريح في مجلس الحكومة فقال شريح: مرحبا وأهلا وسهلا بشيخنا وسيدنا، وأجلسه معه، فبينما هو جالس معه إذ دخل رجل يتظلم من الأشعث فقال له شريح: قم فاجلس مجلس الخصم وكلم صاحبك، فقال بل أكلمه في مجلسي فقال له: لتقومن أو لآمرن من يقيمك، فقام امتثالا لأمر القضاء ويروى أبو يوسف وهو من أفذاذ القضاة عن نفسه: أنه جاءه رجل يدعى أن له بستانا في يد الخليفة فأحضر الخليفة إلى مجلس القضاء وطلب من المدعي البينة فقال: غصبه المهدى مني ولا بينة لدي وليحلف الخليفة، فقال أمير المؤمنين: البستان لي اشتراه لي المهدي ولم أجد به عقدا فوجه القاضي أبو يوسف إلى الخليفة اليمين ثلاث مرات فلم يحلف الخليفة، فقضى بالبستان للرجل.
وكتب الخليفة أبو جعفر المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصر : انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد، وفلان التاجر فادفعها إلى القائد فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلست أخرجها من يده إلا ببينة، فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التاجر إلا بحق، فلما جاءه الكتاب قال: ملأتها والله عدلا وصار قضاتي تردني إلى الحق.
غير أن الإسلام لم يكتف بمنع ولاة الأمر من التدخل في عمل القاضي حفاظاً على استقلاله فحسب بل إنه فرض لاستقلال القضاء ضمانات أخرى لتثبيته وتوطيده ولما كان مركز القاضي في المجتمع مركزا مهما وخطيراً لأنه هو الذي يفصل بين الناس،فينبغي أن يكون محل ثقة واحترام الناس لتطمئن على عدالته في الحكم.
ولا يستطيع القاضي أن ينال هذه المنزلة عند الناس إلا بالدليل الملموس الذي يقدمه للناس في سلوكه المرضي البعيد عن الشبهات وفي صرامته في التمسك بعدالة الحكم بين الخصوم.
د/ عبد الرحمن اللويحق
الالوكة
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_السيرة_النبوية
العيد مظهرٌ من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره المعظمة، والنفوس مجبولة على حب الأعياد والسرور بها، وقد جاءت سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمشروعية عيدي الفطر والأضحى، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: ( قَدِم النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يومَ الفطر والأضحى ) رواه أبو داود .
في يومٍ بهيج من أيام المدينة النبوية، وفي صباح عيدٍ، كان البيت النبوي وما حوله يشهد مظاهر الاحتفال بالعيد، على مرأى وعلم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها – قالت: ( دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشّيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا ) رواه البخاري . وفي رواية أخرى: ( يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا )، وفي رواية أحمد: ( لِتعْلَمَ اليهود أنَّ في ديننا فسحة، إني أُرسلت بحنيفية سمحة ) .
ومما يحسن التنبيه إليه أن إباحة الغناء في يوم العيد على الصفة المذكورة آنفاً إنما هو للبنات الجواري الصغيرات، وهو جائز بالدُّف دون غيره من آلات الطرب، وأن لا يكون ذلك عادةً لهن يتعوَّدن فيها الغناء بعادة المغنيات، وقد نبهت لهذا عائشة ـ رضي الله عنها ـ - كما في رواية ابن ماجة - قالت: ( وليستا بمغنيتين ) .
قال الحافظ البغوي: " ويوم بُعاث يومٌ مشهور كان فيه مقتلةٌ عظيمةٌ للأوس على الخزرج، وقد مكثت هذه الحرب مائة وعشرين سنة، حتى جاء الإسلام، وكان شِعر الجاريتين في غنائهما فيه وصف الحرب والشجاعة، وفي هذا معونة ٌ لأمر الدِّين، فأما الغناء بذِكر الفواحش وذكر الحُرَم والمجاهرة بمنكر القول فهو المحظور من الغناء، وحاشاه أن يجري شيءٌ من ذلك بحضرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيُغفل النكير له ".
وغير بعيد من الحجرة الشريفة كانت هنالك احتفالية أخرى تحدثنا عنها عائشة ـ رضي الله عنها ـ متممةً لسياق حديثها المتقدم فتقول: ( وكان يوم عيد يلعب السودان بالدّرق (الدرع من الجلد) والحراب، فإمّا سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وإمّا قال: تشتهين تنظرين؟، فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدّي على خدّه، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتّى إذا مللت، قال: حسبك؟، قلت: نعم، قال: فاذهبي ) رواه البخاري .
وقد استنبط العلماء من ذلك:
ـ إظهار السرور في الأعياد بما يحصل من بسط النفس وترويح البدن من شعائر الدِّين .
ـ الفرح واللهو في العيد لا يبرر ارتكاب المحرمات، ولا الإخلال بالواجبات، وهذا ما تلمح إليه عائشة ـ رضي الله عنها ـ في قولها: ( كان الحبش يلعبون بحرابهم فسترني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنظر )، وتوضحه كذلكً بوصفها للجاريتين بأنهما ( صغيرتان )، ولم يكن الغناء لهما بعادة .
وقد تأكد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وحياته حرصه على صلاة العيد، فلم يتركها في عيد من الأعياد منذ شُرِعَت حتى مات عليه الصلاة والسلام . ومن تأكدها أنه صلى الله عليه وسلم أمر بها النساء المعذورات، فعن أم عطية الأنصارية ـ رضي الله عنها ـ قالت: ( أمرَنا رسول الله ـصلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحَيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ) رواه البخاري، وفي لفظ: ( يعتزلن المُصلَّى ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنَّ صلاة المؤمنات في البيوت أفضل لهنَّ من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهنَّ بالخروج فيه " .
والتهنئة بالعيد أمرٌ حسنٌ طيبٌ لفعل صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد ذكر ابن حجر في فتح الباري عن جبير بن نفير قال: " كان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبَّل الله منا ومنك " .
العيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عبادة ونُسُك، ومظهر من مظاهر الفرح بفضل الله ورحمته، وفرصة عظيمة لصفاء النفوس، وإدخال السرور على الأهل والأولاد والأصحاب، وهو لا يعني الانفلات من التكاليف، والتحلل من الأخلاق والآداب، بل لا بد فيه من الانضباط بالضوابط والآداب التي شرعها لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..
إسلام ويب
✍ تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
#يوميات_في_السيرة_النبوية
في غزوة بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشيروا عليَّ أيها الناس)، فتكلم كبار المهاجرين، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال وأحسن، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أشيروا عليَّ أيها الناس). فقام المقداد بن عمرو رضي الله عنه وقال: ( يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالتْ بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }(المائدة:24)، ولكنِ امضِ ونحن معَك، فكأنَّه سُرِّيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري، وفي رواية أخرى قال المقداد: ( يا رسول الله، امضِ لما أراك الله، فنحن معك..). وبهذا الكلام من أبي بكر وعمر والمقداد رضي الله عنهم عبّر المهاجرون عن رغبتهم في القتال، واستعدادهم للبذل والتضحية في سبيل الله، وقد سُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بكلامهم.
أحبَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي الأنصار أيضا، خاصة أن نصوص بيعة العقبة التي بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم فيها لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم في المدينة المنورة، فقال صلى الله عليه وسلم مرة أخرى: ( أشيروا عليَّ أيها الناس ) وإنما يريد الأنصار، قال الطيبي: " قالوا: إنما قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستشارة اختبار الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده، فلما عرض الخروج لعِير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقونه على ذلك أم لا؟ فأجابوا أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وغيرها. وفيه: حث على استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة ". وقد فطن سعد بن عُبَادَة رضي الله عنه ـ وهو من كبار وقادة الأنصار ـ إلى ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إِيَّانا ترِيد يا رسول اللَّه؟ والذي نفسي بيده لو أمرْتنا أن نُخِيضَها (الخيل) البحر لأخضْناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكْبَادَها (تكليف الخيل للسير بأبلغ ما يمكن) إلى بَرْكِ الْغِمَادِ (موضع على خمس ليال من مكة في طريق اليمن، أو مكان يضرب فيه المثل في البُعد ) لفعلنا) رواه مسلم.
وذكر ابن هشام في السيرة النبوية، والطبري في تفسيره، وابن كثير في البداية والنهاية: "قال سعد بن معاذ (وليس سعد بن عبادة): والله لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنَّا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السَّمع والطَّاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله. فوالذي بعثك بالحقِّ، إن استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما يتخلَّف منَّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غدًا، إنَّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللِّقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرُّ به عينك، فسِر بنا على بركة الله. فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشَّطه ذلك..).
وقد جمع ابن حجر بين الروايتين فقال في "فتح الباري": "ويمكن الجمع بأن النبي صلى الله عليه و سلم استشارهم في غزوة بدر مرتين، الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العِير مع أبي سفيان، وذلك بيِّن في رواية مسلم.. والثانية كانت بعد أن خرج كما في حديث الباب (وهو سعد بن معاذ)".
سُرّ النبي صلى الله عليه وسلم من جواب وكلام المهاجرين والأنصار وقال: ( سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين ). وانتهت غزوة بدر المباركة بانتصار المسلمين على قريش، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(آل عمران:123). قال ابن كثير: "قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} أي: يوم بدر، وكان في يوم جمعة الموافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً".
وللصحابة رضوان الله عليهم في غزوة بدر الكثير من المواقف الدالة على صدق إيمانهم، وعظيم رغبتهم في الجهاد والقتال، وحرصهم على البذل والتضحية، وبطولتهم وشجاعتهم، وشدة نصرتهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقينهم بما أعد الله لهم في الجنة.
إسلام ويب
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ
في 200 فقرة هي صلب وموضوع الكتاب تحدث أسامة بن منقذ عن سيرته الذاتية ومشاهداته وملاحظاته، ورؤيته للأحداث والوقائع وأخبار الحروب. ولقد كان كتاب الاعتبار وما زال مرجعا بل المرجع الأول الأهم لأخبار الحروب الصليبية وما يخص الفرنجة وأحكامهم وفقههم وطبابتهم التي كانت محل سخرية أسامة، مما يدل على أن المجتمع العربي الإسلامي كان متقدما وإن وقعت أرضه تحت حكم الغزاة، وأن لا فضيلة تذكر للغزاة بل إنهم كما جاء في فقرة 161((بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل)).
ولا يتوقف أسامة بن منقذ عن لعن الفرنجة في كل فقرة يتحدث فيها عنهم بالقول: لعنهم الله، ولعن حكامهم وقادتهم، وهذا دليل آخر على أن أسامة لا يكن لهم سوى الكراهية والعداء، وكيف لا وقد جالدهم وقاتل ضدهم مرات كثيرة.
ويشير أسامة إلى طبيعة بيت الدين والفروسية الذي تربى فيه؛ فمثلا والده -رحمه الله- نسخ 43 نسخة من القرآن الكريم ، إضافة إلى كتابته لعلوم القرآن والتفسير والفقه، وهو رجل كان قد خاض المعارك وأصيب بطعنة إصابة بالغة في بعضها، وكان قد كتب ختمة كبيرة من القرآن الكريم بالذهب، وكان له اهتمام بعلم النجوم وحض ولده أسامة على تعلمه، مع ورعه وتقواه وصومه وقراءته الدائمة للقرآن الكريم.. ولك أن تتخيل أي بيت تربى فيه أسامة.
وثمة كلمات تتكرر في الكتاب مثل: الجرائحي، أي الطبيب الجراح المختص بعلاج جرحى الإصابات بالأسلحة الموجودة ذلك الزمن، وكلمة قنطارية وهي نوع ثفيل من الرماح، وكلمات ما تزال مستعملة في الشامية الدارجة. أما حال من يقاتل من المسلمين فمنهم من كان حاله كحال الصحابة، يقاتلون لا لرغبة ولا لسمعة بل طلبا للجنة، وضرب من ذلك مثلا لفقيه هو الفندلاوي وشيخ زاهد هو عبد الرحمن الحلحولي من جملة من تصدوا لملك الألمان كنراد الثالث عند هجومه على دمش وقد قاتل الفقيه والزاهد حتى قتلا في مكان واحد (فقرة 113)… ومن المسلمين من يقاتل وفاء كما ضرب مثلا في الفقرة (114) عن فارس كردي اسمه أيضا فارس.
وأشار إلى امتلاء منطقة شيزر بالسباع والحيوانات المفترسة، مما جعل أسامة يسترسل في الحديث عن وعن طباعها، بل يبدو أن تربية الأسود كانت شائعة، وممتهنها في دمشق يقال له سبّاع، ويعرض أسامة خبرته في الأسود والنمور والفهود وطباعها وتجاربه معها في عدة فقرات (فقرة 138 وفقرات قبلها).
تعتبر الفقرات من 161- 175 من أهم الفقرات لمن أراد معرفة أحوال الفرنجة الذين خالطهم أسامة عن قرب فوصف أحوالهم من معتقدات دينية أو طريقة علاجهم وطبهم أو ظروفهم الاجتماعية.
ومن وصف أسامة لنساء الفرنجة قال:
“ ومن أعجب ما رأيتُ من أمرهم أن الرجل منهم يمشي هو وامرأته، فيلقى الرجلُ الرجلَ، فيأخذ بيد امرأته فيتنحّى بها جانبًا ويتحدث معها، وزوجها واقفٌ ينتظره… فإن أطال الحديث تركها ومضى.”
ثم يعلّق أسامة بأسلوب فيه دهشة واستنكار، ويجعل ذلك مثالًا على اختلاف عاداتهم، خصوصًا في مسألة الغيرة والاختلاط بين الرجال والنساء.
وفي موضع آخر يذكر أن نساءهم:
لا يتحجبن،
ويخالطن الرجال في الأماكن العامة،
ويظهرن بغير ما اعتاده المسلمون من سترٍ وحشمة.
لكن اللافت أنه أحيانًا يفرّق بين “الفرنج القدماء” الذين طال مقامهم في بلاد الشام وتأثروا بعادات المسلمين، وبين القادمين الجدد من أوروبا، فيرى أن بعض المقيمين صاروا أكثر تحفظًا من غيرهم.
ويشير أسامة أن بعض أصحاب المواهب والنعم كانوا خونة مثل ابن أبي الريداء (فقرة 156) والذي كان حادّ البصر كزرقاء اليمامة، وله في الحيلة، ولكنه أعان حاكما من الفرنجة على أذى المسلمين، فقتلته زوجته لخيانته… إشارة أخرى لدور النساء العظيم! ويشير إلى أن نساء الفرنجة جنس ملعون لا يألفون لغير جنسهم، فامرأة منهم فضلت اسكافيا على أمير لها منه ولد صار صاحب قلعة!
شبكة الجزيرة
✍ اللهم بلغنا رمضان
أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
رقم 4️⃣0️⃣4️⃣
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ. رواه أحمد والبيهقي ورواة أحمد ( صحيح الترغيب والترهيب).
ولقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم خطورة التنعم والترفه خصوصا بعد أن اتسعت موارد الدولة وكثر المال بسبب الفتوحات, فكانوا يتعاهدون بعضهم بالنصح، وَفِي صحيح مسلم عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : كَتَبَ إلَيْنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّك وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيك وَلَا كَدِّ أُمِّك فَأَشْبِعْ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِك ، وَإِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَلُبُوسَ الْحَرِيرِ وَهُوَ فِي مُسْنَدِ أَبِي عَوَانَةَ الْإسْفَرايِينِيّ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا فِي الْفُرُوعِ : أَمَّا بَعْدُ فَاتَّزِرُوا وَارْتَدُوا ، وَأَلْقُوا الْخِفَافَ وَالسَّرَاوِيلَاتِ ، وَعَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أَبِيكُمْ إسْمَاعِيلَ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْأَعَاجِمِ وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ ، وَتَمَعْدَدُوا ، وَاخْشَوْشِنُوا ، وَاخْلَوْلِقُوا ، وَاقْطَعُوا الرَّكَبَ وَانْزُوا وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ .السفاريني الحنبلي : غذاء الألباب شرح منظومة الآداب
دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ابنته حفصة رضي الله عنها فقدمت إليه مرقا باردا وصبت عليه زيتا فقال: أدمان في إناء واحد؟ لا آكله حتى ألقى الله عز وجل .
وقال الأشعث بن قيس لما طلب منه أن يلين اللحم بالزيت: أدمان في أدم؟ كلا، إني لقيت صاحبيَّ وصحبتهما فأخاف إن خالفتهما أن يخالف بي عنهما ولا أنزل معهما حيث ينزلان .
ولما قدم وفد البصرة ومعهم أميرهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أطعمهم عمر رضي الله عنه من طعامه، فرأى كراهتهم فقال: أيها القوم إني والله لقد أرى كراهيتكم طعامي وإني والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما، ثم قال: ولكني سمعت الله جل ثناؤه عير قوما بأمر فعلوه فقال : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..) .
بل إن السلف كانوا ينهون عن مجالسة المترفين خوفا من العدوى، قال المروذي: سمعت أبا عبدالله - أحمد بن حنبل - وذكر قوما من المترفين فقال: الدنو منهم فتنة والجلوس معهم فتنة .الورع للمروزي 82.
والنصوص المحذرة من الترف لم تأت من فراغ وإنما حُذر المؤمنون منه لما فيه من مفاسد، ومن هذه المفاسد:
(أ) أن الترف والتنعم مؤد إلى التنافس على جمع الدنيا .
عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ ( التبختر ) وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ". أخرجه ابن المبارك في " الزهد " و الترمذي الألباني في "السلسلة الصحيحة" .
(ب) أن الترف والتنعم من أسباب قسوة القلب ونسيان الآخرة .
ولذا فأهل التنعم هم شرار هذه الأمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : إِنَّ شِرَارَ أُمَّتِي الَّذِينَ غُذُّوا بِالنَّعِيمِ ، وَنَبَتَتْ عَلَيْهِ أَجْسَادُهُمْ. أخرجه أحمد في " الزهد " و ابن أبي الدنيا في " الجوع " السلسلة الصحيحة " .
(ج) أن الأمة المترفة أسرع إلى الفناء والهزيمة من غيرها.
قال تعالى : " وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) سورة الإسراء .
وجاء،في مقدمة ابن خلدون في الفصل الثامن عشر (فيما معناه وباختصار):
يرى ابن خلدون أن القبيلة إذا بلغت القوة والغلبة واستقرت في ظل الدولة، فإنها تنصرف تدريجياً إلى الترف والنعيم وترك حياة الشدة والخشونة التي كانت مصدر قوتها. ومع مرور الأجيال يعتاد الأبناء الراحة والرفاهية، ويبتعدون عن تحمل المسؤوليات والمشقات، فتضعف العصبية والبسالة التي قامت عليها قوتهم. وعندما تضمحل هذه العصبية يفقدون القدرة على الدفاع عن أنفسهم أو الحفاظ على ملكهم، فيصبحون عرضة لغلبة غيرهم.
ولذلك خلص ابن خلدون إلى أن الترف من أهم أسباب ضعف الدول وزوالها.
من مقال لد/ بدر عبد الحميد همسة
صيد الفوائد
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
حلقة رقم 402
جاء في الأثر أن جميع الأنبياء قد حجوا بيت الله الحرام وقد جاء التنصيص على ذكر موسى ويونس عليهما السلام في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق، فقال: أي واد هذا؟ فقالوا هذا وادي الأزرق، قال: كأني انظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية، ثم أتى على ثنية هرشى، فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشى، قال: كأني انظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلية وهو يلبي. رواه مسلم،
ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع وصحيح السند يثبت قطعياً أن "جميع" الأنبياء بلا استثناء حجوا الكعبة.
يعتبر شيخ المؤرخين المصريين أحمد بن علي المقريزي ممن اهتموا بالتأريخ لعدد كبير من رحلات الحج،
وقد ألف المقريزي رسالته الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك في ذي القعدة سنة 841هـ، قبل وفاته بأربع سنوات، وبدأها بفصل في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تسمى حجة الوداع.
وبعد حجة الوداع يؤرخ المقريزي لمن حج من الخلفاء والملوك، حيث تضم رسالته ثلاثة عشر خليفة، ومن الملوك ثلاثة عشر،
أما حج الخلفاء كما يقول المقريزي فأولهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي حج بالناس في خلافته سنة 12هـ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكانت خلافته عشر سنين ونصف، حج في جميعها إلا السنة الأولى فقط، فانه حج بالناس فيها عتاب بن أسيد. وكانت خلافة عثمان اثني عشر سنة، وقد حج جميع سنين خلافته إلا السنة الأولى والأخيرة. وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلم يحج في خلافته لاشتغاله بحرب الجمل وصفين.
وتحدث المقريزي في رسالته عن عدد من الخلفاء والأمراء والملوك الذين رحلوا إلى مكة لفريضة الحج، فقد حج معاوية بن أبي سفيان بالناس عدة سنين، وحج عبد الله بن الزبير بالناس ثماني حجج.
وحج الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين، فلما قدم المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه وأخرج الناس منه ولم يبق غير سعيد بن المسيب فلم يجسر أحد من الحرس على أن يخرجه، فأتاه الوليد ومعه عمر بن عبد العزيز والي المدينة، فسلم عليه وسأله عن حاله، ثم انصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس.
وحج هشام بن عبد الملك سنة 106هـ.
وفي العصر العباسي حج أبو جعفر المنصور عدة سنين، وحج المهدي أبو عبد الله محمد في سنة 160هـ، وحج معه ابنه هارون في جماعة من أهله، فلما قدم مكة نزع الكسوة عن الكعبة عندما رفع إليه سدنة البيت أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، وكانت الكسوة لا تنزع عن الكعبة في كل عام كما هو الآن، بل تلبس كل سنة كسوة فوق الكسوة القديمة، فلما تكاثر العهد وكثر ذلك خافت السدنة على الأركان أن تنهدم لثقل ما صار عليها من الكسوة.
وبعد المهدي جاءت خلافة هارون الرشيد وكانت ثلاثا وعشرين سنة، فكان يغزو سنة ويحج سنة، ولم يحج بعده خليفة من بغداد.
فعندما قتل الخليفة المستعصم العباسي ببغداد انقطع الحج من العراق عن مكة من سنة 655هـ إلى سنة 666هـ، فلم يرد من هناك حاج في هذه المدة.
ولكن الملك المظفر شمس الدين يوسف، وهو من ملوك اليمن، حج سنة 659هـ، وغسل الكعبة بنفسه وطيبها وكساها من داخلها وخارجها، وكان أول من كسا الكعبة من الملوك بعد مقتل المستعصم، وقد قام المظفر بمصالح الحرم وأهله، وأكثر من الصدقات ونثر على الكعبة الذهب والفضة.
ويتحدث المقريزي في رسالته عن الملوك والسلاطين الذين حجوا من مصر، ومنهم السلطان الظاهر بيبرس البندقداري، الذي حج سنة 667هـ، ولكنه كان يخفي قصده وقت خروجه، ويتظاهر بأنه يريد العراق، وقد دخل مكة في الخامس من ذي الحجة، وأعطى خواصه جملة أموال لتصرف في الناس سرا، وعم أهل الحرمين بالكسوة التي فرقها، وصار في حجه كآحاد الناس لا يحجبه أحد ولا يحرسه احد من الجند، وبقي منفردا يصلي وحده ويطوف وحده ويسعى وحده، فلا يعرفه إلا من يعرفه، وغسل الكعبة بيده بماء الورد، وصار بين جميع الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم، وما منهم إلا من يرمي إليه بإحرامه فيغسله بيده ويناوله صاحبه.
وحج السلطان الناصر محمد بن المنصور قلاوون عام 719هـ، فلما قدم مكة أظهر من التواضع والذل والمسكنة أمرا زائدا وسجد عند معاينة البيت سجود عبد ذليل، وتقدم إليه القاضي ابن جماعة، وحسّن له أن يطوف راكبا فان النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا. فقال: يا قاضي ومن أنا حتى أتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ والله لا طفت إلا كما يطوف الناس.
موقع مـداد
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ كل عام وأنتم بخير
#يوميات_في_السيرة_النبوية
الحلقة رقم 205
القَسَم والحلِف بمعنى واحد، ويُقْصَد به (القسم) تأكيد وتقوية معنى يراد غرسه في نفس المستمع، ويُؤْتَى به لدفع إنكار المنكرين، أو إزالة شكِّ الشاكين، أو لبيان عِظَم المُقْسَم عليه، والنبي صلوات الله وسلامه عليه كان تارة يحلف بقوله: (والذي نفسي بيده)، وأخرى يقول: (والذي نفس محمد بيده) ومرة أخرى يحلف بقوله: (والله)، (والله الذي لا إله غيره).. فلا ضير في تعدد صيغ الحلف مادام أن الحلف يكون بالله تعالى، إذ أن الحلف بغير الله شرك بالله عز وجل، فقد سمِعَ عبد الله بن عمر رضي الله عنه رجلاً يحلف ويقول: لا والكعبة، فقال له: (إنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله قد أشرك) رواه أبو داود وصححه الألباني.
والناظر في السيرة النبوية يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم على بعض الأمور للتأكيد عليها وبيان أهميتها، ومن ذلك:
*رؤية المؤمنين لربهم في الجنة*:
أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (هل تُضارون في رُؤية الشَّمسِ في الظهيرة، ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارُون في رؤيةِ القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيدِه! لا تُضارون في رُؤيةِ ربِّكم إلا كما تُضارُون في رؤيةِ أحدِهما (الشمس والقمر)) رواه مسلم.
*حوض النبي صلى الله عليه وسلم*:
وهذا الحوض من مكرمات نبينا عليه الصلاة والسلام في الآخرة، وقد جاء في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بوجود هذا الحوض الآن، وقد أقسم على ذلك، لعظم شأن هذا الحوض، وأهمية تعريف الأمة به، حتى يأخذوا بأسباب الورود عليه.
*حُرمة الصحابة، وبيان فضلهم، وعدم جواز التعرض لهم*:
التعرض لأحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء والانتقاص في غاية الخطر، وهذه المسألة مما ابتدعها أهل البدع والزندقة، للوصول إلى إسقاط السُنة، ومِنْ ثم فقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة أصحابه رضوان الله عليهم، وعدم جواز التعرض لهم، فقال: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه) رواه مسلم.
*وجوب محبة المؤمنين*:
محبة المؤمنين لبعضهم واجبة، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن الأشياء التي توصل إلى المحبة بين المسلمين: إفشاء السلام، فهو مفتاح المودة، وسبب الألفة، وإظهار لشعار من شعائر الدين، مع ما فيه من التواضع، ورعاية حرمة المسلمين، وإدخال السرور عليهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والَّذي نَفسِي بيده، لا تدخلونَ الجنَّة حتَّى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أوَلَا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحابَبتُم؟ أفشوا السَّلامَ بينَكُم) رواه مسلم.
*ثلاث أمور هامة أقسم عليهن النبى صلى الله عليه وسلم في حديث واحد*:
عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث أقسم عليهن (أحلف عليهن) وأحدثكم حديثا (تحديثا عظيماً) فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلِمَ عبْدٌ مظلمةً صبر عليها إلا زاده الله عِزَّا، ولا فتح عبد باب مسألة (سؤال الناس) إلا فتح الله عليه باب فقر) رواه أحمد وصححه الألباني.
*حُرْمة إيذاء الجار*:
إيذاء الجار يكون بالفعل أو بالقول، وقد يكون إيذاء الجار في نفسه، أو في أهله، أو في أولاده، أو في مسكنه، أو في ضيفه. والنبي صلى الله عليه وسلم أقسم فيما أقسم به على تحريم أذية الجار، فقال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، ـ ثلاث مرات ـ قيل من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه (مصائبه وشروره)) رواه البخاري.
*فضل سورة الإخلاص*:
قال السعدي في تفسيره: " فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات". وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على فضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن الكريم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رجلًا سمع رجلًا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُردِّدُها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأنَّ الرجلَ يتقالُّها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيدِهِ، إنها لتعدلُ ثلثَ القرآن) رواه البخاري.
*فضل التوبة والاستغفار*:
كان صلى الله عليه وسلم يحث دائما على التوبة، ويُرَغِّب كثيراً في الاستغفار، ويقسم على فضل وأهمية ذلك فيقول: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم) رواه مسلم.
إسلام ويب
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_التاريخ_الإسلامي
الحلقة رقم 400
كان قتيبة بن مسلم الباهلي رحمه الله واليًا على مرو وخراسان، ( حاليا إيران اليوم وأفغانستان وما جاورها من بلاد تلك المناطق) ، وفي سنة ست وثمانين للهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، غزا قتيبة بلادًا كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار.
وصالحه ملك الترك نيزك على مال جزيل وعلى أن يطلق مَن في بلاده من أسارى المسلمين.
وتتجلى عبقرية هذا القائد في غزوة بيكند ولها شأن عجيب؛ حيث اجتمع له من الترك عندها بشر كثير، وهي من أعمال بخارى، فلما نزل قتيبة بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك، فأتوا في جمع عظيم، وأخذوا على قتيبة الطرق كلها، فتواقف هو وهم قريبًا من شهرين، وهو لا يقدرعلى أن يبعث إليهم بريدًا، ولا يأتيه من جهتهم البريد، وأبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه، وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد، وكتب بذلك إلى بقية البلدان.
وكان لقتيبة عين من العجم يقال له: تُندَر، ينقل إليه الأخبار، فأعطاه أهل بخارى مالًا جزيلًا على أن يخذل قتيبة عنهم، فجاء إليه وقال له: أريد أن أكلمك على انفراد، فلما خلا تندر بقتيبة قال له: سيأتيك البريد بخبر عزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو.
لقد كانت بديهة قتيبة سريعة في معالجة هذا الموقف، إنه خبر سيضعف من عزيمة الجند سواء أكان الخبر صادقًا أم كاذبًا، ولم يتريث ليبحث في صحة الخبر أو عدم صحته، وسواء وصل العامل الذي يحمل الخبر بعزل الحجاج أم لم يصل، إن مجرد إشاعة الخبر بين الجنود سيفتك فيهم فتك الوباء الأصفر الذي لايبقي ولا يذر، في هذا الموقف العصيب، فكيف تصرف قتيبة في هذه اللحظة الحرجة؟
إنه موقف يعلِّم الذكاء، والفطانة والبداهة لا في الحياة العسكرية للكبار، بل في كل موقف من مواقف للكبار وللصغار.
نادى قتيبة مولاه سياه، ولم يعرف سياه الخبر، دخل على قتيبة وقال: أمر مولاي.
قال قتيبة: اضرب عنقه بالسيف، وأشار إلى الخائن تندر، فضرب عنقه بالسيف وقتله.
ولم يكتف القائد بدفن الخبر القاتل لمعنوية الجيش الإسلامي، بل أتبعه بما يجب أن يكون، حيث نهض في الجيش فحرضهم على الحرب، ووقف على أصحاب الرايات يشد من عزائمهم، فارتفعت معنوية جنده، وهجموا على عدوهم أسودًا.
تعجب الأعداء من تحول الموقف، ورأوا أن اندفاعهم إلى القتال، وراءه سر غريب، هل وصلهم مدد خُفية وهم لا يدرون؟ هل وصلهم نبأ بالمدد؟ هل تآمر معهم قسم من أهل البلد؟ هل اشتروا ضمائر بعض الجند منا سيتركوننا وينضمون إليهم والمعركة دائرة؟...
وربط الله على قلوب المسلمين، وثبتهم وأمدهم بالتأييد فما انتصف النهار إلا وأنزل عليهم النصر، فهزمت الترك هزيمة عظيمة، وتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرون منهم كيفما شاؤوا، واعتصم من بقي منهم في المدينة، فأمر القائد قتيبة بهدمها، فسألوه الصلح على مال عظيم، فصالحهم وجعل عليها رجلًا من أهله، ثم عاد، لما سار غير بعيد حتى نقضوا العهد وقتلوا الأمير وجدعوا أنفه، وأنوف من كانوا معه، فرجع إليهم وحاصرهم شهرًا، وأمر النقابين، فأضرم النار في الأسوار فسقط السور، فسألوه الصلح فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ولم يزل بهم حتى فتحها، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الغنائم العظيمة.
وكان الذي حرض أهل المدينة فيهم رجلًا أعور، فأسر فقال: أنا أفندي نفسي بخمسة أثواب صينية قيمتها ألف ألف، فأشار الأمراء على قتيبة بقَبول ذلك العرض المغري، حتى يتقوى بهذه الأموال على الأعداء، فقال قتيبة: لا والله لا أروع بك مسلمًا مرة ثانية، وأمر به فضربت عنقه.
وغنم المسلمون من بيكند شيئًا كثيرًا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب، فقوي المسلمون بهذه الأموال قوة عظيمة.
الالوكة
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_السيرة_النبوية
لم يجعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم شهر ذي القعدة - وهو من أشهر الحجِّ - موسمًا للدعة والرَّاحة، والجدالِ والمراء والخصومة، بل كان عنده شهر الاشتغالِ بالعبادة، والإقبالِ على الطاعة.
بل روي في السِّيَر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للبعثة المحمديَّة الشريفة تحيَّن فرصةَ إقبال وفود القبائل في موسم الحج؛ لدعوتهم بدعاية الإسلام، أنْ أسلِموا إلى ربِّكم يُؤتكم أجرَكم التامَّ[1].
والمستقرئ للسيرةِ العَطِرة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يجد أنَّ هذا الشهر شهرُ الإنجازات، وشهرُ الانتصارات؛ التي تؤكِّد بوضوح أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام لم يألُ جهدًا في هذا الشهر الفضيل لنصرة الإسلام والمسلمين، والنهوضِ بمشروعه الحضاريِّ العالَمي الذي فيه صلاحُ العالمين.
ويكفينا شاهدًا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد باشَر عمليًّا مشروعَه لإقامة لَبِنة دولة إسلاميَّة قويَّة في شهر ذي القعدة من السنة الثالثة عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم[2]، لمَّا أذن لأصحابه بمفارَقة دارِ الكفر (مكَّة)، إلى دار النُّصرة (المدينة)؛ لتكون مُنطلَقًا لاستكمال أهدافه الإستراتيجية في تغيير حال الأمَّة، والارتقاء بها في مراقي الحضارة، التي بدأ الإعداد الفعلي لها في
ففي شهر ذي القعدة من السنَة الخامسة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، غزا عليه الصلاة والسلام يهودَ بني قُرَيظة، وأقرَّ فيهم حكمَ الإسلام الذي قضى بقَتل رجالهم، وسَبْي ذراريِّهم ونسائهم، وسَلْب أموالهم؛ وسببُ ذلك كلِّه: نقضُ يهود بني قُريظة معاهدةَ السلم بينهم وبين دولة المسلمين، وتحالُفها مع دَولة الأحزاب المشركين، وما ترتَّب عنه من فسادٍ وضررٍ عظيم لَحِق بدولة الأنصار والمهاجرين[3].
ولعلَّ من بين أهم الدَّلائل التاريخيَّة على رسالة السلام في شريعة الإسلام - معاهدة السَّلام الموقَّعة بين المسلمين (دعاةِ السلام) وبين قريش (أدعياء الحرب)؛ فيما عُرف "بصُلح الحُدَيبية"[4 ]، هذه المعاهدة السلميَّة التي أُبرمَت في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة النبويَّة المباركة، بلا خلافٍ كما حكاه وصحَّحه ابنُ كثيرٍ وغيرُه[5].
قَبِل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مصالحةَ قريش مصلحةً لا ضعفًا وذلاًّ، وأقبل رسولُ السلام عليه الصلاة والسلام على إتمام هذا الصُّلح وتوثيقِه رغبة منه في حَقْن الدِّماء، وبحثًا عن المناخ المناسِب لاستكمال تبليغِ شريعة السلام الإسلاميَّة، بعيدًا عن هول الحروب وقسوة القتال، أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُغيِّر من إستراتيجيَّة التعامل مع دَولة الكفر، ويسلك معهم مسلكًا آخر يركن فيه المسلمون لاستكمالِ بناء صَرْح حضارتهم المشيد، في ظلِّ معطيات الأمن والسلم، بعيدًا عن خيارات الحرب والقتل.
إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عندما عَقَد الصلحَ مع من آذَوه وقاتَلُوه وسلَبُوه وظلموه - لم يُقدِّم تنازلات تُضِرُّ بمصلحة أبناء المسلمين، لم يبع شرفَهم، ولم يتخلَّ عن نصرتهم، ولم يُدِر ظهرَه للمستضعَفين، ولم يتنازَل عن شبرٍ من أرض الإسلام، حاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون إلاَّ رسول سلام، وداعيَ سلم وسلام، وناصرًا لأبناء الإسلام.
إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أقبل على توقيع السلام رغمَ استفزازات ممثِّل قريش سهيل بن عمرو المفوَّض عنها في إبرام عَقد صلح الحديبية، لم يألُ مُفاوض قريش جهدًا في استفزاز النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسلَك في ذلك كلَّ مسلك أُتيح له في معرض التفاوض، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم منصرف ومنشغِل عنه في ترفُّعٍ نبويٍّ شريف برؤيته الإستراتيجية لما سيترتَّب عن هذا الصُّلح من جَلب المصالح ودَرْء المفاسد، فكان أعظم انتصاراته "فتح مكة".
ابتدأ محمدٌ صلى الله عليه وسلم مشروعَه الحضاري التغييري الإستراتيجي في بِناء دولةٍ قويَّة ومشيدة وعتيدة، بهجرةٍ صادقة خالصة لله جلَّ وعلا، كانت ثمرتها أن أصبحَت أمَّة الإسلام عبر أزماتٍ خلَتْ أمَّةً سيِّدة، قادَت وصالَت وجالَت، لكن عندما تخلَّت عن صِدقها الصادق وإخلاصِها الخالص لله جلَّ في علاه، ذلَّت وخنعَت ووهنَت وضعفَت وهانَت، فكانت كما أَنذر النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((غُثاء كغُثاء السَّيل))[6]، أمَّة كثيرة العدد، دون أن يكون لها التأثير المأمول منها شرعًا.
الألوكة
من مقال لد/ عبد المنعم نعيمي
1/ سيرة ابن هشام
2/ سيرة ابن هشام
3/ ابن هشام / عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير
4/ ابن كثير / ابن القيم
5/ ابن كثير
6/ سنن أبو داوود
( عۘـمۘـاࣴر )
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_السيرة_النبوية
أُعلِن النَّفير العام للخروج لغزوة تبوك؛ حتَّى بلغ عدد من خرج مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ثلاثين ألفاً مقاتلا من المهاجرين، والأنصار، وأهل مكَّة، والقبائل العربيَّة الأخرى، ولقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم – على غير عادته في غزواته – هدفه، ووجهتَه في القتال؛ إذ أعلن صراحةً: أنَّه يريد قتال بني الأصفر (الرُّوم)، علماً بأنَّ هديه في معظم غزواته أن يورِّي فيها، ولا يصرِّح بهدفِه، ووجهتِه، وقصدِه حفاظاً على سرية الحركة، ومباغتة العدوّ.
وقد استدلَّ بعض العلماء بهذا الفعل على جواز التَّصريح لجهة الغزو إذا لم تقتضِ المصلحة ستره،
وقد صرَّح عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة – على غير العادة – بالجهة التي يريد غزوها، وجلَّى هذا الأمر للمسلمين، لأسبابٍ منها:
1 – بُعْد المسافـة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أنَّ السير إلى بـلاد الرُّوم يُعدُّ أمراً صعباً؛ لأنَّ التَّحرُّك سيتمُّ في منطقةٍ صحراويَّةٍ ممتَّدة، قليلة الماء، والنَّبات، ولابدَّ حينئذٍ من إكمال المؤونة، ووسائل النَّقل للمجاهدين قبل بدء الحركة حتَّى لا يؤدِّي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود.
2 – كثرة عدد الرُّوم، بالإضافة إلى أنَّ مواجهتهم تتطلَّب إعداداً خاصّاً، فهم عدوٌّ يختلف في طبيعته عن الأعداء الَّذين واجههم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ قبلُ، فأسلحتهم كثيرةٌ، ودرايتهم بالحرب كبيرةٌ، وقدرتهُم القتاليَّة فائقةٌ.
3 – شدَّة الزَّمان، وذلك لكي يقفَ كلُّ امرئ على ظروفه، ويُعِدَّ النَّفقة اللازمة له في هذا السَّفر الطَّويل لمن يعول وراءه. (البداية والنِّهاية، 5/4).
4 – أنَّه لم يعد مجالٌ للكتمان في هذا الوقت؛ حيث لم يبقَ في جزيرة العرب قوَّةٌ معاديةٌ لها خطرها، تستدعي هذا الحشد الضَّخم، سوى الرُّومان، ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك، ودومة الجندل والعقبة. (غزوة تبوك ، لمحمد أحمد باشميل ص 57)
لقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الأخذ بمبدأ المرونة عند رسم الخطط الحربيَّة، ومراعاة المصلحة العامَّة في حالتي الكتمان، والتصريح، ويعرف ذلك من مقتضيات الأحوال.
ولـمَّا علم المسلمون بجهة الغزوة؛ سارعوا إلى الخروج إليها، وحثَّ الرسول عليه الصلاة والسلام على النَّفقة قائلاً: «من جهَّز جيش العسرة فله الجنَّة». [البخاري تعليقاً (7/65)، والدارقطني (4401)، والبيهقي في الكبرى (6/167)].
وعندما تجمَّع المسلمون عند ثِنيَّة الوداع بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختار الأمراء، والقادة، وعقد الألوية، والرَّايات لهم، فأعطى لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه، ورايته العظمى إلى الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه، ودفع راية الأوس إلى أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، وأمر كلَّ بطنٍ من الأنصار أن يتَّخذ لواءً، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراسة تبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عَبَّادَ بن بِشْرٍ، فكان رضي الله عنه يطوف في أصحابه على العسكر، وكان دليلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة علقمةُ بن الفَغْوَاء الخزاعيُّ، فقد كان من أصحاب الخبرة، والكفاءة في معرفة طريق تبوك. (سبل الهدى والرَّشاد 5/652)
ويلاحظ الباحث التَّطوُّر السَّريع لعدد المقاتلين بشكلٍ عامٍّ، ولسلاح الفرسان بشكل خاصٍّ.
إنَّ الَّذي يدرس تاريخَ الدَّعوة الإسلاميَّة ، ونشوءَ الدَّولة الإسلاميَّة ومؤسَّساتها العامَّة – وفي مقدَّمة هذه المؤسسات الجيشُ الإسلاميُّ القوَّة الضَّاربة للدَّولة – يلاحظ أنَّ هناك تطوُّراً سريعاً جدّاً في مجال القوَّة العسكريَّة؛ إذ بلغ عدد المقاتلين في غزوة بدرٍ الكبرى ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتلاً، وفي غزوة أحد بلغ سبعمئة مقاتل، تقريباً، وفي غزوة الأحزاب ثلاثة الاف مقاتلٍ، وفي غزوة فتح مكة عشرة الافٍ، وفي غزوة حنين بلغ العدد اثني عشر ألف مقاتلٍ، وأخيراً بلغ عدد المقاتلين في تبوك ثلاثين ألف مقاتلٍ أو يزيد.
وإنَّ الدَّارس يلاحظ هذا التطوُّر السَّريع اللاَّفت للنَّظر في مجال سلاح الفرسان، ففي غزوة بدرٍ كان عدد الفرسان فارسين – في بعض الرِّوايات – وفي غزوة أحدٍ لم يتجاوز عدد الفرسان ما كان في بدرٍ، ويقفز العدد بعد ستِّ سنوات فقط إلى عشرة الاف فارس، وهذا يعود إلى انتشار الإسلام في الجزيرة العربيَّة وبخاصَّةٍ في البادية؛ ذلك لأن أهلها يهتمُّون باقتناء الخيول، وتربيتها أكثر من أبناء المدن.
الالوكة
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_السيرة_النبوية
ورد في السنة كثير من الأحاديث التي تبين عادة النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام ، وهي كلها من الهدي المعتدل الكامل بكماله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن فيه شيء من الإسراف أو الإجحاف أو الضرر ، فقد بعث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم .
ومما ورد في طعامه صلى الله عليه وسلم :
1- العسل :
عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ :
( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ ) رواه البخاري (5431)، ومسلم (1474) .
2- التمر :
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ) رواه البخاري (5445) ومسلم (2047) ، وقال أيضا: ( يَا عَائِشَةُ ! بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ، يَا عَائِشَةُ ! بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ) رواه مسلم (2046) ، بل كان التمر غالب قوت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : ( إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلاَلِ ثُمَّ الْهِلاَلِ ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَارٌ . فَقُلْتُ – أي عروة بن الزبير - : يَا خَالَةُ ! مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتِ : الأَسْوَدَانِ : التَّمْرُ ، وَالْمَاءُ ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَلْبَانِهِمْ ، فَيَسْقِينَا ) متفق عليه .
3- الخل :
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نِعْمَ الْأُدُمُ أَوْ الْإِدَامُ الْخَلُّ ) رواه مسلم (2051) .
3- زيت الزيتون :
عَنْ أَبِي أَسِيدٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) رواه الترمذي (رقم/1852) وصححه الألباني لشواهده في "السلسلة الصحيحة" (رقم/379) .
4- الشعير:
عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ : ( مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) رواه مسلم (2970)
5- اللبن :
أما اللبن فكان أيضا من أكثر طعامه صلى الله عليه وسلم ، وهو من الفطرة التي اختارها يوم الإسراء والمعراج ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ فَقِيلَ لِي أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ ) متفق عليه .
ولم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم تناول أكثر من وجبتين في اليوم والليلة .
عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ : ( مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلاَّ إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ ) رواه البخاري (6455) .
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله : " فيه إشارة إلى أنهم ربما لم يجدوا في اليوم إلا أكلة واحدة ، فإن وجدوا أكلتين فإحداهما تمر " انتهى . "فتح الباري" (11/292) .
الاسلام سؤال وجواب
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته
#يوميات_في_السيرة_النبوية
لم يكن احتكاك النصارى بالمسلمين مبكرًا كما كان الحال مع المشركين واليهود، وذلك لندرة النصارى في منطقتي مكة والمدينة، ولكن مع ازدياد قوة المسلمين وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية شعرت القبائل النصرانية بالقلق والرِّيبة، مما دفعها إلى جمع الجموع لمهاجمة المسلمين، وذلك منعًا لقوتهم من التزايد، ولنفوذهم من النمو.
*دومة الجندل*
وكان أول تجمع نصراني من هذا النوع من قبائل قضاعة وغسان من أهل دومة الجندل، وكانت هذه القبائل تتعرض لقوافل المسلمين المارَّة بمناطقها، بل كان منهم من يريد غزو المدينة.
وما إن علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الجمعَ يريد أن يهاجم المدينة حتى خرج إليهم، وذلك في ربيع الأول سنة 5 هـ، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وجاء الخبرُ أهلَ دومة الجندل فتفرقوا، ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبثَّ السرايا.
ولما ظهرت تكتلات أخرى تهدف لمحاربة المدينة أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى قبيلة كلب النصرانية الواقعة بدومة الجندل، وذلك في شعبان سنة 6 هـ، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بدعوتهم إلى الله تعالى، ومن بين ما قال له: "إِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فَتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِم" - وذلك كسبًا لمودتهم وتعزيزًا للعلاقات معهم - فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل؛ فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام؛ فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم، وأسلم معه ناسٌ كثير من قومه، وتزوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تماضر بنت الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة.
وهكذا نرى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على التوادِّ والتحابِّ مَع مَنْ حوله، ودعوتهم إلى الله تعالى، والمحاولات المتكررة لإيصال الخير إليهم.
*سرية ذات أطلاح* مكان قرب دمشق
ثم حدثت أزمة شديدة عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدًا من الدعاة المسلمين إلى مشارف الشام يعلِّمون الناس مباديء الإسلام؛ فوَثَبَتْ عليهم جموع العرب الموالين للروم فقتلتهم جميعًا في مكان يُسمَّى (ذات أطلاح)، وكانوا خمسةَ عشرَ داعيًا، واستطاع رئيسهم النجاة بأعجوبة..
*مقتل الحارث بن عمير الأزدي*
وكذلك لمَّا بَعثَ الرسول صلى الله عليه وسلم الحارثَ بن عُمَير الأزدي إلى ملك بُصرَى بكتاب؛ نزل مؤتة فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني - وكان الغساسنة يدينون بالنصرانية ويتبعون الدولة البيزنطية - فقال: أين تريد؟ فقال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. أنا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ فأُمِر به فأُوثِقَ رباطًا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرًا. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فاشتد عليه، وندب الناس فأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله.
*غزوة مؤتة*
ولم يكن أمام المسلمين إزاء هذه الحوادث إلا أن يردعوا الروم وأشياعهم حتى لا يعاودوا ما فعلوه مرةً أخرى. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم حملة تأديبية من ثلاثة آلاف مقاتلٍ أخذت طريقها إلى الشام، بَيْد أن الروم كانوا قد استعدوا بجيش كثيف لقاء هذه الكتيبة من المؤمنين، فجمعوا نحو مائتي ألفٍ من رجالهم، ومن انضم إليهم من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء وبلى.
وهنا يثور التساؤل: هل كان مطلوبًا من المسلمين أن يصمتوا على قتل رسلهم، وإهانة كرامة دولتهم، حتى لا يُتَّهَموا بأنهم هم الذين يسعون إلى القتال دائمًا؟!!
*غزوة تبوك*
وبعد غزوة مؤتة بعام تجمَّع الرومان ومن شايعهم من قبائل العرب النصرانية (أمثال: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان) مرَّة أخرى في منطقة البلقاء (الأردن حاليًا) يريدون دولة الإسلام، وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن هناك تجمعاتٍ للرومان ومن حالفهم بهدف القضاء على المدينة المنورة.. فقرر أن يخرج إليهم في شمال الجزيرة العربية، وبالتالي خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه على رأس أعظم جيوشه، وأقرب خاصته؛ ليلقى أعتى قوة في العالم, وذلك حتى يحفظ دماء شعبه، فكانت غزوة تبوك المشهورة، وأَلقى اللهُ الرعبَ في قلوب قادة الروم وجنودهم، وأتباعهم من نصارى العرب؛ ففَرُّوا خائفين لا يَلْوُون على شيء، وليس من الممكن أن يُطلَب من المسلمين أن يُغمِضوا أعينهم، ويتعامَوا عن المؤامرات التي تُحاكُ ضدهم.
هذه هي ملابسات الحروب التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين، ومع اليهود والنَّصارى، وقد ظهر لنا من خلالها أنه صلى الله عليه وسلم لم يبدأ أحدًا فيها بعدوان، بل كان يرد بها عدوانًا واقعًا، أو وشيكَ الوقوع؛ لأن الحرب في الإسلام ليست أول ما يلجأ إليه المسلمون لحلِّ خلافاتهم مع أعدائهم، بل هي دومًا - كما بينَّا - آخر الدواء.
د/ راغب السرجاني
قصة الإسلام
✍ أسعد الله أوقاتكم بطاعته