1269
أعلى درجات الحُب ، لا بل العِشق هو الحزن ع الحبيب ، لهذا نحنُ حزينين يا أهل بيت النبوة بل أصبح البُكاء عليكم حُباً إحدى صِفاتنا…. للتواصل @Mousav31309
مقام هلاك فرعون النفس والتمكين
ونريد أن نمنّ على الذين استُضعفوا في الأرض،
فنجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين،
ونمكّن لهم في الأرض، ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.
لكن تعالوا ننظر إلى الآية في داخلنا أيضًا…
أين فرعون؟
قد لا يكون فرعون دائمًا خارج الإنسان؛
قد يكون فرعونًا يسكن في داخله،
نفسًا أمّارةً تريد أن تستعبد النور،
وتجعل العقل تابعًا للهوى،
والقلب تابعًا للرغبة،
والإنسان عبدًا لنفسه بدل أن يكون عبدًا لله.
وموسى عليه السلام في هذه القراءة يذكّرنا بالنور الذي يبعثه الله في الإنسان،
ذلك النور الذي يخشاه طاغوت النفس؛
لأن فرعون النفس يعلم أن بقاء هذا النور حيًّا يعني بداية سقوط سلطانه.
ولهذا يحاول الطاغوت أن يقتل كل ولادة نور فينا:
يقتل العزم قبل أن يكبر،
ويقتل التوبة قبل أن تكتمل،
ويقتل اليقظة قبل أن تتحول إلى بصيرة،
ويقول لنا: لن تتغيروا، لن تصلوا، لن تتحرروا.
لكن هيهات…
فكما أراد فرعون أن يقتل موسى،
وكانت إرادة الله أن يحفظ موسى ويجعل هلاكه على يديه،
كذلك قد يحاول طاغوت النفس أن يخنق النور الذي أودعه الله فينا،
والله قادر أن يجعل هذا النور نفسه سببًا في هلاك سلطانه.
وهنا أفهم معنى:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
فأول استضعافٍ ينبغي أن أتحرر منه
هو استضعاف نفسي لنفسي.
أن لا أكون مستعبدةً لهواي،
ولا أسيرةً لغضبي،
ولا مملوكةً لشهوتي،
ولا أسيرةً لصورة نفسي في أعين الناس.
حتى يصل الإنسان إلى مقام يقول فيه:
أسلمت نفسي لله.
وهنا يبدأ التمكين الحقيقي.
ليس أن أتمكن من الآخرين،
بل أن أتمكن من نفسي بالله.
ولذلك فإن أشدّ معاركنا ليست دائمًا مع فرعون الخارج،
بل مع فرعون الداخل.
فإذا سقط فرعون النفس،
تحرر موسى الروح،
وعاد هارون العقل إلى مقامه،
وصار القلب أرضًا قابلةً للتمكين.
وحينها نفهم أن الوعد الإلهي ليس وعدًا بعيدًا عن سيرنا؛
إنه سنّة:
استضعاف، ثم ابتلاء، ثم يقظة، ثم مجاهدة، ثم تمكين.
والله لا يخلف وعده.
فكما حفظ موسى من فرعون،
يحفظ الله نور عبده من طاغوت نفسه إذا صدق في المجاهدة.
وما ظهور الحق في العالم إلا امتدادٌ لظهوره أولًا في الإنسان؛
فمن أراد دولة الحق في الخارج،
فليبدأ بإقامة سلطان الحق في داخله.
أن يهلك فرعون النفس،
ليظهر موسى النور.
🕊️✨ مشكاة مهدي
🕊️ مقام المواساة: باب المعرفة والتواضع التوحيدي
كنت أظن نفسي، حين كنت صغيرة، حين أصلّي في الخارج والدنيا قد أثلجت، وأصلّي على الثلج، أنني أُربّي نفسي على تحمّل المشقة.
لكنها كانت خطوة أولى في الشعور بغيري.
كنت أفعلها مواساةً للمجاهدين على تخوم الجبال، في تلك الثلوج والبرد.
ثم عرفت أن المواساة نفسها كانت بابًا للمعرفة.
فكلٌّ في الكون يجاهد بالطريقة التي أرادها الله له، وكلٌّ يحمل من التكليف ما أقامه الله فيه.
فمن أنا في مواساتهم ومؤازرتهم؟
لعلّ من أظن أنني أواسيه عند الله أفضل مني، ولعلّ مشقته التي أراها بعيني هي مقامٌ أقامه الله فيه، ولعلّ مواساتي له ليست فضلًا مني عليه، بل فضلٌ من الله عليّ، إذ أذن لي أن أشعر بشيء من حمله.
وهنا تعلّمت أن المواساة لا تكون من موقع الأعلى إلى الأدنى، ولا من موقع صاحب الفضل على من يواسيه، بل من موقع عبدٍ يرى عباد الله يجاهد كلٌّ منهم في الموضع الذي أقامه الله فيه.
فكلٌّ في هذا الكون يجاهد بطريقته، وكلٌّ له بلاؤه وتكليفه ومقامه.
وما أنا إلا عبدةٌ أكرمني الله بأن جعلني أشعر بغيري.
وهنا يبدأ التواضع التوحيدي:
أن لا أنسب لنفسي فضل المواساة، ولا أرى أنني صاحبة فضل على من أواسيه، بل أرى أن توفيقي للشعور به ومؤازرته هو من فضل الله وإذنه.
فكانت المواساة باب المعرفة؛
معرفة الغير، ومعرفة النفس، ومعرفة فضل الله.
🕊️✨مشكاة مهدي
مقام الخدمة بالتوفيق لا بالاستحقاق
وهمّتي في الخدمة ليست من استحقاقي، بل أقول دائمًا:
بفضل الله وجوده، لا باستحقاق عبده.
فما أنا فيه من خدمة، وما أستطيع أن أقدمه لعباد الله، ليس لأنني أهلٌ لذلك من نفسي، وإنما لأن الله أكرمني بأن أقامني في هذا المقام.
ولهذا لا أنظر إلى الخدمة على أنها فضيلة أمتلكها، بل أراها أمانةً وتوفيقًا.
وأقول دائمًا:
يا رب، لا تستبدل بي غيري.
لا لأنني أرى نفسي مستحقة للبقاء، بل لأنني أعرف شيئًا مما أعددته للمتحابين في الله، المجاهدين في سبيل الله، وفي الله، لله.
وأعرف أن أجمل ما يمكن أن يُرزق به العبد أن يكون ممن يجاهد في سبيل الله، ويحب في الله، ويخدم في الله، ثم لا يرى لنفسه على ذلك استحقاقًا.
فأنا لا أقول:
يا رب أبقني لأنني أستحق.
بل أقول:
يا رب، أبقني بفضلك، واستعملني ولا تستبدل بي غيري.
استعملني في الخير ما دمتَ تعلم أن في بقائي خيرًا، فإذا رأيتَ أن غيري أصلح مني، فاختيارك هو الحق.
لكنني أرجوك لأنني رأيت من جميل ما أعددته لعبادك المتحابين فيك، المجاهدين في سبيلك، العاملين لك، فأحببت أن أكون من أهل هذا الطريق.
لا طمعًا في منزلة عند الناس…
ولا طلبًا لثناء…
ولا رؤيةً لاستحقاق…
بل شوقًا إلى أن أكون عبدًا مستعملًا في طاعتك.
وهنا يكون فناء الخادم:
أن يخدم، ولا يرى نفسه خادمًا.
ويُعطى، ولا يرى نفسه معطيًا.
ويُمدح، ولا يرى نفسه مستحقًا.
ويُحب، ولا يرى نفسه أهلًا للحب بذاته.
وإذا قيل له: أنت فعلت، قال في سره:
بل الله فعل، والله وفّق، والله أعطى، والله أقامني حيث أقامني.
فإن أبقاني، فبفضله.
وإن استعملني، فبكرمه.
وإن رفعني، فبرحمته.
وإن استبدلني، فحكمته.
وفي كل الأحوال:
أنا عبد، وهو الرب.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام خدمة الخلق في الله — ونفي العُجب
وهذا لا يعني أبدًا أن أترك خدمة الناس خشية الوقوع في حب النفس.
بل يعني أن أخدم الناس في الله ولله.
لا يهمني المدح لذاتي، ولا أطلب أن يراني الناس مستحقًا للثناء، لكنني قد أتقبّل مدحهم حبًا في الله؛ حتى لا أكسر خاطر عباد الله الذين يحبون ببراءة وطهارة.
فليس كل قبولٍ للمدح عُجبًا، كما أن كل رفضٍ للمدح ليس تواضعًا.
قد يكون قلب المؤمن الذي يمدحك نقيًا، وكلمته خارجة من محبة صادقة، فقبولها بلطف قد يكون حفظًا لخاطره ورحمةً به.
أنا لا أقبل المدح لأقول في نفسي: أنا أستحق.
بل أقول في قلبي:
الله أعلم بما في نفسي.
فإن رأى الناس مني خيرًا، فذلك من فضل الله، وإن أحبوني، فليكن حبهم لله، وإن مدحوني، فليكن قلبي متعلقًا بمن ستر نقصي وأظهر ما فيه من خير.
وهنا لا تكون القضية:
هل أُمدح أم لا؟
بل القضية:
مَن الذي يرى نفسه مستحقًا للمدح؟
إن كانت النفس تقول: أنا استحققتُ، فقد دخل العُجب.
أما إن قال القلب:
يا رب، أنت أعلم بما في نفسي، وأنت أعلم بنقصي، وما رأوه من خير فمن فضلك وسترك وتوفيقك، فاجعل محبتهم لي محبةً فيك، ولا تجعلها حجابًا عنك.
فهنا يتحول المدح من غذاءٍ للنفس إلى أمانةٍ تُرد إلى الله.
وهكذا نخدم عباد الله، ونحبهم، ونقبل محبتهم، ونحفظ خواطرهم، لكن لا نجعل ذلك مقامًا لتضخيم الأنا.
فالعبد لا يهرب من الخلق حتى لا يُعجب بنفسه؛ بل يخرج إلى الخلق بالله.
يخدمهم بالله، ويحبهم بالله، ويجبر خواطرهم بالله، ويقبل محبتهم بالله، ثم يعود بكل ذلك إلى الله.
لأن العبودية ليست أن تنقطع عن عباد الله، بل أن لا تنسى الله وأنت مع عباد الله.
وهنا يكون إسقاط طاغوت النفس أعمق:
لا أن أقتل كل محبةٍ في قلبي،
ولا أن أرفض كل ثناء،
ولا أن أترك خدمة الخلق…
بل أن أسقط دعوى النفس وسط كل ذلك.
أخدم ولا أقول: أنا الخادمة.
أعطي ولا أقول: أنا المعطية.
أُحَبّ ولا أقول: أنا المستحقة للحب.
أُمدَح ولا أقول: أنا المستحقة للمدح.
بل أقول:
هو الله… وما أنا إلا عبدٌ أقامني في هذا المقام، والله أعلم بما في نفسي.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام إسقاط الإمامة على طاغوت النفس
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
هنا نصل إلى طاغوت النفس…
لأن أعظم ما ينازع الإمامة في الإنسان ليس طاغوت الخارج فقط، بل طاغوت الداخل.
النفس تريد أن تكون هي الإمام.
تريد أن تؤمّك إلى رغبتها، إلى شهواتها، إلى غضبها، إلى حب الظهور، إلى حب المدح، إلى الاستعلاء، إلى أن يكون الحق تابعًا لها لا أن تكون هي تابعة للحق.
ولهذا فإن أول جهاد مع الإمام هو أن تنزع من نفسك دعوى الإمامة.
أن تقول لها:
لستِ أنتِ التي تؤمّينني.
أنا لا أريد أن أكون مأمومًا للنفس الأمّارة، بل مأمومًا للإمام الذي جعله الله.
وهنا يظهر معنى:
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾.
فكما أن الإمامة الحقّة جعلٌ إلهي، فإن الإنسان لا يستطيع أن يجعل نفسه إمامًا لنفسه.
إما أن تؤمّك النفس إلى النار، وإما أن يؤمّك النور إلى الله.
ومن هنا يبدأ الاستضعاف الحقيقي للنفس.
أن تُضعف سلطانها عليك.
أن تعطش وأنت لا تسقي شهواتها.
أن تجوع وهي تريد أن تُطعَم.
أن تتعرّى من أوهامها حين تريد أن تتزيّن بالمدح.
أن تؤثر الحق عليها حين تريد أن تؤثر نفسها.
أن تقول لها:
ليس كل ما أريده أفعله،
وليس كل ما أشتهيه حقًا،
وليس كل ما يغضبني يستحق أن أغضب له،
وليس كل ما يمدحني يرفعني.
وهنا نفهم تراتبية الاستضعاف:
الإمام هو المستضعف الأعظم في الأرض، وأنصاره يحملون من استضعافه بقدر نصرتهم له، والعبد يبدأ نصرة الإمام حين يستضعف طاغوت نفسه.
فالنفس إذا كانت هي الحاكمة، كان الإنسان أسيرها.
أما إذا انكسرت إمارتها لله، بدأ الإنسان يتحرر.
وهنا يصبح:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾
ليس مجرد إطعامٍ للجسد، بل مقامًا في إطعام الحق على حساب النفس.
النفس تريد أن تأخذ، والعبد يتعلم أن يعطي.
النفس تريد الجزاء، والعبد يقول:
﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
النفس تريد أن تُرى، والعبد يريد وجه الله.
النفس تريد أن تكون هي المقصودة، والعبد يعيد كل شيء إلى المقصود الأول:
الله.
وهنا فقط يبدأ معنى الوراثة:
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
فالوارث الحقيقي ليس من ورث شيئًا خارج نفسه قبل أن يرث نفسه.
بل من استردّ نفسه من طاغوتها، حتى لم تعد النفس هي الإمام، ولم يعد الهوى هو القائد، ولم تعد الشهوة هي الحاكم.
عندها يصبح الإنسان قابلًا لأن يكون مع إمام النور؛ لأن من لم يخلع إمامة النفس، كيف يتهيأ لإمامة وليّ الله؟
فالمعركة الأولى ليست مع العالم…
المعركة الأولى: من هو الإمام في داخلي؟
إن كانت النفس هي الإمام، فأنا مأموم لهواي.
وإن كان وليّ الله هو الإمام، فأنا في طريق الخروج من نفسي إلى الله.
وهذا هو جهادنا الحقيقي:
أن نسقط طاغوت النفس، حتى لا يبقى في القلب إلا سلطان العبودية.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام الجعل الإلهي — المستضعف الأعظم
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
تأمّلوا في كلمة ﴿وَنَجْعَلَهُمْ﴾…
فالإمامة هنا ليست مقامًا يصنعه الإنسان لنفسه، ولا منزلة يبلغها بمجرد إرادته؛ بل هي جعلٌ إلهي، والجعل لا يكون إلا بإرادة الله عز وجل.
ثم يقول:
﴿أَئِمَّةً﴾…
الإمام هو الذي يؤمّ الناس؛ أي يتقدمهم في الطريق، ويكون جهةً لمن اقتدى به.
ولهذا نجد في القرآن أئمةً يدعون إلى النار، كما نجد أئمةً يدعون إلى النور.
فالمسألة ليست في مجرد التقدّم، بل: إلى أين يؤمّك هذا الإمام؟
هل يؤمّك إلى النار، أم إلى النور؟
هل يأخذ بيدك إلى نفسك، أم يخرجك من نفسك إلى الله؟
الإمام الذي يدعو إلى النور، إلى التوحيد، إلى الهدى والرشاد والصواب والخير، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، إنما يدعوك إلى حقيقة واحدة:
العبودية لله.
فكل خيرٍ ينتهي بك إلى الله هو خير، وكل نورٍ لا يقودك إلى التوحيد يبقى نورًا ناقصًا.
وإذا كنت مع الإمام الذي جعله الله إمامًا، فإنك لا تبقى مجرد تابع؛ بل الجعل الإلهي للإمامة يفتح فيك قابلية القيادة في طريق الحق، لأنك تتحرك في امتداد ذلك النور لا في امتداد نفسك.
ومن هنا نصل إلى المعنى الذي يوجع القلب…
إلى إمامنا الحنون، صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.
أيُّ استضعافٍ أعظم من أن يكون الإمام بين شيعته، ولا يُعرف؟
أيُّ استضعافٍ أعظم من أن يكون إمامك حاضرًا في عالمك، وأنت غائب عنه؟
أن يكون هو الذي يفكر فيك، ويدعو لك، ويحمل همّك، وأنت لا تفكر فيه…
لا تسأل عن إمامك:
أكل أم لم يأكل؟
شرب أم لم يشرب؟
كيف أصبح؟
كيف أمسى؟
وهذا السؤال ليس مجرد عاطفة؛ إنه رجوع إلى الفطرة، لأن الفطرة معدن السر، والسر إذا استيقظ عرف جهة إمامه.
هو يدعو لنا ليلًا ونهارًا، ونحن لا نبالي:
أمسينا على ذنب أم أصبحنا على ذنب؟
وأيُّ استضعافٍ أعظم من إمامٍ يحمل سهام ذنوبنا، ويُرى منّا ما لا نرى من أنفسنا، ثم يبقى يدعو لنا؟
بل نصل إلى معنى أشد وجعًا…
أن يكون إمامنا هو الذي يريد لنا الخلاص، ويطلب من الله أن يؤخر الظهور حتى نتطهر، ونصلح، ونتهيأ لنكون معه.
هو الشريد الطريد… ونحن الذين ينبغي أن نسأل: لماذا لم نتهيأ بعد؟
أيُّ مفارقة هذه؟
إمامٌ يدعو لخلاص شيعته، بل ولخلاص العالمين، ولكل من في قلبه ذرة خير…
وهو المستضعف.
فالمستضعف ليس بالضرورة من غلبه الناس في الظاهر؛ بل قد يكون من مُنع حقه في الظهور مع أن حقه قائم، ومن جُهل مقامه مع أن نوره حاضر.
ولهذا أقول:
هو المستضعف الأعظم في هذه الأرض…
إمامٌ بيننا، ونحن عنه غافلون.
إمامٌ يدعو لنا، ونحن لا نلتفت إلى دعائه.
إمامٌ يريد أن يخرج بنا من ظلمات النفس إلى نور التوحيد، ونحن ما زلنا نُثقل كاهله بذنوبنا.
فيا أبانا وإمامنا الحنون…
يا صاحب العصر والزمان، عجل الله فرجك الشريف…
علّمنا أن نكون ممن يؤمّهم النور إلى النور، حتى إذا جاء الجعل الإلهي للظهور، وجدنا أنفسنا قد تهيأنا للوراثة التي وعد الله بها المستضعفين:
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام الحياة الملكوتية — لا طيب العيش بعدك يا حسين
نعود إلى دعاء الندبة، فنجد فيه مفتاحًا عظيمًا:
﴿اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا جَرَى بِهِ قَضَاؤُكَ فِي أَوْلِيَائِكَ الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ، إِذِ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزِيلَ مَا عِنْدَكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لَا زَوَالَ لَهُ وَلَا اضْمِحْلَالَ...﴾
تأملوا...
﴿جَزِيلَ مَا عِنْدَكَ مِنَ النَّعِيمِ﴾
ماذا يريد من عرف هذا النعيم أن يفعل بنعيم الدنيا الدنية؟
كلما ازداد شهود الإنسان لما عند الله، هان في عينه ما سواه.
ليس لأنه يكره الدنيا لذاتها، وإنما لأنه عرف أن لها حدًّا ونهاية، بينما ما عند الله:
﴿لَا زَوَالَ لَهُ وَلَا اضْمِحْلَالَ﴾.
وهنا نفهم معنى الزهد بصورة أعمق.
الزهد ليس أن يترك الإنسان الدنيا لأنه عاجز عنها...
بل أن لا تصبح الدنيا هي الغاية.
قد تكون الدنيا في يده، لكنها لا تكون في قلبه.
ومن هنا، حين يعيش الإنسان قضية الحق، ويدافع عن معالم الدين وأهله، ويقدّم ما يستطيع في سبيل الله، فإنه يتربى شيئًا فشيئًا على أن تكون حياته متجهة إلى ما هو أبقى.
فتصبح كربلاء معيارًا.
لا طيبَ العيش بعدك يا حسين.
هل للدنيا بعدك عفا؟
هذه ليست دعوة إلى ترك الحياة، ولا إلى اليأس منها.
إنها صرخة قلبٍ شهد كربلاء، فلم يعد يستطيع أن يجعل الدنيا غايته بعد أن رأى أيَّ ثمنٍ دُفع في سبيل الله.
كأن الحسين عليه السلام أعاد تعريف قيمة الأشياء:
ما قيمة الراحة إذا كان الحق يُخذل؟
ما قيمة المال إذا لم يكن لله؟
ما قيمة العمر إذا لم يكن في سبيله؟
وما قيمة الدنيا إذا كانت ستأخذ الإنسان بعيدًا عن الله؟
ولهذا لا يهدأ قلب من صار همه الله.
لا تهنأه الغفلة.
لا تشبعه الدنيا.
لا يستطيع أن يجعل راحته الشخصية أعلى من تكليفه.
ليس لأنه يريد الألم لذاته...
بل لأنه ذاق معنى آخر للحياة.
الحياة بالله، ولله، وفي سبيل الله.
وهنا أعود إلى الآية:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
فالاستضعاف في طريق الحق ليس هو الغاية.
والبلاء ليس هو الغاية.
والزهد ليس هو الغاية.
الغاية أن يخرج الإنسان من أسر نفسه ودنياه إلى مقام العبودية لله، حتى يصبح ما عنده كله لله.
وحين يقول:
خذ حتى ترضى...
فهو لا يعني أنه لا يملك شيئًا.
بل يعني:
كل ما أملكه أمانة، وكل ما أعطاني الله إياه يمكن أن أجعله سبيلًا إليه.
وهنا يظهر سرّ كربلاء:
أن الإنسان قد يفقد كل شيء في عين الدنيا، لكنه لا يخسر شيئًا عند الله.
وقد يبدو في ظاهر الأرض مستضعفًا، بينما تكون عاقبته عند الله شيئًا آخر.
لذلك لا يكون السؤال:
كم بقي لي من الدنيا؟
بل:
كم بقي من الله في قلبي؟
ولا يكون السؤال:
ماذا أخذت من الحياة؟
بل:
ماذا قدّمت لله من الحياة التي أعطاني إياها؟
وهذا هو الشهود الذي تربيه كربلاء في القلب:
أن تكون الدنيا وسيلة...
والله غاية.
وأن يكون المال وسيلة...
والله غاية.
والعمر وسيلة...
والله غاية.
والعلم وسيلة...
والله غاية.
حتى يصبح لسان الحال:
كل ما عندي هو سبيل الله.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام إسقاط الفرعونية على طاغوت النفس
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾
فرعون لم يبدأ من قتل الأبناء واستحياء النساء، بل بدأ من العلو:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
وهنا يبدأ مقام التفكر:
فالفرعونية ليست فقط شخصًا في التاريخ، بل هي منهجٌ يمكن أن يتكرر في النفس كلما علا الإنسان بنفسه على مقام العبودية لله.
فكما جعل فرعون أهل الأرض شيعًا، قد تجعل النفس أهل الإنسان في داخلها أصنافًا؛
فتستضعف جانبًا من جوانبها، وتقوّي جانبًا آخر، وتسخّر العقل لخدمة الشهوة، وتسخّر الإرادة لخدمة الهوى، وتسخّر العلم لخدمة الأنا.
وهنا يظهر طاغوت النفس.
فطاغوت النفس لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول: أنا ربكم الأعلى بلسانه؛
يكفي أن تتصرف النفس وكأنها هي المرجع الأعلى، فتريد أن يكون الحق موافقًا لها، وأن تخضع الحقيقة لرغباتها.
فتصبح المادة غاية،
والمال معيارًا،
والسلطة وسيلةً للعلو،
والعلم أداةً للأنا،
حتى يُستعبد الإنسان لما كان ينبغي أن يستعمله في طريق الله.
وهنا نفهم معنى الاستضعاف على مستوى النفس:
قد يذبح الإنسان في داخله صوت الفطرة،
ويستحيي في نفسه قوة الحق،
ويقتل كل ولادةٍ جديدة للوعي حين تهدد عرشه الداخلي.
ففرعون النفس لا يريد للإنسان أن يولد فيه موسى؛
لأن موسى هو ذلك النور الذي يواجه الطاغوت ويقول له:
إنك لست الإله.
وهنا يصبح الجهاد الحقيقي أعمق من مواجهة طاغوتٍ خارج النفس؛
إنه مواجهة الطاغوت الذي يريد أن يحتل مركز التوحيد في القلب.
فالإنسان حين يحرر قلبه من عبودية النفس،
لا يعود عبدًا للمادة ولا للمال ولا للخلق ولا للهوى،
بل يعود إلى مقامه الأول:
عبدًا لله.
وعندها لا تعود المادة معبودًا، بل وسيلة؛
ولا يعود العقل خادمًا للهوى، بل نورًا يهدي؛
ولا تعود الإرادة أداةً للأنا، بل قوةً في طريق العبودية.
ومن هنا يكون سقوط فرعون الحقيقي:
ليس فقط أن يسقط فرعون خارجك،
بل أن يسقط فرعون الذي فيك.
فكلما قالت النفس: أنا،
سألها التوحيد: وأين الله فيك؟
وكلما أرادت أن تستكبر،
أعادتها العبودية إلى مقامها.
وكلما أرادت أن تملك،
ذكّرها التوحيد بأن الملك لله وحده.
وهكذا يتحول تدبر قصة موسى وفرعون من قصةٍ تُروى عن قومٍ مضوا،
إلى آيةٍ تُقرأ في أعماق النفس:
موسى هو صوت التوحيد،
وفرعون هو طاغوت النفس،
والبحر هو مقام العبور،
والنجاة هي أن تخرج النفس من سلطان الأنا إلى سلطان الله.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام التفكر في آيات الكتاب المبين
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾
طـورُ سنين محمد،
وطـورُ سنين موسى،
والطُّور، والسِّحر، والمال…
كلُّها آيات.
طورُ سيناء متين،
وطورُ سنين مبين،
وكلٌّ بحسب قربه يتفكر،
وهذا التفكر يعطي نورانيةً وقوةً وثباتًا.
﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾
ثم يأتي البيان:
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
من خبر موسى وفرعون بالحق،
لقومٍ يؤمنون؛
فالمؤمن لا يمر على النبأ مرورًا،
بل يتفكر فيه، ويعتبر، ويأخذ منه الذكرى.
أما من لا يؤمن، فقد يرى الآيات ولا يعتبر بها.
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
فالذكرى تحتاج إلى قلبٍ يتفكر،
وإيمانٍ ينتفع،
وبصيرةٍ ترى في الآيات نورًا وهداية.
والذكرى تنفع المؤمنين.
🕊️✨ مشكاة مهدي
عندك واتس أب ومحتار من وين تجيب حالات لا تتجاوز الــ《30》ثانيه⏰
اليك القنوات الرسمية لحالات الوتس💚.
/channel/addlist/OPX4H8YN0t9lNTM8
سارع بطلب الانضمام قبل الحَذِف💚.
نحن لا نقطع الاختبارات بقدرتنا وحدها،
ولا باجتهادنا واستقلالنا عن الله،
بل بتعلّقنا المخلص بالحبل المتين.
فحين تأتي لحظة الامتحان،
لا يكون المطلوب منكِ أن تعرفي الجواب وحدكِ،
بل أن تكوني متعلّقةً بمن بيده الجواب.
هو الذي يُلهمكِ،
وهو الذي يفتح لكِ باب الفهم،
وهو الذي يُنزّل على قلبكِ المواساة حين يشتدّ البلاء.
ربّ العالمين يعطيكِ من المواساة بقدر ما أنتِ في عنايته،
فإذا برد قلبكِ وسط البلاء،
فلا تظنّي أن البلاء قد خفّ،
بل اعلمي أن رحمة الله قد سبقت إليه.
أنتِ في عناية الله عزّ وجلّ؛
ولهذا، حتى حين لا يتغيّر الامتحان،
يتغيّر قلبكِ الذي يحمله.
وكربلاء تعلّمنا أن أعظم العبور
ليس أن لا نبكي، ولا أن لا نتألّم،
بل أن نبقى متعلّقين بالله
حتى ونحن نحمل أثقل ما يمكن للقلب أن يحمل.
ففي لحظة الامتحان،
قد لا يُرفع البلاء،
لكن الله يهبكِ المواساة التي تجعلكِ قادرةً على حمله.
🕊️✨
مشكاة مهدي
كلُّ ما في الكون من بلاءاتٍ
إنما هو ذَرّةٌ في مقابل كربلاء؛
فكربلاء لم تكن بلاءً عابرًا،
بل كانت مكربَلةً بالبلاء، مُسربَلةً به،
حتى اجتمع فيها من وجوه البلاء
ما لا يحتمله قلبٌ إلا بالله.
هناك،
صار البلاء طريقًا إلى الله،
وصار الدمُ شاهدًا على تمام العبودية،
وصار الصبرُ مقامًا،
والفداءُ قربًا،
والتسليمُ عبورًا من النفس إلى الله.
حتى وقف الحسينُ عليه السلام
في ذروة البلاء،
لا لأن البلاء كان هيّنًا،
بل لأن قلبه كان معلّقًا بمن لا يضيع عنده شيء.
فكربلاء لا تعلّمنا كيف لا نتألّم،
بل تعلّمنا كيف لا يأخذنا الألم بعيدًا عن الله.
وفي كربلاء،
حين بلغ البلاء منتهاه،
بلغ التسليمُ مأواه.
🕊️✨
مشكاة مهدي
بسم رب فاطمة
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم
خرجت من بيتي وانا اريد أن أشتري قوتا لأولادي
دخلت ورأيت امرأة في وجهها سيماء النقاء والصفاء اقتربت منها وسألتها بكل حب اختي لماذا لا تضعين الحجاب لا بل قلت لها يعز علي اختي أن تحصلي علامات طيبة ومباركة في كل المواد وتسقطي في الحجاب صارت تحدثني عن طيبها وصفاءها وانا منجذبة لما تقول قلت لها أختاه لانك من أهل البر والتقوى لا تدعي ثغرة انا لا اريد من حديثي معك أن تتحجبي هذا الأمر يعود إليك لكني أحبك لأنك من أهل الخير
هنا استذكرت حال أبانا وإمامنا الحنون صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف
كم انا متألمة متوجعة لحالهم وربي أشفق وارفق بي بهم
لكني من خالص حبي اهديهم
ولنور المهدي آخذ بأيديهم
أتألم حينما يبتعدون لمعرفتي بصراعهم
احزن لأن الشيطان والنفس انتصرت عليهم
تعالوا انظروا ناظروا اعتبروا مقالي لهم
النجوم تحترق لتضيئ يصرعني جوابهم
نحن لا نريد أن نضيئ لأحد كلمهم
حينها نظرت وقلت كم أنت عظيم حليم خالقي بإيذائهم
وهم لا يعرفون حقيقة حديثهم
سمعوه وصاروا يكرروه ظنا خيرا لمن هو سابقهم
من يقول أنا لا علاقة لي بغيري
لا يعرف كم أضاع من كنوز- الشقاء يعتريهم
أنت حينما تضيئ لغيرك وتحترق
عطاءك لن ينساه من خلقك الأنجم الزاهرة بالجنان أخلدهم
فما هذه الدنيا إلا سراب ووهم
قريبا تكتشف يحسبه الظمآن ماءا وكيف الله يوفيك ويوفيهم حسابهم
✨🕊️مشكاة مهدي
مقام الأرض الطائعة
حين ندعو في دعاء الحجة:
«اللهم أسكنه أرضك طوعًا، وتمتّعه فيها طويلًا»
نحن لا نتأمل فقط في أرضٍ يسكنها الإمام عجل الله فرجه الشريف،
بل يمكن أن نسأل أنفسنا:
هل أرض وجودي طائعة لله؟
فقد تكون الأرض هي النفس،
وقد يكون فيها فرعونٌ يريد أن يستعبدها،
وهامانٌ من جنوده،
وشهواتٌ وأهواءٌ وخوفٌ وكِبرٌ وغفلة،
كلها تريد أن تمنع سلطان الحق من الظهور فيها.
وفرعون لا يخاف إلا النور.
ولهذا كان يخشى موسى عليه السلام،
لأنه كان يعلم أن بقاء موسى يعني سقوط سلطانه.
وكذلك طاغوت النفس؛
يخاف كل ولادة نور فينا:
يخاف التوبة،
يخاف الصدق،
يخاف المجاهدة،
يخاف أن تستيقظ الفطرة،
ويخاف أن يصبح القلب طوعًا لله.
فنحن حين نطلب:
«اللهم أسكنه أرضك طوعًا»
فلنبدأ من أرضنا نحن.
اللهم اجعل أرض قلبي طوعًا للحق،
وأخرج منها فرعون النفس،
واجعلها صالحةً لاستقبال نور وليّك.
فإن أردنا أن نرى التمكين في الأرض،
فلنبدأ بتمكين الحق في أرض وجودنا.
وإذا كانت الآية تقول:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
فليكن أول استضعافٍ نتحرر منه
هو استضعاف النور في داخلنا.
وأول تمكينٍ نطلبه
هو أن يتمكن الحق من نفوسنا.
حتى لا يكون في داخلي فرعونٌ ينازع موسى،
ولا يكون في أرض قلبي سلطانٌ ينازع سلطان الله.
تسكنه أرضك طوعًا…
فيا رب،
اجعل أرضنا طوعًا لوليك،
ونفوسنا طوعًا لأمرك،
وقلوبنا مهيأةً لظهور الحق.
وحين يسقط فرعون النفس،
لا تعود الأرض أرضَ صراع،
بل تصبح أرضًا قابلةً للتمكين.
وهكذا يبدأ الظهور فينا قبل أن نراه حولنا:
ظهور الحق على الباطل،
وظهور العبودية على النفس،
وظهور نور الله على ظلمات الهوى.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام الوعد الإلهي والتمكين
ونريد أن نَمُنَّ على المستضعفين،
كما قال الله تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
فالله هو الذي يمنّ،
والله هو الذي يجعل المستضعفين أئمة،
والله هو الذي يمكّن لهم في الأرض.
ونحن نرجو أن نكون من أهل هذا الوعد،
وأن يكون لنا نصيب في دولة الحق،
في ظهور أبانا وإمامنا الحنون، صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.
وكلكم تعرفون ما يرتبط في عقيدتنا بيوم الرجعة،
يوم الثأر للحسين عليه السلام وللبضعة الطاهرة عليها السلام،
ويوم ظهور حقيقة المظلومين وانتصار الحق.
وهنا تأخذنا قصة أبانا موسى عليه السلام إلى معنى عميق يشبه سنّة الغيبة والظهور.
موسى عليه السلام حين ترك قومه، ترك أخاه هارون عليه السلام بينهم،
فقال له هارون:
﴿يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾.
تركهم ثلاثين ليلة، ثم أتمّها الله بعشر،
وكان في ذلك ابتلاءٌ وامتحانٌ لقومه.
وهنا نتذكر:
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
فالوعد الإلهي لا يسقط لأننا لم نرَ تمامه بأعيننا.
فرعون نفسه كان يخشى مولودًا يكون هلاكه على يديه،
فأراد قتل المواليد،
لكن إرادة الله كانت فوق إرادة فرعون:
يبقى موسى، ويهلك فرعون.
فالطاغية يحاول أن يقطع طريق الوعد،
والله يحفظ وعده من حيث لا يحتسب الطغاة.
وهكذا نتعلم أن الاستضعاف ليس نهاية القصة،
وأن خوف المستكبرين من وعد الله لا يمنع تحققه،
بل يكشف أنهم يعلمون أن للحق يومًا.
فكما شاءت الإرادة الإلهية أن يحفظ موسى عليه السلام،
وأن يكون على يديه هلاك فرعون،
نحن نؤمن بوعد الله بنصرة المستضعفين وإظهار الحق،
وننتظر ظهور موعودنا،
أبانا وإمامنا الحنون،
صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.
الوعد وعدُ الله،
والتمكين تمكينُ الله،
والنصر نصرُ الله.
فما علينا إلا أن نكون من أهل الوعد،
لا من أهل الغفلة عن الوعد.
🕊️✨ مشكاة مهدي
🕊️ مقام المواساة: باب المعرفة
كنت أظنّ نفسي، حين كنت صغيرة، حين أصلّي في الخارج والدنيا قد أثلجت، وأصلّي على الثلج، أنني أُربّي نفسي على تحمّل المشقة.
لكنها كانت خطوة أولى في الشعور بغيري.
كنت أفعلها مواساةً للمجاهدين على تخوم الجبال، في تلك الثلوج والبرد.
لم أكن معهم، ولا أستطيع أن أحمل عنهم ما يحملون، لكنني كنت أشعر أنني أستطيع أن أواسيهم بشيءٍ يسير، بأن أجعل جسدي يذوق شيئًا من البرد الذي يصبرون عليه، وأنا بين يدي الله.
ثم عرفت أنني لم أكن أُربّي نفسي فقط، بل كنت أتعلم كيف أخرج من نفسي.
فالمواساة جعلتني أعرف أن العبادة لا تكون دائمًا فيما أفعله لنفسي، بل قد تكون فيما يجعلني أشعر بغيري.
وهكذا كان الثلج، الذي ظننته يومًا وسيلةً لتربية نفسي، بابًا إلى معرفةٍ أخرى:
أن أشعر بمن يجاهد، وأن أواسي من يحمل المشقة في سبيل الله، وأن لا أعيش العبادة محصورةً في ذاتي.
فكانت المواساة باب المعرفة.
🕊️✨مشكاة مهدي
مقام فناء الخادم في المخدوم
وقد يكون من يمدحني أفضل مني، وأنا أراه خيرًا مني.
فربما كان الذي قال لي كلمة طيبة أصدق مني قلبًا، وأنقى سريرةً، وأقرب إلى الله مني، وأنا لا أعلم ما بينه وبين الله.
فكيف أجعل مدحه لنفسي بابًا للعُجب؟
بل لعل الله أرسل كلمته إليّ ليعلّمني شيئًا عن عباده، ويكشف لي أن الخير ليس محصورًا فيما أراه من نفسي.
وهنا يصل الخادم إلى مقامٍ أدق:
فناء الخادم وهو المخدوم.
فأنا حين أخدم عبدًا من عباد الله، لا أرى نفسي صاحب الفضل عليه؛ فقد يكون هو في الحقيقة بابًا من أبواب رحمة الله عليّ.
أنا أظن أنني أخدمه، وهو قد يكون الذي يخدمني عند الله.
أجبر خاطره، فيجبر الله خاطري به.
أطعمه، فيكون هو سبب رزقي عند الله.
أكسوه، فيكون هو الذي يكسوني من رحمة الله.
وأحبه في الله، فيكون هو الذي يفتح لي بابًا إلى الله.
فأين الخادم وأين المخدوم؟
إذا سقطت رؤية النفس، فنيت الثنائية.
لم يعد عندي: أنا الذي أعطي، وهو الذي يأخذ.
بل أرى فضل الله يجري بين عباده، وكل واحدٍ منهم عبدٌ محتاج إلى الله.
وهنا لا أعود أخشى خدمة الناس خوفًا من العُجب، بل أخدمهم وأنا أخشى أن أكون أنا المحتاج إلى خدمتهم أكثر مما هم محتاجون إلى خدمتي.
فناء الخادم في المخدوم أن لا ترى نفسك أعلى منه لأنك خدمته، بل ربما تراه عند الله أفضل منك، وأقرب، وأطهر سرًا.
والله وحده يعلم ما في القلوب.
ولهذا يبقى القلب يقول:
يا رب، لا تجعل عبادتي حجابًا عن عبادك، ولا تجعل خدمتي لهم حجابًا عنك، ولا تجعلني أرى نفسي خيرًا من أحدٍ من خلقك.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام التمكين على طاغوت النفس
وإذا كان طاغوت النفس هو أول طاغوت ينبغي أن نسقطه في داخلنا، فكيف يكون التمكين عليه؟
بالجهاد.
والجهاد الذي فتحه لنا القرآن الكريم ليس جهادًا منفصلًا عن العبودية، بل هو طريق العودة إلى الله:
القرآن، والدعاء، والعبودية.
فالقرآن يهدم أوهام النفس، والدعاء يكسر استكبارها، والعبودية تسقط دعواها بأنها هي الحاكمة.
كلما قرأت القرآن، رأيت نفسك في مرآته.
وكلما دعوت الله، عرفت فقرك.
وكلما عبدت الله، سقطت من داخلك دعوى الاستقلال.
حتى تصل إلى مقام تقول فيه:
يا رب، عبدتُك لأنك أهلٌ للعبادة، لا لأرى نفسي عابدة.
وهنا يأتي أخطر أبواب طاغوت النفس:
العُجب.
قد تتخلص النفس من معصية، ثم تدخل عليك من باب العبادة.
قد تقوم الليل، وتقرأ القرآن، وتدعو، وتجاهد نفسك، ثم تقول لك:
أنا فعلت.
أنا وصلت.
أنا أفضل.
وهنا تكون قد أفسدت عبادتك من حيث لا تشعر.
لذلك:
«و عبدني لك، ولا تفسد عبادتي بالعُجب.»
أي يا رب، لا تجعل عبادتي حجابًا بيني وبينك.
لا تجعلني أرى عبادتي بدل أن أراك.
ولا تجعلني أنظر إلى ما فعلت، وأنسى أنك أنت الذي وفقتني للفعل.
فحتى الجهاد مع النفس لا ننسبه إلى أنفسنا.
نحن نجاهد بك، وننتصر بك، ونثبت بك، ونعبدك بتوفيقك.
وهنا يتحول الجهاد من صناعة للأنا إلى إفناء للأنا.
فكلما انتفخت النفس بعبادتها، ذكّرها العبد:
أنتِ لم تفعلي شيئًا لولا الله.
وكلما قالت: أنا وصلت، قال لها:
بل الله أوصلك.
وكلما قالت: أنا جاهدت، قال:
بل الله أعانك على جهادك.
وهكذا يُقتل طاغوت النفس لا بالسيف عليها، بل بنزع دعوى الاستقلال عنها.
حتى لا يبقى في القلب إلا العبودية.
وهنا يصبح التمكين الحقيقي:
أن يُمكّن الله فينا نور العبودية، بعدما أُضعف سلطان النفس.
فإذا سقط طاغوت الداخل، صار القلب أقدر على نصرة إمام الحق في الخارج.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام تراتبية الاستضعاف — من الإمام إلى الأنصار
وهنا نصل إلى تراتبية هذا الاستضعاف…
فبعد أبانا وإمامنا الحنون، صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف، يأتي أنصاره وأصحابه.
لأنهم، كإمامهم، يدافعون عن معالم الدين وأهله.
فالإمام هو المستضعف الأعظم، ومنه يمتد نور هذا الاستضعاف إلى من حمل رايته، وسار في طريقه، وحمل همَّ الدين وأهله.
هم الذين يعطشون ويسقون،
ويكسون ويُعرَون،
ويجوعون ويُطعِمون…
حتى يبلغ بهم مقام الإيثار أن يطعموا الطعام على حبه:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
هنا تتضح حقيقة الاستضعاف:
ليس الاستضعاف أن تُسلب منك القوة، بل أن تسلب نفسك لله.
أن يكون عندك ما تعطيه، فتؤثر غيرك به.
أن تكون محتاجًا، فتُطعم.
أن تعطش، فتسقي.
أن تتعب، فتخدم.
أن تُعرّى من الراحة، لتكسو غيرك.
وأن يكون كل ذلك لوجه الله، لا طلبًا لجزاء، ولا انتظارًا لشكر.
وهكذا يكون أنصار الإمام امتدادًا لنوره في الأرض؛ يحملون من همّه بقدر ما حملوا من معرفته، ويدافعون عن معالم الدين وأهله لا لأنفسهم، بل لأنهم رأوا أن الدين أمانة، وأن أهل الدين أمانة، وأن خدمة الخلق في طريق الله عبودية.
فكلما اقترب العبد من مقام الإمام، ازداد حمله، وقلّت مطالب نفسه.
وكلما صدق في نصرة الحق، خرج من سؤال:
ماذا سأخذ؟
إلى سؤال:
ماذا أستطيع أن أعطي لله؟
وهنا تبدأ الوراثة…
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
فالإرث الحقيقي ليس إرث الأرض وحدها، بل إرث النور، والعبودية، وحمل الأمانة، ونصرة الحق.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام: كل ذرة سبيل الله
أبانا أبا عبد الله الحسين عليه السلام...
كانت كل ذرة من ذرات وجوده سبيلًا إلى الله.
نحن إذا آلمنا ضرسنا، ربما عجزنا عن احتمال الألم من شدته...
أما أبانا وإمامنا الحنون، أبا عبد الله الحسين عليه السلام، فقد طُحنت أضراسه تحت سنابك الخيل...
فأيُّ قلبٍ هذا؟
وأيُّ تسليمٍ هذا؟
وأيُّ بذلٍ هذا؟
كل ذلك كان من أجل الدفاع عن معالم الدين وأهله.
وهنا علينا أن نسأل:
ما هي معالم الدين التي بذل الحسين عليه السلام نفسه من أجلها؟
ليست مجرد كلماتٍ نرددها...
بل أن تحيا الحياة التي أرادها الله.
أن تحيا بعزة وكرامة، لا بذلٍّ واستعباد.
أن يبقى الخير حيًّا.
أن تبقى الرحمة حيّة.
أن يبقى السلام قائمًا.
أن يبقى الإنسان إنسانًا، مصون الكرامة، محفوظ الحق، عزيزًا بالله.
الحسين عليه السلام لم ينهض من أجل أن تبقى لنا صورة من الدين بلا روح...
بل لكي يبقى دين الله حيًّا في الإنسان والمجتمع.
ولهذا كانت كربلاء تقول لنا:
إذا كان كل ما عندي لله...
فليس جسدي وحده لله.
بل ألمي لله، وصبري لله، وعلمي لله، ومالي لله، وعمري لله، وكل ذرة من وجودي لله.
وهكذا نفهم:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
فالمستضعف الذي يريد الله أن يرفعه ليس مشروعه أن يستبدل ظلمًا بظلم...
بل أن يعود الإنسان إلى العزة والكرامة والرحمة والعدل.
وهذا بعض ما تعلّمناه من أبي عبد الله:
أن تكون حياتنا كلها سبيل الله...
حتى تصبح كل ذرة في وجودنا تقول:
يا رب، خذ حتى ترضى؛ فما عندي إلا ما جعلتَه لي سبيلًا إليك.
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام المنّة الإلهية على المستضعفين
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
هذه الآية كلما قلناها وتأملنا فيها، أدركنا أن ما نعرفه من معناها ربما ليس إلا ذرة من بحر معناها.
نريد أن نفندها حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة.
نبدأ من:
﴿وَنُرِيدُ﴾
هذه الواو ليست مقطوعة عن سياق السورة، بل تعطف ما بعدها على ما قبلها.
نحن في بداية السورة:
﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
ثم نصل إلى:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾
فكأننا أمام سياق واحد:
آيات الكتاب المبين... نتلو... ونريد...
ثم ماذا نريد؟
﴿أَن نَّمُنَّ﴾
يا لها من كلمة!
على من هذه المنّة؟
﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
أي أن الذين استُضعفوا لم تكن نهايتهم أن يبقوا في موضع الاستضعاف.
بل هناك إرادة إلهية فوق إرادة المستكبرين.
المستكبرون أرادوا لهم الضعف...
والله يريد لهم شيئًا آخر.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾
ثم لا تتوقف المنّة عند العطاء:
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾
ثم:
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
فانظري إلى هذا التدرج:
استضعاف → منّة → إمامة → وراثة.
ليست القضية مجرد أن يرفع الله عنهم الظلم.
بل أن ينقلهم من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام.
وهنا نقف عند:
﴿اسْتُضْعِفُوا﴾
لم يقل: الضعفاء.
فالاستضعاف يحمل معنى أن هناك من أراد أن يجعلهم في موضع الضعف والقهر.
ولهذا نتأمل في المستضعفين الذين ثبتوا على الحق، وحفظوا معالم الدين وأهله، ولم يجعلوا استضعافهم سببًا لترك طريق الله.
ومن هنا نستحضر إمامنا الحنون، صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي نرجو أن يظهر الله به دولة العدل، ويُعزّ به أهل الحق ويزيل به دولة الاستكبار.
لكن الآية لا تقول فقط:
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾
بل تضيف:
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
وكأن المنّة الإلهية لا تنتهي عند النجاة من الاستضعاف، بل تبلغ إلى التمكين والقيام بمسؤولية الحق.
فيا من يقرأ:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾
لا تمرّ عليها مرورًا.
اسأل نفسك:
ما هذه المنّة؟
ومن هم الذين استُضعفوا؟
ولماذا كانت عاقبتهم الإمامة والوراثة؟
وكيف ينتقل الإنسان من موضع الاستضعاف إلى موضع المسؤولية؟
كلما أعدنا قراءة الآية، وجدنا بابًا جديدًا من أبواب التدبر.
وكأن الآية تقول لنا:
لا تنظروا إلى حال المستضعف بعين المستكبر...
انظروا إليه بعين إرادة الله.
فما يراه المستكبر ضعفًا، قد يكون الله قد أعدّه لمقامٍ لا يخطر على قلب بشر.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
🕊️✨ مشكاة مهدي
مقام العبور من عالم التسخير إلى عالم التوحيد
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
فرعون علا في الأرض،
ولم يكن استكباره مجرد علوٍّ في المكان، بل علوًّا في مقام النفس حين تتوهم أنها تملك الناس.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾
أي جعلهم أصنافًا وفرقًا، وجعل لكل فئة وظيفةً في منظومة التسخير؛
هذا للخدمة، وهذا للجباية، وهذا للزرع، وهذا للحصاد، حتى يتحول الإنسان من خليفةٍ واعٍ إلى أداةٍ في نظامٍ مادي يخدم المستكبر.
ثم يبلغ الاستكبار غايته في الاستضعاف:
﴿يَذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾
فالاستكبار حين ينفصل عن التوحيد لا يرى في الإنسان أمانةً إلهية، بل يراه شيئًا قابلًا للتسخير والإخضاع.
ومن هنا يظهر وجهٌ آخر للفرعونية:
أن تتحول النفس من عبدٍ لله إلى مستكبرٍ على عباد الله.
فالإنسان أُعطي العقل ليعبر به من ظاهر الأشياء إلى حقيقتها، ومن عالم الحس إلى عالم المعنى، ومن الوسيلة إلى الغاية.
لكن حين يستغرق في الماديات ويعطل عقله وبصيرته، يصبح كمن يملك عينين ولا يرى بهما، وعقلًا ولا يهتدي به.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾
فالأنعام لم تُكلَّف بما كُلِّف به الإنسان،
أما الإنسان فقد مُنح العقل والإرادة والقدرة على العبور.
ولهذا فليست المشكلة في العالم المادي بذاته؛
فالمادة من خلق الله، وهي وسيلة،
لكن الخطر أن تتحول الوسيلة إلى غاية،
فيُحبس الإنسان في عالم الحس، وينسى عالم المعنى.
والعالم المادي في هذا المقام ليس نهاية الطريق،
بل ممرٌّ إلى ما وراءه؛
إلى عالم الغيب، وإلى البرزخ، وإلى الحقيقة التي لا تُدرك بالحواس وحدها.
فالتوحيد يحرر الإنسان من كل تسخيرٍ لغير الله:
لا يكون عبدًا للمادة،
ولا للسلطة،
ولا للمال،
ولا للخلق؛
بل يكون عبدًا لله، ويجعل ما في يده وسيلةً للعبور إليه.
وهنا ينقلب معنى الوجود كله:
المادة وسيلة،
والعقل دليل،
والروح عابرة،
والغاية الله.
🕊️✨ مشكاة مهدي
❗️الشرق الأوسط على شفى الانفجار، وهجمات يومية في الساحات في جنوب لبنان وغزة واليمن وإسرائيل وقريبا في إيران والعديد من الأحداث في جميع أنحاء المنطقة التي تحتاج لمصدر مسؤول لنقلها، هل ترغب في أن تكون أول من يتم إعلامك على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بالتحديثات والتسريبات الحصرية الخاصة؟ ندعوك للانضمام والتحديث من إحدى القنوات الأسرع والأكثر موثوقية أحداث العالم
ندعوك لتحويل الرسالة عبر قنواتك ورسائلك الخاصة.
هنيئًا لكِ هذا الشرف العظيم،
أن تكوني من الكربلائيين الحسينيين،
من أهل المواساة، وأهل الأمانة والعهد.
فكلُّ ما في الكون أمانة،
وكلُّ ما يصل إلينا من الله أمانة،
فنسأله أن يجعلنا من الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.
ونحن أحيانًا نتأذّى لأننا نشاء نجمة،
والله يشاء أن يعطينا مجرّة.
نحزن لأننا طلبنا شيئًا صغيرًا،
ولا ندرك أن الله يحجب عنّا ما تمنّيناه
ليفتح لنا بابًا لم نكن نراه.
فليس كلُّ منعٍ حرمانًا،
ولا كلُّ تأخيرٍ إبعادًا،
ولا كلُّ وجعٍ عقوبة.
قد يكون الله ينقلنا من اختيارنا إلى اختياره،
ومن ضيق ما نريد إلى سعة ما يريد،
ومن نجمةٍ نتعلّق بها
إلى مجرّةٍ كاملةٍ من رحمته.
وهنا يكون التسليم:
أن أقول لله وأنا لا أرى:
أنت أعلم بما يصلح لي،
وأنا عبدتك في عطائك ومنعك،
فاجعلني أمينًا على ما استودعتني،
وثبّتني على عهدك،
واجعلني من أهل المواساة لكربلاء،
لا من أهل التمنّي فقط.
🕊️✨
مشكاة مهدي
ونحن بصدد الحديث عن قربان الرضيع، لا نتحدث عن طفلٍ حضر كربلاء في آخر لحظاتها فحسب؛ بل عن قربانٍ جاء به أبوه، بحسب ما ترويه الذاكرة الحسينية، يومًا بيوم، وشهرًا بشهر، حتى إذا اكتمل حضوره في الدنيا، كان مآله أن يكون ذبيحًا بين يدي أبيه.
وهنا تتجلّى كربلاء في أبلغ صور البلاء:
أن يحمل الأب طفله، لا ليحتمي به من البلاء، بل ليقدّمه لله.
أن تكون يدُ الأب هي التي تحمل القربان، وعينُ الأب هي التي تشهد الذبح، وقلبُ الأب هو الذي يتلقى الفاجعة… ثم لا يكون في ذلك اعتراضٌ على الله.
فكلُّ بلاءٍ في الكون، مهما عظم، يبقى ذَرّةً أمام كربلاء؛
لأن كربلاء لم تُسربل ببلاءٍ واحد، بل اجتمع فيها بلاءُ الفقد، وبلاءُ العطش، وبلاءُ الغربة، وبلاءُ قتل الأحبة، حتى بلغ البلاء رضيعَ الحسين.
كأن كربلاء تقول لنا:
ليس أعظم البلاء أن تفقد ما تحب،
بل أن تحب ما عند الله أكثر مما تحب ما بين يديك.
وهنا يصبح الرضيع قربانًا،
ويصبح الأب حسينًا،
ويصبح الدم شهادةً على التسليم،
وتصبح كربلاء مدرسةً لا يُقاس بلاؤها بمقدار الألم فقط، بل بمقدار العبودية التي احتملته.
فسلامٌ على الحسين،
وعلى عليّ الأصغر،
وعلى قلب الأب الذي حمل قربانه إلى الله.