7620
قناة سيدتي كل ما يهم المرأة كل مايهم المرأة العصرية والفتاة العربية . @Sayidati
وَإِذَا كَانَتْ هذِهِ هِيَ أَخْلاقَ المُلُوكِ الَّتِي نَصَحُوا بِهَا لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِمْ، فَأَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تَتَغَافَلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَهُمْ رَعِيَّتُكَ، وَأَنْتَ مِثْلُ المَلِكِ فِيهِمْ.
وَلا تَسْتَقِيمُ لَكَ الحَيَاةُ مَعَ زَوْجَتِكَ إِلاَّ بِالتَّغَافُلِ عَنْ بَعْضِ أَخْطَائِهَا، فَمَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ حَقَّهُ أَبَدًا.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
8 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ*
هذَا صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الصِّفَاتِ الحَمِيدَةَ، وَالخِصَالَ الجَمِيلَةَ، وَيَتَرَفَّعُونَ عَنِ الِانْشِغَالِ بِصَغَائِرِ الأُمُورِ، وَتَفَاصِيلِهَا، تَصِفُهُ هٰذِهِ المَرْأَةُ الخَامِسَةُ فَتَقُولُ:
زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ كَرِيمُ الطَّبْعِ، نَزِهُ الهِمَّةِ، حَسَنُ العِشْرَةِ، لَيِّنُ الجَانِبِ فِي بَيْتِهِ، لَيْسَ يَتَفَقَّدُ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى جَانِبِ البَيْتِ، وَلَا يَطْلُبُ مَا فَقَدَ مِنْهُ وَعَهِدَ فِيهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ مَأْكُولٍ وَشِبْهِهِ، وَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ لِسَخَاوَةِ نَفْسِهِ، وَسَعَةِ قَلْبِهِ، فَكَأَنَّهُ سَاهٍ أَوْ نَائِمٌ أَوْ غَافِلٌ عَنْ ذٰلِكَ؛ فَشَبَّهَتْهُ بِالفَهْدِ لِذٰلِكَ، وَهٰذِهِ الخَصْلَةُ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَقَدْ قِيلَ: العَاقِلُ: الفَطِنُ المُتَغَافِلُ)).
((ثُمَّ وَصَفَتْهُ أَيْضًا بِالشَّجَاعَةِ إِذَا خَرَجَ لِلنَّاسِ وَبَاشَرَ الحَرْبَ، فَكَأَنَّهُ الأَسَدُ الَّذِي يَخَافُهُ كُلُّ سَبُعٍ)). (بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ص160)
فَهٰذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ جَمَعَ خِصَالًا جَمِيلَةً، وَأَخْلَاقًا حَمِيدَةً:
أَوَّلُهَا: أَنَّ تَعَامُلَهُ دَاخِلَ البَيْتِ مَعَ أَهْلِهِ يَخْتَلِفُ عَنْ تَعَامُلِهِ خَارِجَ البَيْتِ مَعَ النَّاسِ.
فَتَعَامُلُهُ دَاخِلَ البَيْتِ مَعَ أَهْلِهِ فِيهِ اللِّينُ وَالرَّحْمَةُ، وَتَعَامُلُهُ خَارِجَ البَيْتِ فِيهِ القُوَّةُ وَالشَّجَاعَةُ.
وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ هٰذَا الصِّنْفَ مِنَ الرِّجَالِ، يَمْتَلِكُ القُدْرَةَ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ طَرِيقَةِ مُعَامَلَةِ الرِّجَالِ، وَمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ.
فَهُوَ رَجُلٌ شُجَاعٌ مِقْدَامٌ يَحْسِبُ لَهُ النَّاسُ أَلْفَ حِسَابٍ، وَيَهَابُهُ الأَعْدَاءُ.
هٰذِهِ الشَّجَاعَةُ المَحْمُودَةُ تُحِبُّهَا المَرْأَةُ، لِأَنَّهَا تَشْعُرُ بِالأَمَانِ مَعَ الرَّجُلِ القَوِيِّ، وَتُحِبُّ الفَخْرَ بِذٰلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ يُهَانُ زَوْجُهَا خَارِجَ بَيْتِهِ وَيُعَذَّبُ، وَلَيْسَ لَهُ شَخْصِيَّةٌ قَوِيَّةٌ خَارِجَ البَيْتِ، فَالمَرْأَةُ مَعَهُ تَعِيشُ مُعَانَاةً شَدِيدَةً، وَاقْرَأْ إِنْ شِئْتَ قِصَّةَ (مُعَانَاةِ المَرْأَةِ فِي زَمَنِ مُوسَى) وَالَّتِي كَتَبْتُهَا فِي رَمَضَانَ المَاضِي، لِتُدْرِكَ كَيْفَ كَانَتِ المَرْأَةُ تَعِيشُ مُعَانَاةَ إِذْلَالِ فِرْعَوْنَ لِلرِّجَالِ.
أَيْضًا هٰذَا الرَّجُلُ القَوِيُّ لَا يَسْتَخْدِمُ هٰذِهِ القُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ دَاخِلَ البَيْتِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْدِمُ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ اللِّينَ وَالرَّحْمَةَ فِي التَّعَامُلِ.
وَبِهٰذَا يَكْسِبُ قُلُوبَهُمْ.
قَالَ عُمَرُ: الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ، وَالنِّسَاءُ ثَلَاثَةٌ:
• فَامْرَأَةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ لَيِّنَةٌ وَدُودَةٌ وَلُودَةٌ، تُعِينُ أَهْلَهَا عَلَى الدَّهْرِ، وَلَا تُعِينُ الدَّهْرَ عَلَى أَهْلِهَا - وَقَلِيلاً مَا تَجِدُهَا -.
• وَامْرَأَةٌ وِعَاءٌ، لَا تَزِيدُ عَلَى أَنْ تَلِدَ الأَوْلَادَ.
• وَالثَّالِثَةُ غُلٌّ، قُمَّلٌ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي عُنُقِ مَنْ شَاءَ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَنْزِعَهُ نَزَعَهُ.
وَالرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ:
• رَجُلٌ عَفِيفٌ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ذُو رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ، إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ ائْتُمِنَ رَأْيُهُ وَصَدَرَ الأُمُورَ مَصَادِرَهَا.
• وَرَجُلٌ لَا رَأْيَ لَهُ، إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ أَتَى ذَا الرَّأْيِ والْمَشُورَةِ فَنَزَلَ عِنْدَ رَأْيِهِ.
• وَرَجُلٌ حَائِرٌ، بَائِرٌ، لَا يَأْتَمِرُ رُشْدًا، وَلَا يُطِيعُ مُرْشِدًا. (مشيخة يعقوب بن سفيان الفسوي ص44)
وَهٰذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّجَالِ مَمْدُوحٌ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم فِي أَكْثَرَ مِنْ حَدِيثٍ، مِنْهَا:
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، قَرِيبٍ سَهْلٍ)). (رواه ابن حبان)
وَاسْتِخْدَامُ اللِّينِ وَالرِّفْقِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ أَهْلِ البَيْتِ، عَلَامَةٌ عَلَى الخَيْرِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِمْ.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ)). (رواه أحمد)
*زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ*
إِذَا كَانَتْ أَصْنَافُ الرِّجَالِ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ سَيِّئَةً، فَهَذَا صِنْفٌ طَيِّبٌ مِنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ.
وَهَكَذَا هِيَ الْحَيَاةُ؛ فِيهَا الطَّيِّبُ وَفِيهَا الْخَبِيثُ، فَلَا يَصِحُّ تَعْمِيمُ صِنْفٍ وَاحِدٍ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لَا عَلَى الرِّجَالِ وَلَا عَلَى النِّسَاءِ.
بَلِ التَّعْمِيمُ فِي الْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ، سَوَاءٌ عُمِّمَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ، أَوْ قَبِيلَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرِّجَالَ كُلَّهُمْ سَوَاءٌ، وَلَا يُقَالَ: إِنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ سَوَاءٌ، بَلْ فِي كُلٍّ خَيْرٌ.
فَهَذَا صِنْفٌ طَيِّبٌ مِنَ الرِّجَالِ يَخْتَلِفُ عَمَّنْ سَبَقَهُ، إِذْ تَصِفُهُ الْمَرْأَةُ الرَّابِعَةُ بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لا حَرٌّ، وَلا قُرٌّ، وَلا مَخَافَةَ، وَلا سَآمَةَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((تَقُولُ: لَيْسَ عِنْدَهُ أَذًى، وَلَا مَكْرُوهٌ. وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ، لِأَنَّ الحَرَّ وَالبَرْدَ كِلَيْهِمَا فِيهِ أَذًى إِذَا اشْتَدَّا.
(وَلَا مَخَافَةَ): تَقُولُ: لَيْسَتْ عِنْدَهُ غَائِلَةٌ وَلَا شَرٌّ أَخَافُهُ.
(وَلَا سَآمَةَ): تَقُولُ: لَا يَسْأَمُنِي فَيَمَلَّ صُحْبَتِي)). (غريب الحديث 2/ 168)
وَقَالَ الأَصْبَهَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((لَيَالِي تِهَامَةَ تُذْكَرُ بِالطِّيبِ، أَيْ: لَيْسَ عِنْدَهُ أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ)).
(التحرير في شرح صحيح مسلم ص553)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((أَيْ: أَنَّهُ - تَعْنِي زَوْجَهَا - لَيْسَ فِيهِ ثِقَلٌ وَلَا فَدَامَةٌ، بَلْ هُوَ حُلْوُ الشَّمَائِلِ، خَفِيفٌ عَلَى المُصَاحَبِ، مُسْتَلَانُ الجَانِبِ)). (بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ص149)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَوَصَفَتْ زَوْجَهَا بِجَمِيلِ الْعِشْرَةِ، وَاعْتِدَالِ الْحَالِ، وَسَلَامَةِ الْبَاطِنِ؛ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَا أَذَى عِنْدَهُ وَلَا مَكْرُوهَ، وَأَنَا آمِنْةٌ مِنْهُ؛ فَلَا أَخَافُ مِنْ شَرِّهِ، وَلَا مَلَلَ عِنْدَهُ فَيَسْأَمُ مِنْ عِشْرَتِي، أَوْ لَيْسَ بِسَيِّئِ الْخُلُقِ؛ فَأَسْأَمُ مِنْ عِشْرَتِهِ، فَأَنَا لَذِيذَةُ الْعَيْشِ عِنْدَهُ، كَلَذَّةِ أَهْلِ تِهَامَةَ بِلَيْلِهِمُ الْمُعْتَدِلِ)). (فتح الباري 9/ 261)
فَهٰذِهِ المَرْأَةُ وَصَفَتْ زَوْجَهَا وَصْفًا بَلِيغًا، بَيَّنَتْ فِيهِ خِصَالَهُ الحَمِيدَةَ الَّتِي تَتَمَنَّاهَا كُلُّ امْرَأَةٍ فِي زَوْجِهَا.
فَكُلُّ امْرَأَةٍ تَسْعَدُ بِشُعُورِهَا بِالأَمَانِ مَعَ زَوْجِهَا.
وَهٰذَا الشُّعُورُ يَأْتِي بِسَبَبِ تَصَرُّفَاتِ الزَّوْجِ، وَتَفْقِدُهُ كَذٰلِكَ بِسَبَبِ تَصَرُّفَاتِ الزَّوْجِ.
فَتَهْدِيدُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَتْفَهِ الأَسْبَابِ، أَوْ يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الطَّلَاقِ أَمَامَهَا، يُفْقِدُهَا الأَمَانَ النَّفْسِيَّ، وَيُعِيشُهَا فِي خَوْفٍ دَائِمٍ، لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ مِنْ هٰذَا الجَانِبِ.
وَلَا يَلِيقُ بِالرَّجُلِ العَاقِلِ أَنْ يُهَدِّدَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَدْنَى مُشْكِلَةٍ تَحْصُلُ بَيْنَهُمَا، بَلِ الرَّجُلُ العَاقِلُ لَا يَذْكُرُ الطَّلَاقَ أَمَامَ زَوْجَتِهِ، وَلَا يُطَلِّقُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِنْفَادِ كُلِّ الوَسَائِلِ فِي حَلِّ مُشْكِلَتِهِ مَعَهَا، وَبَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ وَالتَّرَوِّي.
إِنَّ شُعُورَ المَرْأَةِ بِالأَمَانِ مَعَ زَوْجِهَا يُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ السَّعَادَةِ لَدَيْهَا، وَهُوَ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ عَطَائِهَا وَتَضْحِيَتِهَا مِنْ أَجْلِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ، فَحَافِظْ عَلَيْهِ تَسْعَدْ.
هٰذَا الشُّعُورُ بِالأَمَانِ وَصَفَتْهُ هٰذِهِ المَرْأَةُ الرَّابِعَةُ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ مُهِمَّةٍ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ:
أَوَّلُهَا: الِاعْتِدَالُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجَةِ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَقَدْ شَبَّهَتْهُ المَرْأَةُ بِلَيْلِ تِهَامَةَ؛ لَا حَرٌّ وَلَا قَرٌّ، يَعْنِي مُعْتَدِلٌ جَمِيلٌ.
وَهٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ، لَا يُؤْذِي زَوْجَتَهُ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّهَا صَاحِبَتُهُ فِي هٰذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالَّتِي اخْتَارَهَا بِرِضَاهُ، وَحَفِيَ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا، وَقَدَّمَ لَهَا المَالَ وَالذَّهَبَ وَالهَدَايَا لِتَقْبَلَ بِهِ، أَبَعْدَ هٰذَا يُؤْذِيهَا؟!
وَهُوَ سُرْعَانَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا، فَلِمَاذَا يُكَدِّرُ خَاطِرَهَا، وَيُزْعِجُ نَفْسَهَا!
﴿وإذا مرضتُ فهو يشفين﴾
يُشفيك بسبب
ويشفيك بأضعف سبب
بل ربما يشفيك بلا سبب
فلا تغفل عن اسم الله الشافي
فلا شفاءَ إلا شفاءُه..
أَمَّا وَصْفُهُ بِأَنَّهُ لَا تَتَحَكَّمُ فِيهِ النِّسَاءُ، فَهَذَا مِنْ مَعَانِي الرُّجُولَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ مَذَمَّةً، وَسِيَاقُ حَدِيثِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَذُمُّهُ بِوَصْفِهِ طَوِيلًا.
فَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرِّجَالِ لَهُمْ مَظْهَرٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَخْبَرٌ.
وَمَعَ الْأَسَفِ يَكْثُرُ الْيَوْمَ بَيْنَ الشَّبَابِ مَنْ يَعْتَنِي بِمَظْهَرِهِ لِيَخْرُجَ بَيْنَ النَّاسِ بِشَكْلٍ أَنِيقٍ، فَإِذَا نَطَقَ وَتَكَلَّمَ أَظْهَرَ لَكَ عَقْلَهُ الصَّغِيرَ.
وَحَتَّى يَتَخَلَّصَ الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْآفَةِ فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالثَّقَافَةِ الَّتِي تُنَمِّي عَقْلَهُ، لَا الَّتِي تُنَمِّي عَضَلَاتِهِ وَحَسْبُ!
وَالْمُصِيبَةُ الْكُبْرَى لَوِ انْشَغَلَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ بِمَا يُسَمَّى الْيَوْمَ بِـ«التَّفَاهَةِ»؛ فَإِنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ سَتَنْهَارُ سَرِيعًا.
وَمَنْ نَظَرَ إِلَى حَيَاةِ الْمَشَاهِيرِ عَنْ كَثَبٍ وَجَدَ الشَّقَاءَ وَالدَّمَارَ الَّذِي يَعِيشُهُ هَؤُلَاءِ، الَّذِينَ يَخْدَعُونَ النَّاسَ بِالْمَظَاهِرِ الْبَرَّاقَةِ، وَيَنَامُونَ عَلَى أَشْوَاكِ الْمَشَاكِلِ وَالِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ عُقُولَهُمْ اِشْتَغَلَتْ بِالتَّوَافِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَكَانَ جُلُّ اهْتِمَامِهِمُ التَّصْوِيرَ الْبَرَّاقَ الْكَاذِبَ، وَنَشْرَهُ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ لِكَسْبِ الْمُتَابِعِينَ، وَنَيْلِ الشُّهْرَةِ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الْمُعَانَاةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي عَاشَتْهَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ، بَلْ هُنَاكَ مُعَانَاةٌ أُخْرَى عَبَّرَتْ عَنْهَا بِقَوْلِهَا:
إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (( وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَيْضًا أَنَّهَا أَرَادَتْ وَصْفَ سُوءِ حَالِهَا عِنْدَهُ، فَأَشَارَتْ إِلَى سُوءِ خُلُقِهِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِ لِكَلَامِهَا إِنْ شَكَتْ لَهُ حَالَهَا، وَأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهَا مَتَى ذَكَرَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى طَلَاقِهَا، وَهِيَ لَا تُؤْثِرُ تَطْلِيقَهُ لِمَحَبَّتِهَا فِيهِ، ثُمَّ عَبَّرَتْ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا إِنْ سَكَتَتْ صَابِرَةً عَلَى تِلْكَ الْحَالِ كَانَتْ عِنْدَهُ كَالْمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَا ذَاتُ زَوْجٍ وَلَا أَيِّمٌ)).
(فتح الباري 9/ 261)
فَهِيَ لَا تَعِيشُ مَعَهُ مُطْمَئِنَّةً، بَلْ تَعِيشُ فِي قَلَقٍ دَائِمٍ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَمُقْتَضَى جَمِيعِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ سُوءُ الخُلُقِ وَالعِشْرَةِ، وَأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ أَذَاهُ وَضَرَّهُ، وَأَنَّهُ مَعَ هَذَا مَذْمُومُ المَرْأَى وَالخِلْقَةِ، وَأَنَّهَا عَلَى حَذَرٍ مِنْ صُحْبَتِهِ، غَيْرُ مُطْمَئِنَّةِ النَّفْسِ، وَلَا مُسْتَقِرَّةِ الجَأْشِ مَعَهُ، مُتَوَقِّعَةً أَذَاهُ أَوْ فِرَاقَهُ؛ فَهِيَ مَعَهُ كَمَنْ هُوَ عَلَى حَدِّ السِّنَانِ مِنَ المَخَافَةِ وَالحِذَارِ، وَعَدَمِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ يَكُونُ عَلَى حَذَرٍ وَغَيْرِ اسْتِقْرَارٍ: كَأَنَّهُ عَلَى مِثْلِ سِنِّ الرُّمْحِ، وَمِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ، وَمِثْلِ قَرْنِ الظَّبْيِ)).
(بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ص146)
مِنَ القَضَايَا المُهِمَّةِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَيَاتِهَا الزَّوْجِيَّةِ أَنْ تَشْعُرَ بِالأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ مَعَ زَوْجِهَا.
وَهَذِهِ المَرْأَةُ لَا تَعْرِفُ الأَمْنَ وَلَا الِاسْتِقْرَارَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَقْبَلُ مِنْهَا الكَلَامَ، وَيُهَدِّدُهَا بِالطَّلَاقِ لَوْ تَكَلَّمَتْ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَاشَتْ مَعَهُ مُعَلَّقَةً.
وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَهَى الرَّجُلَ عَنْ إِيذَاءِ المَرْأَةِ بِتَعْلِيقِهَا فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَلَا هِيَ زَوْجَةٌ وَلَا هِيَ مُطَلَّقَةٌ، فَقَالَ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]
قَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَإِنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا تَرَكَ زَوْجُهَا مَا يَجِبُ لَهَا، صَارَتْ كَالمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا؛ فَتَسْتَرِيحَ وَتَسْتَعِدَّ لِلتَّزَوُّجِ، وَلَا ذَاتَ زَوْجٍ، يَقُومُ بِحُقُوقِهَا)). (تفسير السعدي 207)
وَتَعْلِيقُ المَرْأَةِ مُؤْذٍ جِدًّا لَهَا؛ لِأَنَّ الحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى العَلَاقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِذَا قَصَّرَ الزَّوْجُ فِي إِعْفَافِ المَرْأَةِ، فَإِنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِلْفِتْنَةِ، وَخَاصَّةً فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي تَخْتَلِطُ فِيهِ المَرْأَةُ بِالرِّجَالِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَعْمَالِ.
السعادة هي أن تكسب أشخاصاً
لا يجيدون التصنع
ولا يتلاعبون بالأقنعة
يسعون لسعادتك
يحزنون لحزنك
تغيب عـن أعينهم فجأة
ولكنك لا تغيب عن قلوبهم أبداً
-
مع ساعات الصبح الباكرة ..⛅️🕊
ربّ لا تجعل للحزن مكانًا في قلوبنا ..
وإن ضاقت بنا الأحوال يومًا
فأوسعها برحمتك ..
فَأَجَازَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا، وَقَيَّدَ ذَلِكَ (بِالمَعْرُوفِ) فَلَا تُسْرِفَ فِي الأَخْذِ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَلَا تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهَا الأَسَاسِيَّةِ.
Читать полностью…
*زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ*
بَعْدَ أَنْ جَلَسَ النِّسْوَةُ وَتَعَاهَدْنَ عَلَى الصِّدْقِ فِي الحَدِيثِ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ، وَأَلَّا يَكْتُمْنَ شَيْئًا، قَالَتِ الأُولَى:
زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ.
هَذِهِ الزَّوْجَةُ تَذُمُّ زَوْجَهَا بِعِدَّةِ صِفَاتٍ قَبِيحَةٍ، وَتُشَبِّهُهُ بِلَحْمِ الجَمَلِ الفَاسِدِ، وَهُوَ مَعَ فَسَادِهِ مَوْضُوعٌ عَلَى أَعْلَى الجَبَلِ، وَالجَبَلُ وَعْرٌ، فَمَنْ سَيَطْمَعُ فِي لَحْمٍ هَزِيلٍ فَاسِدٍ يَصْعُبُ الوُصُولُ إِلَيْهِ؟ وَنَقْلُهُ مِنْ مَكَانِهِ لَا يُسَاوِي التَّعَبَ الَّذِي يُبْذَلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ هَزِيلٌ فَاسِدٌ!
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((تَصِفُ قِلَّةَ خَيْرِهِ وَبُعْدَهُ مَعَ القِلَّةِ، كَالشَّيْءِ فِي قُلَّةِ الجَبَلِ الصَّعْبِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِالمَشَقَّةِ)). (غريب الحديث 2/164)
وَقِلَّةُ خَيْرِهِ تَعْنِي البُخْلَ، وَهِيَ صِفَةٌ ذَمِيمَةٌ فِي الرِّجَالِ خَاصَّةً.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَصَفَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ زَوْجَهَا بِالبُخْلِ وَقِلَّةِ الخَيْرِ، وَبُعْدِهِ مِنْ أَنْ يُنَالَ خَيْرُهُ -مَعَ قِلَّتِهِ - كَاللَّحْمِ الهَزِيلِ أَوِ الفَاسِدِ المُنْتِنِ، الَّذِي يُزْهَدُ فِيهِ فَلَا يُطْلَبُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ صَعْبٍ وَعْرٍ، أَوْ قَوْزِ رَمْلٍ دَهْسٍ؛ لَا يُمْكِنُ المَشْيُ فِيهِ، وَلَا يُنَالُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ؟!)). (بغية الرائد 129)
وَالبُخْلُ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ جِدًّا بَيْنَ النَّاسِ، فَالبَخِيلُ يَمْنَعُ أَمْوَالَهُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّونَهَا، أَوْ تَجِبُ لَهُمْ.
وَأَكْثَرُ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِالبُخْلِ هِيَ الزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّ البَخِيلَ يَمْنَعُهَا حَقَّهَا مِنَ النَّفَقَةِ، وَهُوَ ضَرَرٌ مُسْتَمِرٌّ مَا دَامَتْ عَلَى ذِمَّتِهِ. لِذَلِكَ قَالَ بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ الحَافِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لَا تُزَوِّجِ البَخِيلَ وَلَا تُعَامِلْهُ. (نضرة النعيم 9/ 4043)
وَهَذِهِ نَصِيحَةٌ غَاليَةٌ مِنْ عَالِمٍ جَلِيلٍ، لِكُلِّ امْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ عَلَى الزَّوَاجِ: لَا تُوَافِقِي عَلَى البَخِيلِ؛ فَالبَخِيلُ لَيْسَ لَهُ خَلِيلٌ إِلَّا المَالُ.
فَالبَخِيلُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا، وَلَا أَنْ يَتَرَأَّسَ النَّاسَ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَن سَيدُكُم يَا بَني سَلَمَةَ؟))، قُلنا: جَدُ بْنُ قَيسٍ، عَلى أنَّا نُبَخِّلَهُ. قَالَ: ((وَأَيُ دَاءٍ أَدوَى مِنَ البُخلِ! بَلْ سَيِدُكُم: عَمرو بن الجَمُوح)). (رواه البخاري في الأدب المفرد)
فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَتَرَأَّسَ النَّاسَ الرَّجُلُ البَخِيلُ، وَوَصَفَ البُخْلَ بِأَنَّهُ أَشَدُّ الأَمْرَاضِ فَتْكًا بِأَخْلَاقِ الإِنْسَانِ.
قَالَ المَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَقَدْ يَحْدُثُ عَنِ البُخْلِ مِنَ الأَخْلَاقِ المَذْمُومَةِ - وَإِنْ كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى كُلِّ مَذَمَّةٍ - أَرْبَعَةُ أَخْلَاقٍ، نَاهِيكَ بِهَا ذَمًّا، وَهِيَ: الحِرْصُ، وَالشَّرَهُ، وَسُوءُ الظَّنِّ، وَمَنْعُ الحُقُوقِ)).
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَأَمَّا مَنْعُ الْحُقُوقِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ الْبَخِيلِ لَا تَسْمَحُ بِفِرَاقِ مَحْبُوبِهَا. وَلَا تَنْقَادُ إلَى تَرْكِ مَطْلُوبِهَا، فَلَا تُذْعِنُ لِحَقٍّ، وَلَا تُجِيبُ إلَى إنْصَافٍ. وَإِذَا آلَ الْبَخِيلُ إلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، وَالشِّيَمِ اللَّئِيمَةِ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ خَيْرٌ مَرْجُوٌّ وَلَا صَلَاحٌ مَأْمُولٌ)). (أدب الدنيا والدين ص185)
وَالبَخِيلُ قَلِيلُ العَقْلِ، سَيِّئُ التَّدْبِيرِ، مَحْرُومٌ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، ضَيِّقُ النَّفْسِ، يَكْرَهُ الضُّيُوفَ، وَيَكْرَهُ مُجَالَسَةَ النَّاسِ، ضَعِيفُ الإِيمَانِ، سَيِّئُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، اجْتَمَعَتْ فِيهِ صِفَاتٌ مَذْمُومَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ البُخْلِ.
فَهَذِهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا المَرْأَةُ الأُولَى بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ.
وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُ العُلَمَاءِ صِفَاتٍ أُخْرَى تُشِيرُ إِلَيْهَا هَذِهِ المَرْأَةُ بِهَذَا الوَصْفِ البَلِيغِ.
قَالَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((تَصِفُ قِلَّةَ خَيْرِهِ وَبُعْدَهُ مَعَ القِلَّةِ، كَالشَّيْءِ فِي قُلَّةِ الجَبَلِ الصَّعْبِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِالمَشَقَّةِ.
*
حاول ما دُمت تستطيع عِد الكرة مرة وأخرى ! فشلك لا يعني أن ذاك نهاية الطريق بل البداية مِن جديد ، خُذ من إخفاقك عِبرة ومن غمامة يأس الكسير حكمة ومِن الحياة درساً لا يُنسى ثُم عد قوي النَفس كما عهدت وتذكر دائماً أن جوهر كُل غاية عدم الإستسلام.
" .. تمسّك بالدُعاء و كأنّك لاتعرفُ علاجًا غيره!
#اذكارك
هَلْ تَصدُقُ المَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَوْجِهَا؟
قَدْ تَكُونُ إِجَابَةُ هٰذَا السُّؤَالِ صَادِمَةً لِلرِّجَالِ، وَلٰكِنَّهَا مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ النِّسَاءِ عُمُومًا، وَإِنْ أَخْفَيْنَهَا عَنِ الرِّجَالِ!
فَمِنْ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ إِخْفَاءُ بَعْضِ صِفَاتِهَا عَنِ الرَّجُلِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ هٰذِهِ الصِّفَةُ فِطْرِيَّةً فِيهَا.
وَتَأَمَّلْ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ قَوْلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَمَا قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَتْ لَهُ - وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ -: يَا رَسُولَ اللهِ، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَضَحْتِ النِّسَاءَ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: ((بَلْ أَنْتِ، فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ، نَعَمْ، فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ)). (رواه مسلم)
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَقَوْلُ عَائِشَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: “فَضَحْتِ النِّسَاءَ” أَيْ كَشَفْتِ مِنْ أَسْرَارِهِنَّ، وَمَا يَكْتُمْنَ مِنَ الحَاجَةِ إِلَى الرِّجَالِ، وَرُؤْيَةِ الِاحْتِلَامِ)). (إكمال المعلم بفوائد مسلم 2/ 147)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ ذٰلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ)). (فتح الباري 1/ 389)
فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ كَرِهَتْ أَنْ يَعْرِفَ الرِّجَالُ أَنَّ المَرْأَةَ تَشْتَهِي الرَّجُلَ، وَأَنَّهُ يَقَعُ مِنْهَا مَا يَقَعُ لِلرَّجُلِ فِي النَّوْمِ؛ لِأَنَّ هٰذَا مِمَّا تَسْتَحِي مِنْهُ المَرْأَةُ عَادَةً.
وَلِذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُطَالِبَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالتَّصْرِيحِ فِي رَغْبَتِهَا فِيهِ، كَمَا يُصَرِّحُ هُوَ فِي رَغْبَتِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هٰذَا الطَّلَبَ مُخَالِفٌ لِفِطْرَةِ المَرْأَةِ وَحَيَائِهَا، وَيَكْفِيهَا التَّلْمِيحُ وَالإِغْرَاءُ، وَسُرْعَةُ الِاسْتِجَابَةِ لِزَوْجِهَا.
وَالسُّؤَالُ مَرَّةً ثَانِيَةً: هَلْ تُصَدِّقُ المَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَوْجِهَا؟
وَقَبْلَ الإِجَابَةِ عَنْ هٰذَا السُّؤَالِ، نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ فِي نَظَرَتِهَا لِزَوْجِهَا.
قَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((المَرْأَةُ شَدِيدَةُ الإِعْجَابِ بِبُطُولَةِ الرَّجُلِ، لِقُصُورِ قُدْرَتِهَا عَمَّا يَسْتَطِيعُهُ الرِّجَالُ، وَلِأَنَّهَا تَرَى فِي بُطُولَةِ الزَّوْجِ وَالقَرَابَةِ مَا يُطْمَئِنُ بَالَهَا مِنْ شَرِّ العُدَاةِ وَالغَارَاتِ)). (جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور 4/1731)
هٰذَا مَا تُحِبُّهُ المَرْأَةُ فِي زَوْجِهَا قَدِيمًا، فَهَلْ طَرَأَ عَلَى هٰذِهِ الطَّبِيعَةِ أَيُّ تَغْيِيرٍ عَبْرَ الزَّمَنِ؟
نَعَمْ، تَغَيَّرَتْ هٰذِهِ الفِطْرَةُ عِنْدَ بَعْضِ النِّسَاءِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ ثَقَافَةِ المُجْتَمَعِ، وَثَقَافَةِ المَرْأَةِ، وَتَغَيُّرِ نَظَرَتِهَا لِلرَّجُلِ، أَيًّا كَانَ هٰذَا الرَّجُلُ؛ أَبًا، أَوْ أَخًا، أَوْ زَوْجًا، أَوْ وَلِيًّا.
فَمَا يُغْرَسُ فِي المَرْأَةِ اليَوْمَ مِنْ أَفْكَارٍ، مِثْلَ: أَنَّهَا لابُدَّ أَنْ تَسْتَقِلَّ مَادِّيًّا عَنِ الرَّجُلِ، وَأَنْ تَعْمَلَ فِي أَيِّ وَظِيفَةٍ لِتَحْصِيلِ المَالِ.
وَأَنَّ مَفْهُومَ الحُرِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَرْفُضَ تَحَكُّمَ الرَّجُلِ عَلَيْهَا بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الأَشْكَالِ! وَأَنَّ لَهَا الحُرِّيَّةَ الكَامِلَةَ فِي كُلِّ تَصَرُّفَاتِهَا مِنْ غَيْرِ الرُّجُوعِ إِلَى الرَّجُلِ!
وَأَنَّهَا لابُدَّ أَنْ تَتَمَرَّدَ عَلَى وِلَايَةِ الرَّجُلِ؛ لِتُصْبِحَ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا!
هٰذَا كُلُّهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَفْكَارِ الَّتِي تُنْشَرُ بَيْنَ النِّسَاءِ، أَدَّى إِلَى تَغَيُّرِ نَظْرَةِ المَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ.
فَيَا تُرَى بَعْدَ هٰذِهِ الثَّقَافَةِ، مَا الَّذِي تُحِبُّهُ المَرْأَةُ فِي الرَّجُلِ؟! وَبِمَ سَتَفْخَرُ بِهِ بَيْنَ النِّسَاءِ؟!
لَقَدْ وَلَّدَتْ لَنَا ثَقَافَةُ الإِنْتَرْنِتِ وَوَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ نَمَطًا جَدِيدًا تُحِبُّهُ المَرْأَةُ فِي الزَّوْجِ، وَهُوَ نَمَطُ الشُّهْرَةِ، وَالمَشَاهِيرُ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ فِي هٰذِهِ الوَسَائِلِ بِصُورَةٍ مِثَالِيَّةٍ تُخَالِفُ الحَقِيقَةَ وَالوَاقِعَ، وَتُلَبِّسُ عَلَى النِّسَاءِ. فَإِذَا تَزَوَّجَتِ المَرْأَةُ مِنْ مِثْلِ هٰؤُلَاءِ المَشَاهِيرِ اكْتَشَفَتِ الحَقِيقَةَ المُرَّةَ!
وَهُنَا سَيَأْتِي السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى:
هَلْ تَصْدُقُ المَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَوْجِهَا؟
وَالْمَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ مَعَ زَوْجِهَا تُرِيدُ مِنْهُ إِنْصَاتًا لِحَدِيثِهَا، وَتَفَاعُلًا مَعَهَا بِالنَّظَرِ فِي عَيْنَيْهَا وَوَجْهِهَا وَهِيَ تَتَكَلَّمُ.
وَيُفْسِدُ هٰذَا الْمُرَادَ انْشِغَالُ الزَّوْجِ بِاللَّعِبِ بِهَاتِفِهِ، أَوْ تَرْكِيزُ النَّظَرِ فِي الْقَنَوَاتِ وَتَقْلِيبِهَا.
إِنَّ الْمَرْأَةَ عِنْدَمَا تَطْرَحُ الْمُشْكِلَةَ، أَوْ تَسْرُدُ الْقِصَّةَ الطَّوِيلَةَ، يَكْفِيهَا مِنَ الزَّوْجِ تَعْلِيقٌ قَصِيرٌ عَلَى الْمَطْرُوحِ، يُسْعِدُهَا وَيُشْعِرُهَا بِاهْتِمَامِهِ بِمَا طَرَحَتْ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَمَا قَالَ لَهَا بَعْدَ أَنْ انْتَهَتْ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ)).
وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُحْسِنَ اخْتِيَارَ الْوَقْتِ عِنْدَمَا تَرْغَبُ فِي الْحَدِيثِ مَعَ زَوْجِهَا، كَمَا تُحْسِنُ اخْتِيَارَ الْمَوْضُوعِ الْمُنَاسِبِ لِلْوَقْتِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الزَّوْجَ وَهُوَ قَادِمٌ مِنْ عَمَلِهِ، أَوْ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ عِنْدَ جُلُوسِهِ لِلطَّعَامِ، أَوْ قَبْلَ نَوْمِهِ، بِذِكْرِ مَشَاكِلِ الْأَوْلَادِ، أَوْ طَلَبَاتِ الْبَيْتِ، فَهٰذِهِ أَوْقَاتٌ لَا تُنَاسِبُ الرَّجُلَ.
وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُحْسِنَ تَوْجِيهَ الْمَرْأَةِ إِلَى وَقْتٍ أَرْحَبَ، إِذَا هِيَ أَخْطَأَتْ فِي اخْتِيَارِ الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ.
كَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُخَصِّصَ وَقْتًا لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا يَتَضَجَّرَ مِنْ ذٰلِكَ، فَقَدِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.
وَهٰذِهِ نَمَاذِجُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ تَعْلِيقًا عَلَى حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ:
قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ حُسْنُ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَاسْتِحْبَابُ مُحَادَثَتِهِمْ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ)). (أَعْلَامُ الْحَدِيثِ 3/ 2000).
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((حُسْنُ عِشْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ، وَتَأْنِيسُهُنَّ، وَاسْتِحْبَابُ مُحَادَثَتِهِنَّ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَاهُنَا بِحَدِيثِهِ لِعَائِشَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ بِخَبَرِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ، وَهٰكَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ: «بَابُ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْأَهْلِ»، وَقَدْ وَرَدَتِ الْآثَارُ الصِّحَاحُ الصَّحِيحَةُ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِهِ وَمُبَاسَطَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَكَذٰلِكَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: فِي ذٰلِكَ مَرْضَاةٌ لِرَبِّكَ، وَمَحَبَّةٌ فِي أَهْلِكَ، وَمَثْرَاةٌ فِي مَالِكَ، وَمَنْسَأَةٌ فِي أَجَلِكَ. قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي ذٰلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
وَكَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ يَقُولُ: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَبَّبَ إِلَى أَهْلِ دَارِهِ؛ حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِمْ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ ص108).
وَمَا أَحْسَنَ اسْتِدْلَالَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عِنْدَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ اسْتِمَاعَهُ لِامْرَأَةٍ مَعَ أَنَّهَا أَغْلَظَتِ الْقَوْلَ عَلَيْهِ، بِاسْتِمَاعِ اللهِ لِامْرَأَةٍ اشْتَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَيْفَ لَا يَسْتَمِعُ هُوَ لَهَا!
قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: قِفْ يَا عُمَرُ. فَوَقَفَ، فَأَغْلَظَتْ لَهُ الْقَوْلَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ شِدَّةَ امْرَأَةٍ عَلَى رَجُلٍ، وَلَا اسْتِمَاعَ رَجُلٍ لِامْرَأَةٍ! قَالَ: وَيْحَكَ! مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْتَمِعَ إِلَيْهَا، وَهِيَ الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ لَهَا، أَنْزَلَ فِيهَا مَا أَنْزَلَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، فَمَا أَحَقَّنِي بِأَنْ أَسْتَمِعَ لِمَنْ اسْتَمَعَ اللَّهُ مِنْهَا. (التَّارِيخُ الْكَبِيرُ لِلْبُخَارِيِّ 7/ 245).
فَهذَا فِعْلُ الرِّجَالِ الَّذِينَ نَقْتَدِي بِهِمْ.
فَهَلْ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْكَرِيمُ مِمَّنْ تَسْتَمِعُ إِلَى زَوْجَتِكَ وَتُنْصِتُ إِلَيْهَا إِذَا تَكَلَّمَتْ؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
2 رمضان 1447هـ
فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ)). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)
زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: «يَا عَائِشَةُ، كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا زَرْعٍ طَلَّقَ، وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ». (َصَحَّحَهَا الأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الجَامِعِ (141)).
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
1 رمضان 1447هـ
*أصناف الرجال مع زوجاتهم*
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَبَعْدُ،
نَحْمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ بَلَّغَنَا رَمَضَانَ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُيَسِّرَ لَنَا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ وَقِرَاءَةَ القُرْآنِ، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا فِيهِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ.
هٰذِهِ سِلْسِلَةٌ رَمَضَانِيَّةٌ جَدِيدَةٌ تَخْتَلِفُ نَوْعًا مَا عَنِ السَّلَاسِلِ الَّتِي كُتِبَتْ فِي السَّنَوَاتِ المَاضِيَةِ؛ فَهِيَ لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ امْرَأَةٍ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَلَيْسَ مَوْضُوعُهَا الرَّئِيسُ هُوَ المَرْأَةَ، وَإِنَّمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ زَوْجَاتِهِمْ
هٰذَا التَّصْنِيفُ لِلرِّجَالِ جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ، تَحَدَّثْنَ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ بِكُلِّ صَرَاحَةٍ، وَبِكُلِّ وُضُوحٍ، وَبِعِبَارَاتٍ عَرَبِيَّةٍ فَصِيحَةٍ جِدًّا، وَالَّتِي نَقَلَتْ لَنَا هٰذَا الحَدَثَ المُفِيدَ هِيَ أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ الطَّوِيلِ، الَّذِي حَدَّثَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَاسْتَمَعَ لَهَا بِإِنْصَاتٍ وَاهْتِمَامٍ، ثُمَّ عَلَّقَ عَلَى كَلَامِهَا بِكَلَامٍ عَظِيمٍ، فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ.
أَصْنَافُ الرِّجَالِ فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ هُوَ مَوْضُوعُ هٰذِهِ السِّلْسِلَةِ الرَّمَضَانِيَّةِ.
وَالْهَدَفُ مِنْ طَرْحِ هٰذَا الْمَوْضُوعِ هُوَ مَعْرِفَةُ الصِّفَاتِ الَّتِي تُحِبُّهَا الْمَرْأَةُ فِي زَوْجِهَا، وَالصِّفَاتِ الَّتِي تَكْرَهُهَا فِيهِ، وَمَعْرِفَةُ كَيْفَ تَعَامَلَتِ الْمَرْأَةُ مَعَ هٰذِهِ الصِّفَاتِ.
إِنَّ حَدِيثَ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ تَرْكِيزِهِ عَلَى ذِكْرِ أَصْنَافِ الرِّجَالِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْشِفُ لَنَا مَدَى مُعَانَاةِ الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَمَا يُخْفِيهِ صَدْرُهَا مِمَّا يَصْعُبُ الْبَوْحُ بِهِ لِأَحَدٍ.
فَهذَا الْحَدِيثُ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ بَالِغَةٌ لِلرَّجُلِ؛ لِيُدْرِكَ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِ الْمَرْأَةِ وَنَظْرَتَهَا لِلرَّجُلِ فِي حَيَاتِهَا، وَأَهَمَّ احْتِيَاجَاتِهَا النَّفْسِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ.
كَمَا يُظْهِرُ لَنَا هٰذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ بَعْضَ صِفَاتِ الْمَرْأَةِ الْفِطْرِيَّةِ، وَبَعْضَ أَخْلَاقِهَا؛ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ.
وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ حَاضِرَةٌ بِقُوَّةٍ فِي مَعَانِي الْحَدِيثِ، وَفِي تَفَاصِيلِ هٰذِهِ السِّلْسِلَةِ.
وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ هٰذِهِ السِّلْسِلَةَ هِيَ حَدِيثُ النِّسَاءِ عَنِ الرِّجَالِ وَبَيَانُ أَصْنَافِهِمْ؛ فَيَحْتَاجُ الرَّجُلُ إِلَى مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ، وَمِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ هُوَ، لِيَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَ إِنْ كَانَ مُخْطِئًا، وَيَسْتَثْمِرَ مَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ، وَيُنَمِّيهَا، وَيَسْعَدَ بِهَا.
وَالْمَرْأَةُ كَذٰلِكَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ طَبِيعَةِ زَوْجِهَا، وَمِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ هُوَ؛ كَيْ تُحْسِنَ التَّعَامُلَ مَعَهُ، وَتُحْسِنَ تَوْجِيهَهُ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي فِيهِ، وَتُبْعِدَهُ عَنْ صِفَاتِ الرِّجَالِ الْمَذْمُومَةِ.
فَهٰذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، قَالَ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ رَحِمَهُ اللهُ: ((هٰذَا الْحَدِيثُ عَظِيمٌ حَفِيلٌ جَمُّ الْفَوَائِدِ، أُفْرِدَ بِالتَّأْلِيفِ، أَفْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حِبَّانَ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ قُتَيْبَةَ)). (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 24/561)
وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ الْعُلَمَاءُ بِالتَّصْنِيفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْكَثِيرَةِ، وَالتَّفَاصِيلِ الَّتِي قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي غَيْرِهِ مُجْتَمِعَةً.
فَجَدِيرٌ بِنَا جَمِيعًا، رِجَالًا وَنِسَاءً، أَنْ نَعْتَنِيَ بِهٰذَا الْحَدِيثِ، وَدِرَاسَتِهِ، وَتَدْرِيسِهِ، بَلْ وَحِفْظِهِ كَذٰلِكَ إِنْ أَمْكَنَ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقَزْوِينِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَكَانَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللهُ يُرَغِّبُنِي فِي حِفْظِ هٰذَا الْحَدِيثِ فِي صِغَرِي لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ، وَحُسْنِ أَلْفَاظِهِ)). (دُرَّةُ الضَّرْعِ لِحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ص 76)
هٰذَا التَّرْغِيبُ مِنْ وَالِدِهِ جَعَلَهُ يُؤَلِّفُ فِي شَرْحِ هٰذَا الْحَدِيثِ كِتَابَ (دُرَّةِ الضَّرْعِ لِحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ).
وَقَدْ يَسْتَصْعِبُ الْبَعْضُ فَهْمَ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ مُبَاشَرَةً، وَلَا غَرَابَةَ فِي ذٰلِكَ؛ فَقَدْ جَاءَ هٰذَا الْكَلَامُ عَلَى لِسَانِ نِسَاءٍ عَرَبِيَّاتٍ أَقْحَاحٍ، لَمْ تُخَالِطْ أَلْسِنَتُهُنَّ الْعُجْمَةَ، وَلَمْ يَشْتَغِلْنَ بِغَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((اعْلَمْ أَنَّ الرِّفْقَ مَحْمُودٌ، وَيُضَادُّهُ الْعُنْفُ وَالْحِدَّةُ وَالْعُنْفُ نَتِيجَة الْغَضَبِ وَالْفَظَاظَةِ. وَالرِّفْقُ وَاللِّينُ نَتِيجَةُ حُسْنِ الخُلُقِ وَالسَّلَامَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ الحِدَّةِ الغَضَبَ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا شِدَّةَ الحِرْصِ وَاسْتِيلَاءَهُ بِحَيْثُ يَدْهَشُ عَنِ التَّفَكُّرِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّثَبُّتِ.
فَالرِّفْقُ فِي الأُمُورِ ثَمَرَةٌ لَا يُثْمِرُهَا إِلَّا حُسْنُ الخُلُقِ وَلَا يَحْسُنُ الخُلُقُ إِلَّا بِضَبْطِ قُوَّةِ الغَضَبِ)). (إحياء علوم الدين 3/ 184)
ولَا تَحْلُو حَيَاةُ الإِنْسَانِ إِلَّا بِالرِّفْقِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ((مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ، وَلا عُزِلَ عَنْهُ إِلا شَانَهُ)). (رواه أحمد)
أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ النَّاسِ خَارِجَ البَيْتِ، وَيُسِيءُ التَّعَامُلَ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَهٰذَا لَيْسَ مِنْ خِيَارِ الرِّجَالِ، بَلْ هٰذَا مَذْمُومٌ فِي الإِسْلَامِ، وَمُخَالِفٌ لِهَدْيِ سَيِّدِ الأَنَامِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، الَّذِي قَالَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)). (رواه الترمذي)
وَمَنْ اسْتَخْدَمَ قُوَّتَهُ عَلَى المَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ وَالأَوْلَادِ عِنْدَهُ، وَهُوَ جَبَانٌ خَائِفٌ مَهْزُوزُ الشَّخْصِيَّةِ خَارِجَ البَيْتِ، فَهُوَ مِنْ أَسْوَأِ الرِّجَالِ.
الأَمْرُ الثَّانِي مِنَ الصِّفَاتِ الجَمِيلَةِ فِي هٰذَا الرَّجُلِ الَّذِي وَصَفَتْهُ المَرْأَةُ الخَامِسَةُ بِقَوْلِهَا:
وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالَّذِي أَرَادَتْ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ يَتَفَقَّدُ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَعَايِبِ البَيْتِ وَمَا فِيهِ، فَهُوَ كَأَنَّهُ سَاهٍ عَنْ ذٰلِكَ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذٰلِكَ قَوْلُهَا: وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ: تَعْنِي عَمَّا كَانَ عِنْدِي قَبْلَ ذٰلِكَ)).
(غريب الحديث 2/ 174)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَالْمُرَادُ التَّغَافُلُ عَمَّا أَضَاعَتْهُ المَرْأَةُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا تَعَهُّدُهُ تَكَرُّمًا وَحِلْمًا)). (أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل ص357)
وَهٰذَا التَّغَافُلُ مِنْ شِيَمِ كِبَارِ النُّفُوسِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثْتُ عُثْمَانَ بْنَ زَائِدَةَ وَكَانَ مِنَ العُبَّادِ فَقَالَ: العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ. (سير السلف الصالحين 3/ 1057)
وَتَكَلَّمَ العُلَمَاءُ عَنِ التَّغَافُلِ وَنَصَحُوا بِه المُلُوكَ وَالرُّؤَسَاءَ فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ شُعُوبِهِمْ، فَمِنْ ذٰلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ الأَزْرَقِ الغِرْنَاطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَالَ الجَاحِظُ: وَمِنْ أَخْلَاقِ المَلِكِ التَّغَافُلُ عَمَّا لَا يَقْدَحُ فِي المُلْكِ، وَلَا يَجْرَحُ المَالَ، وَلَا يَضَعُ مِنَ العِزِّ، وَيَزِيدُ فِي الأُبَّهَةِ. وَعَلَيْهِ كَانَتْ سِيرَةُ آلِ سَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَتِ العَرَبُ: الشَّرَفُ التَّغَافُلُ.
قَالَ:
لَيْسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ
لَكِنْ سَيِّدُ قَوْمِهِ المُتَغَابِي
قُلْتُ: وَأَنْتَ لَا تَجِدُ أَحَدًا يَتَغَافَلُ عَنْ مَالِهِ إِذَا خَرَجَ، وَعَنْ مُبَايَعَتِهِ إِذَا غُبِنَ، وَعَنِ التَّقَاضِي إِذَا بُخِسَ، إِلَّا وَجَدْتَ فِي قَلْبِكَ لَهُ فَضِيلَةً، وَجَلَالَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا.
...
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ عَلَى ذِي الفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ الأَخْذُ بِهٰذَا الخُلُقِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ بِالدَّهَاءِ المُفْرِطِ، حَتَّى يَحْصُلَ بِهِ الرِّفْقُ المَأْمُورُ بِهِ.
...
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ الكَلِمَاتِ الحِكْمِيَّةِ فِي هٰذَا الوَصْفِ:
• عَظِّمُوا أَقْدَارَكُمْ بِالتَّغَافُلِ.
• مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ حَقَّهُ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: 3]
...
إِنَّ مِنَ السَّخَاءِ وَالكَرَمِ؛ تَرْكَ التَّجَنِّي، وَتَرْكَ البَحْثِ عَنْ بَاطِنِ الغُيُوبِ، وَالإِمْسَاكَ عَنْ ذِكْرِ العُيُوبِ.
كَمَا أَنَّ مِنْ تَمَامِ الفَضَائِلِ الصَّفْحَ عَنِ التَّوْبِيخِ، وَإِكْرَامَ الكَرِيمِ، وَالبِشْرَ فِي اللِّقَاءِ، وَرَدَّ التَّحِيَّةِ، وَالتَّغَافُلَ عَنْ خَطَأِ الجَاهِلِ. مَنْ شَدَّدَ نَفَّرَ وَمَنْ تَرَاخَى تَأَلَّفَ)). (بدائع السلك في طبائع الملك 1/ 509)
وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ عَنْ إِيذَاءِ المَرْأَةِ أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ مُعَاشَرَتِهَا فِي آخِرِهِ! فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ)).
(رواه البخاري)
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هٰذَا إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَجْلِدُ زَوْجَتَهُ، وَيُكْثِرُ مِنْ ذٰلِكَ حَتَّى يُعَامِلَهَا مُعَامَلَةَ الأَمَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذٰلِكَ بِاليَسِيرِ يَرْجِعُ إِلَى مُضَاجَعَتِهَا، وَإِلَى قَضَاءِ شَهْوَتِهِ مِنْهَا، فَلَا تُطَاوِعُهُ، وَلَا تَتَحَسَّنُ لَهُ، وَقَدْ تُبْغِضُهُ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ يُحِبُّهَا، فَيَفْسُدُ حَالُهُ، وَيَتَفَاقَمُ أَمْرُهُمَا، وَتَزُولُ الرَّحْمَةُ وَالمَوَدَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَزْوَاجِ، وَيَحْصُلُ نَقِيضُهَا، فَنَبَّهَ صلى الله عليه وسلم بِهٰذَا اللَّفْظِ الوَجِيزِ عَلَى مَا يَطْرَأُ مِنْ ذٰلِكَ مِنَ المَفَاسِدِ)).
(المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 7/ 429)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالْمُجَامَعَةُ أَوِ الْمُضَاجَعَةُ إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ مَعَ مَيْلِ النَّفْسِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْعِشْرَةِ، وَالْمَجْلُودُ غَالِبًا يَنْفِرُ مِمَّنْ جَلَدَهُ، فَوَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَمِّ ذَلِكَ)).
(فتح الباري 9/ 303)
لَقَدْ رَاعَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَاجَةَ المَرْأَةِ النَّفْسِيَّةَ لِلشُّعُورِ بِالأَمَانِ وَالِاطْمِئْنَانِ مَعَ الزَّوْجِ، فَنَبَّهَ الزَّوْجَ إِلَى أَدَبِ التَّعَامُلِ مَعَ المَرْأَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ المَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ وَلَا مَشَاعِرَ.
وَالمَرْأَةُ السَّوِيَّةُ لَا تُقَدِّمُ جَسَدَهَا إِلَّا لِمَنْ تُحِبُّ، وَفِي حَالَةٍ مِنَ الِاطْمِئْنَانِ النَّفْسِيِّ التَّامِّ.
ثَانِيهَا: سَلَامَةُ البَاطِنِ، فَلَا تَتَوَقَّعُ مِنْهُ أَيَّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الغَدْرِ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا تَخَافُ مِنْ ذٰلِكَ.
وَهٰذَا قِمَّةُ الأَمَانِ النَّفْسِيِّ فِي حَيَاةِ المَرْأَةِ؛ أَنْ تَشْعُرَ بِالثِّقَةِ فِي زَوْجِهَا، فَبَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ؛ نَظِيفٌ لَيْسَ فِيهِ غَدْرٌ.
ثَالِثُهَا: حُسْنُ الصُّحْبَةِ وَجَمِيلُ العِشْرَةِ، لَا يَمَلُّ مِنْهَا.
وَهٰذَا يُوحِي لِلْمَرْأَةِ بِمَحَبَّةِ الزَّوْجِ لَهَا.
وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ، وَجَمِيلُ العِشْرَةِ لَا تَأْتِي إِلَّا مِنْ صَاحِبِ الأَخْلَاقِ الحَمِيدَةِ.
وَطُولُ الجُلُوسِ مَعَ الزَّوْجَةِ دَلِيلُ المَحَبَّةِ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَهٰذَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ إِذَا جَلَسَ مَعَهَا اطْمَأَنَّتْ لِلْكَلَامِ مَعَهُ، وَاسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وَهٰذَا مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ، جَلَسَ مَعَ عَائِشَةَ وَتَسَامَرَ مَعَهَا الحَدِيثَ، وَاسْتَمَعَ لَهَا بِإِنْصَاتٍ.
وَلِلْمَرْأَةِ دَوْرٌ فِي إِذْهَابِ المَلَلِ مِنَ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ بِحُسْنِ العِشْرَةِ، وَاخْتِيَارِ مَوْضُوعِ الحَدِيثِ، وَالتَّجْدِيدِ فِي حَيَاتِهَا، وَفِي لُبْسِهَا، وَفِي بَيْتِهَا.
وَلِذٰلِكَ قَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ كَلِمَتَهُ الجَمِيلَةَ: لَا مَلَلَ عِنْدِي لِدَابَّتِي مَا حَمَلَتْ رِجْلِي، وَلَا لِامْرَأَتِي مَا أَحْسَنَتْ عِشْرَتِي، وَلَا لِصَدِيقِي مَا حَفِظَ سِرِّي، إِنَّ المَلَلَ مِنْ كَوَاذِبِ الأَخْلَاقِ.
فَكَيْفَ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ مَعَ زَوْجَتِكَ؟
هَلْ تَشْعُرُ بِالأَمَانِ مَعَكَ؟
هَلْ عِنْدَكَ شَوْقٌ لِلْجُلُوسِ مَعَهَا؟
هَلْ عِنْدَكَ القُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ لَهَا مِنْ غَيْرِ مُقَاطَعَةٍ، وَلَوْ طَالَ حَدِيثُهَا؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
7 رمضان 1447هـ
#رسالة_اليك 💌
البعض يعمل الخير
ويُحسن للآخرين
لِيجد التّقدير منهُم
والخبر السَّيِّء
هو أن مشاعره ستتأثّر
لأن الكثِير لن يُعطوه
التّقدير الّذي في مُخَيِّلته.
لسعادتك :
اِجعل حُب العطاء هُو دافِعك
اِعمل الخير لأنّك مُحسن
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
وَدَلَّ كَلَامُ المَرْأَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى أَنَّهَا تُحِبُّ زَوْجَهَا، وَلَا تُرِيدُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَكْرَهُهُ لَتَكَلَّمَتْ وَبَيَّنَتْ عُيُوبَهُ لِيُطَلِّقَهَا، وَلَكِنَّهَا آثَرَتِ السُّكُوتَ عَلَى الكَلَامِ، مَعَ أَنَّ السُّكُوتَ مُؤْذٍ لَهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا سَتَبْقَى مُعَلَّقَةً لَا تَنَالُ مِنَ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مَا يَنَالُهُ غَيْرُهَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا نَدَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ آثَرَتِ البَقَاءَ مَعَهُ لِحُبِّهَا لَهُ.
فَهَلْ يُقَدِّرُ الرَّجُلُ هَذَا الحُبَّ الَّذِي عِنْدَ المَرْأَةِ لَهُ، مَعَ شِدَّةِ إِيذَائِهِ لَهَا؟!
وَهَلْ يُعِيدُ النَّظَرَ فِي أُسْلُوبِ حَيَاتِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
6 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي الْعَشَنَّقُ*
لَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ مُعَانَاةٍ لِلْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، وَلَا مِنْ مُعَانَاةٍ لِلرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَطَبِيعَةُ هَذِهِ الحَيَاةِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ كَدَرٍ، وَلَكِنَّ مُعَانَاةً عَنْ مُعَانَاةٍ تَخْتَلِفُ؛ فَهُنَاكَ مُعَانَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَهُنَاكَ مُعَانَاةٌ دَائِمَةٌ.
أَصْعَبُهَا وَأَطْوَلُهَا: المُعَانَاةُ المُتَعَلِّقَةُ بِطِبَاعِ الرَّجُلِ أَوِ المَرْأَةِ، وَالصُّعُوبَةُ نَابِعَةٌ مِنْ عَدَمِ رَغْبَةِ الإِنْسَانِ فِي تَغْيِيرِ طِبَاعِهِ، وَالتَّأَقْلُمِ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ.
وَإِلَّا فَكُلُّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ قَابِلٌ لِلتَّغْيِيرِ، وَمَنْ غَيَّرَ نَفْسَهُ غَيَّرَ اللَّهُ أَحْوَالَهُ.
وَقَدْ يُنْكِرُ بَعْضُ النَّاسِ إِمْكَانِيَّةَ تَغْيِيرِ الأَخْلَاقِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ فُطِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: (الطَّبْعُ يَغْلِبُ التَّطَبُّعَ)، وَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى الإِمَامُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَيَقُولُ: «لَوْ كَانَتِ الأَخْلَاقُ لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتِ الوَصَايَا وَالمَوَاعِظُ وَالتَّأْدِيبَاتُ)). (إحياء علوم الدين 3/55)
وَيَحْتَجُّ الغَزَالِيُّ عَلَى هَذِهِ المَقُولَةِ بِأَمْرٍ آخَرَ فَيَقُولُ: ((وَكَيْفَ يُنْكَرُ هَذَا فِي حَقِّ الآدَمِيِّ وَتَغْيِيرُ خُلُقِ البَهِيمَةِ مُمْكِنٌ، إِذْ يُنْقَلُ البَازِي مِنَ الِاسْتِيحَاشِ إِلَى الأُنْسِ، وَالكَلْبُ مِنْ شَرَهِ الأَكْلِ إِلَى التَّأَدُّبِ وَالإِمْسَاكِ وَالتَّخْلِيَةِ، وَالفَرَسُ مِنَ الجِمَاحِ إِلَى السَّلَاسَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلأَخْلَاقِ)). (إحياء علوم الدين 3/56)
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي البَهَائِمِ، فَفِي الإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللهُ بِالعَقْلِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
فَلَا يَصِحُّ التَّعَذُّرُ بِقَوْلِ الرَّجُلِ أَوِ المَرْأَةِ: «هَذَا طَبْعِي»؛ فَالطَّبْعُ الحَسَنُ يُبْقَى عَلَيْهِ، وَالطَّبْعُ السَّيِّئُ يُغَيَّرُ.
وَمَا مَرَّ بِنَا فِي مُعَانَاةِ الزَّوْجَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى طِبَاعٍ سَيِّئَةٍ فِي الرَّجُلِ لَمْ يُغَيِّرْهَا.
وَهَذِهِ هِيَ المُعَانَاةُ الثَّالِثَةُ، تَرْوِيهَا المَرْأَةُ الثَّالِثَةُ، فَتَقُولُ:
زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَـلَّقْ.
مُعَانَاةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ لَا تَسْلَمُ لَا فِي الصَّمْتِ وَلَا فِي الحَدِيثِ، فَمَاذَا تَفْعَلُ؟!
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «العَشَنَّقُ: الطَّوِيلُ، قَالَهُ الأَصْمَعِيُّ. تَقُولُ: لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِهِ بِلَا نَفْعٍ، فَإِنْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ مِنَ العُيُوبِ طَلَّقَنِي، وَإِنْ سَكَتُّ تَرَكَنِي مُعَلَّقَةً لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ!)). (غريب الحديث 2/ 167)
فَهَذِهِ المَرْأَةُ تَصِفُ زَوْجَهَا بِأَنَّهُ طَوِيلٌ، فَهَلْ هِيَ تَمْدَحُهُ أَمْ تَذُمُّهُ؟
سِيَاقُ الكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى الذَّمِّ، فَمَاذَا تَقْصِدُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؟
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «قَالَ الأَصْمَعِيُّ: أَرَادَتْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِهِ بِغَيْرِ نَفْعٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ المُسْتَكْرَهُ الطُّولِ، وَقِيلَ: ذَمَّتْهُ بِالطُّولِ؛ لِأَنَّ الطُّولَ فِي الغَالِبِ دَلِيلُ السَّفَهِ)).
(فتح الباري 9/260)
وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللهُ: ((قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَشَنَّقَ الطَّوِيلُ النَّجِيبُ الَّذِي يَمْلِكُ أَمْرَ نَفْسِهِ وَلَا تَحَكَّمُ النِّسَاءُ فِيهِ، بَلْ يَحْكُمُ فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ، فَزَوْجَتُهُ تَهَابُهُ أَنْ تَنْطِقَ بِحَضْرَتِهِ، فَهِيَ تَسْكُتُ عَلَى مَضَضٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهِيَ مِنَ الشِّكَايَةِ الْبَلِيغَةِ انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ السِّنَانِ الْمُذَلَّقِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ الْمُجَرَّدِ بِوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ، تُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِهَذَا أَنَّهُ أَهْوَجُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ كَالسِّنَانِ الشَّدِيدِ الْحِدَّةِ)). (فتح الباري 9/ 260)
أَمَّا وَصْفُهُ بِأَنَّهُ سَفِيهٌ أَهْوَجُ، فَهَذَا وَاضِحُ الْمَذَمَّةِ. فَالْعَرَبُ تَقُولُ فِيمَنْ لَهُ مَنْظَرٌ بِلَا مَخْبَرٍ:
تَرَى الْفِتْيَانَ كَالنَّخْلِ، وَمَا يُدْرِيكَ مَا الدَّخْلُ)). (نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب ص727)
قال الله تعالى:
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}
لاتشكو همك لغير الله
ولا تظن أن الله غافل عنك
بل سبحانه يحب
سماع أنينك وندائك له
ليريك روائع عطائه .
وَالبُخْلُ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ، فَالنَّصِيحَةُ لِلزَّوْجِ البَخِيلِ أَنْ يَسْعَى فِي تَغْيِيرِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِتَصَنُّعِ الكَرَمِ، وَالإِكْثَارِ مِنَ الإِنْفَاقِ فِي الصَّدَقَاتِ العَامَّةِ وَغَيْرِهَا، مَعَ الإِلْحَاحِ عَلَى اللهِ فِي إِبْعَادِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ النَّفْسِ، وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ)).
(رواه الطبراني في الأوسط)
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلَواتِ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ)). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
فالبُخْلُ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الأَنْبِيَاءِ، وَلَا الصَّالِحِينَ؛ فَالمُؤْمِنُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
والجُبْنُ وَالبُخْلُ مِنَ الصِّفَاتِ السَّيِّئَةِ، الَّتِي لَا تَلِيقُ بِالمُؤْمِنِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ مِنْهَا.
أَخِي الزَّوْجُ،
تَصَنَّعِ الكَرَمَ حَتَّى تُصْبِحَ كَرِيمًا.
وَتَحَرَّ الخَيْرَ تَنَلْهُ، وَابْتَعِدْ عَنِ الشَّرِّ، يُبْعِدْكَ اللهُ عَنْهُ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
4 رمضان 1447هـ
قُلْتُ: مَعْنَى البُعْدِ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَفَتْهُ بِسُوءِ الخُلُقِ وَالتَّرَفُّعِ بِنَفْسِهِ وَالذَّهَابِ بِهَا تِيهًا وَكِبْرًا، تُرِيدُ أَنَّهُ مَعَ قِلَّةِ خَيْرِهِ وَنَزَارَتِهِ يَتَكَبَّرُ عَلَى العَشِيرَةِ، وَيَنْأَى بِجَانِبِهِ، فَيَجْمَعُ إِلَى مَنْعِ الرِّفْدِ الأَذَى وَسُوءَ الخُلُقِ)). (أعلام الحديث 3/ 1988.)
فَهُوَ بَخِيلٌ وَمُتَكَبِّرٌ عَلَى النَّاسِ، وَهَذِهِ آفَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا قَالَ عَنْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)). (رواه مسلم)
وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ وَصْفٍ لَا يَكُونُ فِي البُخَلَاءِ أَبَدًا، وَهُوَ العِنَايَةُ بِثِيَابِهِمْ وَسِمَتِهِمْ وَرَائِحَتِهِمْ.
فَالبَخِيلُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ البُخْلِ وَالكِبْرِ، مِنْ أَسْوَإِ النَّاسِ. لَا بِمَالِهِ انْتَفَعَ، وَلَا بِمُصَاحَبَتِهِ لِلنَّاسِ، لِأَنَّهُ يَحْتَقِرُهُمْ وَيَزْدَرِيهِمْ، وَهَذَا هُوَ الكِبْرُ.
حَرَمَ نَفْسَهُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِ الآخِرَةِ، وَعَذَّبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، وَبِاحْتِقَارِهِ النَّاسَ يُعَذِّبُهَا فِي الآخِرَةِ.
وَمِنْ جَمِيلِ الكَلَامِ فِي وَصْفِ نَفْسِيَّةِ هَذَا الزَّوْجِ البَخِيلِ المُتَكَبِّرِ، مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَنِ الشَّاذِلِيِّ فِي تَأَمُّلِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: (( الأُولَى: هِيَ النَّفْسُ المُسْتَكْبِرَةُ، المَصْرُوفَةُ المُنْكِرَةُ، الَّتِي غَلَبَتْ بِوَهْمِهَا عَلَى هِمَّةِ قَوْمٍ، فَجَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، وَهَذِهِ أَصْعَبُ النُّفُوسِ المُتَلَوِّنَةِ قِيَادًا، وَأَبْعَدُهَا حُضُورًا، وَأَعْظَمُهَا عِنَادًا، وَأَشَدُّهَا نُفُورًا، تَصُولُ صَوْلَةَ أَهْلِ الدَّوْلَةِ وَالرِّيَاشِ، وَتَتَهَافَتُ عَلَى الرَّذَائِلِ تَهَافُتَ الفَرَاشِ، وَتَقُولُ بِلِسَانِ الدَّعَاوِي: أَنَا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ، فَإِذَا بَدَا مَا عِنْدَهَا مِنَ المَسَاوِئِ، عَسْعَسَ الغَيْهَبُ وَاعْتَكَرَ، فَشَتَّانَ بَيْنَ سُوءِ المُخْبِرِ وَحُسْنِ الخَبَرِ، وَتَتَشَبَّهُ بِزَخَارِفِ الأَقْوَالِ لِأَحْوَالِ أَهْلِ المَشَاهِدِ، وَرِيشِ الطَّوَاوِيسِ، لَا يَلْتَبِسُ بِشَوْكِ القَنَافِذِ، وَصَاحِبُ هَذِهِ النَّفْسِ، إِذَا لُوحِظَ بِعَيْنِ الإِمْدَادِ، وَجَذَبَتْهُ العِنَايَةُ بِأَزِمَّةِ السَّدَادِ، أَهْزَلَ مِنْ أَنَفَتِهَا مَا كَانَ سَمِينًا، وَحَقَّرَ مِنِ افْتِخَارِهَا مَا كَانَ ثَمِينًا، وَأَفْرَدَهَا مِنَ الرِّيَاضَةِ فِي جَبَلٍ صَعْبِ المَسَالِكِ، بَعِيدِ الذُّرَى وَالمَدَارِكِ، لَيْسَ لِعُشَّاقِ الرِّيَاسَةِ لَهُ مِنْ سَبِيلٍ، وَلَا لِلْهِمَمِ الدَّنِيَّةِ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ، فَإِذَا ذَلَّتْ نَفْسُهُ لِعِزِّ الحَقِّ وَدَالَتْ، كَانَ كَمَا أَخْبَرَتْ وَقَالَتْ:
«زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْثٍ»، قَدْ أَهْزَلَ حَمْلُ أَعْبَاءِ التَّوَاضُعِ شَحْمَ كِبْرِهِ، وَذَابَ فَخُّ عِظَمِ تَعَاظُمِهِ بِنُورِ ذِكْرِهِ، وَسَكَنَ مِنْ جَبَلِ الرِّيَاضَةِ وَالخُمُولِ، فِي ذُرْوَةٍ يَصْعُبُ إِلَيْهَا الوُصُولُ، لَا الجَبَلُ سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا اللَّحْمُ سَمِينٌ فَيُنْتَقَى)). (المحاضرات والمحاورات ص383)
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُنَا:
مَاذَا تَفْعَلُ الزَّوْجَةُ إِذَا ابْتُلِيَتْ بِمِثْلِ هَذَا الزَّوْجِ؟
قَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَفْتَى فِيهَا بِمَا يَشْفِي الصُّدُورَ، وَيُعَالِجُ الأُمُورَ، وَيَرْفَعُ الحَرَجَ عَنِ المَرْأَةِ فِي تَعَامُلِهَا مَعَ هَذَا البَخِيلِ الشَّحِيحِ.
فعَنْ عَائِشَةَ رَْضيَ اللهُ عنها قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ)).
(رواه مسلم)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَأَمَرَهَا أَنْ تُعَاقِبَهُ بِأَخْذِ مَا لَهَا مِنْ حَقٍّ عِنْدَهُ)). (التمهيد 18/288)
كن راضيا وكأنك تملك كل شئ فما يكتبه الله لنا ألطف مما نشاء
Читать полностью…
#رسالة_اليك 💌
إنسى ما مضى من عثراتك، إبتعد عن كل مصدر لإحباطك، لا تلتفت لكل ما يهبط عزيمتك ويحزنك، لا أحد يعرفك قدر نفسك، مهما كان تخصصك ومهما كانت حياتك، أنت قادر على تجاوز صعوباتك، تأكد أن الله لن يزرعك إلا بأرضك، كن واثقاً أن الله لن يكلفك فوق طاقتك،حتى خيباتك خيرة من ربك
دَلَّ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَصْدُقْنَ عِنْدَمَا يَتَحَدَّثْنَ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ، وَلِذٰلِكَ ((تَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا)). لِعِلْمِهِنَّ التَّامِّ أَنَّ المَرْأَةَ لَا تَصْدُقُ فِي الحَدِيثِ عَنْ زَوْجِهَا، وَتَسْعَى فِي إِظْهَارِهِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ أَمَامَ النِّسَاءِ؛ لِتَفْخَرَ بِهِ عَلَيْهِنَّ، مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَعِيشُ مَعَهُ فِي ظُلْمٍ وَقَسْوَةٍ شَدِيدَةٍ، وَلٰكِنَّهَا أَمَامَ النِّسَاءِ تُظْهِرُ خِلَافَ ذٰلِكَ!
وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ ضَرَّةٌ، فَإِنَّهَا قَدْ تَتَشَبَّعُ مِنْ زَوْجِهَا بِغَيْرِ الَّذِي يُعْطِيهَا؛ لِتَغِيظَ ضَرَّتَهَا.
فعَنْ أَسْمَاءَ رَضيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي ضَرَّةً؛ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ)). (رواه البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ).
وَالمُتَشَبِّعُ: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الشِّبَعَ وَلَيْسَ بِشَبْعَانَ.
وَمَعْنَاهُ هُنَا: أَنْها تُظْهِرَ أَنَّهُ حَصَلَت لَها فَضِيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً. فَعَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِعْلَهَا مِنْ قَوْلِ الزُّورِ المُحَرَّمِ.
وإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا تُدْخِلُ بَيْنَ المَرْأَةِ الأُخْرَى وَزَوْجِهَا البَغْضَاءَ، فَيَصِيرُ كَالسِّحْرِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ.
وَلٰكِنْ حَتَّى هٰذِهِ الحَقِيقَةُ أَثَّرَتْ فِيهَا ثَقَافَةُ المُجْتَمَعِ، فَالمَرْأَةُ اليَوْمَ لَا تَتَمَدَّحُ بِقُوَّةِ الرَّجُلِ وَشَجَاعَتِهِ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِ فِي الحُرُوبِ، وَإِنَّمَا تَتَفَاخَرُ بِمَدَى سَيْطَرَتِهَا عَلَى الرَّجُلِ، وَبِأُمُورٍ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالمَادِّيَّاتِ وَالشُّهْرَةِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ مِنَ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ.
وَهُنَاكَ مُؤَثِّرَاتٌ أُخْرَى فِي وَصْفِ المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، مِثْلُ البِيئَةِ الَّتِي تُخَالِطُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ بِيئَةً صَالِحَةً، أَظْهَرَتْ زَوْجَهَا مِنَ الصَّالِحِينَ الزُّهَّادِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي بِيئَةٍ مُتْرَفَةٍ، أَظْهَرَتْ زَوْجَهَا بِأَنَّهُ الكَرِيمُ الَّذِي لَا يَرُدُّ لَهَا طَلَبًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي بِيئَةٍ يَغْلِبُ عَلَى نِسَائِهَا السَّيْطَرَةُ عَلَى رِجَالِهِنَّ، أَظْهَرَتْ مَدَى قُوَّتِهَا فِي السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ.
وَكَذٰلِكَ حَالُ الرِّضَا وَالغَضَبِ؛ فَإِنْ كَانَتْ رَاضِيَةً رَفَعَتْهُ فِي السَّمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ سَاخِطَةً جَعَلَتْهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ.
وَلَا تَنْجُو مِنْ هٰذِهِ الآفَةِ إِلَّا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، المُؤْمِنَةُ، الَّتِي تَخْشَى اللهَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ. وَأُسْوَتُهَا فِي ذٰلِكَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
فعَنْ عَائِشَةَ رَضيَ اللهُ عَنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ((أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)). قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. (رواه البخاري)
إِنَّ المَرْأَةَ المُؤْمِنَةَ تَلْتَزِمُ بِالأَدَبِ النَّبَوِيِّ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ مِنَ الْخُيَلاءِ، وَثَلاثٌ مُنْجِيَاتٌ: الْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَاقَةِ، وَمَخَافَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ)). (رواه الطبراني في الأوسط)
فَهِيَ تَلْتَزِمُ العَدْلَ فِي الحَدِيثِ عَنْ زَوْجِهَا، وَلَا تَبْخَسُهُ حَقَّهُ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَرْفَعُهُ فَوْقَ مَكَانَتِهِ، وَلَا تَزْعُمُ أَنَّ لَهُ مِنَ المَكَارِمِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَلَا تَجْعَلُ فِيهِ مِنَ العُيُوبِ فِي حَالِ السَّخَطِ مَا لَيْسَ فِيهِ.
فَمِنْ أَيِّ الأَصْنَافِ أَنْتِ؟
وَكَيْفَ تَتَكَلَّمِينَ عَنْ زَوْجِكِ؟
وَمَا الَّذِي تُحِبِّينَهُ فِيهِ؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
3 رمضان 1447هـ
منذ أيام انتشرت قصة عن بنت موديل توفاها الله بغير توبة، وكانت صورها مطبوعة على بعض علب الملابس الحريمي، وللأسف فإن أهل البنت لا يمكنهم أن يوقفوا طباعة الصور؛ لأنها قبضت المقابل المادي لهذه الصور.
المفجع في القصة أن أمها أقسمت بالله أنها ترى ابنتها في المنام كل يوم، تعذب بعذاب مختلف عن الذي قبله!!
أتصور لوعة قلب الأم وهي تقول: ياليتني أمرتها بالحجاب، ولو ضربتها، ولو بكت واشتكت؛ فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]
"قال قتادة: "تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه؛ فإذا رأيتَ لله معصية قذعتهم عنها (اي: كففتهم عنها) وزجرتهم عنها."
وهكذا قال الضحاك ومقاتل: "حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه".
(تفسير ابن كثير)
*الْمَرْأَةُ تُحِبُّ الْكَلامَ مَعَ زَوْجِهَا*
هٰذَا الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ؛ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ، تَقُصُّهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((الصَّحِيحُ فِي هٰذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، إِلَّا قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهَا: (كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ). هٰذَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ التَّصْحِيحِ)). (الْمُفْهِمُ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ 6/ 333)
فَاسْتِمَاعُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ وَهِيَ تُحَدِّثُ بِهَذا الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ مِنْ حُسْنِ تَعَامُلِهِ مَعَ زَوْجَاتِهِ صلى الله عليه وسلم.
وَلَيْسَتْ هٰذِهِ الْحَادِثَةُ هِيَ الْوَحِيدَةَ مِنَ الْحَوَادِثِ الدَّالَّةِ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِ لِزَوْجَاتِهِ، بَلِ السُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِالْأَمْثِلَةِ فِي ذٰلِكَ.
مِنْهَا، قِصَّتُهُ مَعَ صَفِيَّةَ فِي اسْتِمَاعِهِ لَهَا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ.
عَـــــــنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا جَـــــــــاءَتْ إِلَى رَسُــــولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ)). فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا)).
(رواه البخاري ومسلم)
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَأَمَّا خَبَرُ صَفِيَّةَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مُحَادَثَةَ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكَافِهِ لَيْلًا جَائِزٌ، وَهُوَ السَّمَرُ نَفْسُهُ)). (صحيح ابن خزيمة 3/ 349)
فَهٰذِهِ الْحَادِثَةُ وَقَعَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لِرَبِّهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ الِاعْتِكَافُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ نِسَائِهِ صلى الله عليه وسلم وَيَسْتَمِعَ إِلَيْهِنَّ، وَيُحَادِثَهُنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ، وَلَمَّا طَلَبَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ أَنْ تُحَادِثَهُ وَحْدَهَا، لَمْ يَمْنَعْهَا، بَلِ اسْتَمَعَ إِلَيْهَا سَاعَةً كَامِلَةً وَهِيَ تَتَحَدَّثُ، وَلَمْ يَتَضَجَّرْ مِنْهَا، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ لَهَا بِأَنَّ هٰذَا شَهْرُ الْعِبَادَةِ، وَأَنَّهُ مُعْتَكِفٌ وَيَحْتَاجُ إِلَى التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ، وَلَمْ يَجْرَحْهَا بِكَلِمَةٍ تَجْعَلُهَا تَكْتُمُ مَا فِي نَفْسِهَا وَتَعِيشُ بِأَلَمِهَا، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: (اخْتَصِرِي وَلَا تُضَيِّعِي وَقْتَ عِبَادَتِي) أَوْ يَقُولُ: (اتْرُكِي هٰذَا الْمَوْضُوعَ إِلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ)، أَبَدًا، لَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِعُ إِلَى زَوْجَاتِهِ بِكُلِّ إِنْصَاتٍ، وَلَوْ أَطَلْنَ الْحَدِيثَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ، وَقِصَّةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
إِنَّ أُنْسَ الْمَرْأَةِ بِالْحَدِيثِ إِلَى زَوْجِهَا لَا يَنْتَهِي، وَقَدِ اسْتَمَرَّ حَدِيثُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حَتَّى بَعْدَ أَنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا وَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ، وَاسْتَمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَادِثُهَا وَيَسْتَمِعُ إِلَيْهَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رِجْلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَتَضَجَّرْ، وَفِي ذٰلِكَ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِهَا.
إِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ: (حُبَّ الْكَلَامِ مَعَ الزَّوْجِ)، فَالسَّعِيدُ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ اسْتَثْمَرَ هٰذَا الْحُبَّ فِي إِسْعَادِ نَفْسِهِ، وَإِسْعَادِ زَوْجِهِ.
وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا أَنْوَاعٌ، مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشَاكِلِ الْأَوْلَادِ، وَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الْبَيْتِ، وَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ مِنْ حَوْلِهَا وَعَلَاقَتِهِنَّ بِأَزْوَاجِهِنَّ.
وَحَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنَ النَّوْعِ الْأَخِيرِ.
بِخِلَافِ زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي ضَعُفَتْ فِيهِ الأَلْسُنُ عَنِ النُّطْقِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَخَالَطَتْنَا العُجْمَةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَأَصْبَحَتِ اللُّغَاتُ الأَجْنَبِيَّةُ هِيَ السَّائِدَةَ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
أَمَّا هٰذَا الْحَدِيثُ فَجَاءَ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ جَمِيلٍ جِدًّا، قَالَ عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ اليَحْصَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَبِالْجُمْلَةِ، فَكَلَامُ هٰؤُلَاءِ النِّسْوَةِ مِنَ الْكَلَامِ الْفَصِيحِ الأَلْفَاظِ، الصَّحِيحِ الأَغْرَاضِ، الْبَلِيغِ الْعِبَارَةِ، الْبَدِيعِ الْكِنَايَةِ وَالإِشَارَةِ، الرَّفِيعِ التَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَبَعْضُهُنَّ أَبْلَغُ قَوْلًا، وَأَعْلَى يَدًا، وَأَكْثَرُ طُولًا، وَأَمْكَنُ قَاعِدَةً وَأَصْلًا، وَكَلَامُ بَعْضِهِنَّ أَكْثَرُ رَوْنَقًا وَدِيبَاجَةً، وَأَرَقُّ حَاشِيَةً وَأَحْلَى مَجَاجَةً، وَبَعْضُهُنَّ أَصْدَقُ فِي الْفَصَاحَةِ لَهْجَةً، وَأَوْضَحُ فِي الْبَيَانِ مَحَجَّةً، وَأَبْلَغُ فِي الْبَلَاغَةِ وَالإِيجَازِ حُجَّةً)).
((فَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ أُمِّ زَرْعٍ وَجَدْتَهُ _ مَعَ كَثْرَةِ فُصُولِهِ، وَقِلَّةِ فُضُولِهِ _ مُخْتَارَ الكَلِمَاتِ، وَاضِحَ السِّمَاتِ، بَيِّنَ القَسِمَاتِ، قَدْ قَدَّرَتْ أَلْفَاظَهُ قَيْسَ مَعَانِيهِ، وَقَرَّرَتْ قَوَاعِدَهُ، وَشَيَّدَتْ مَبَانِيهِ، وَجَعَلَتْ لِبَعْضِهِ فِي البَلَاغَةِ مَوْضِعًا، وَأَوْدَعَتْهُ مِنَ البَدِيعِ بِدَعًا.
وَإِذَا لَمَحْتَ كَلَامَ التَّاسِعَةِ صَاحِبَةِ العِمَادِ وَالنِّجَادِ وَالرَّمَادِ، أَلْفَيْتَهَا لِأَفَانِينِ البَلَاغَةِ جَامِعَةً، وَلِعِلْمِ البَيَانِ رَافِعَةً، وَبِعَصَا الإِيجَازِ وَالقَصْدِ قَارِعَةً)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنَ الفَوَائِدِ، ص 339)
وَالْآنَ إِلَى نَصِّ الحَدِيثِ:
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا.
قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ.
قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ.
قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ.
قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لا حَرٌّ وَلا قُرٌّ وَلا مَخَافَةَ وَلا سَآمَةَ.
قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلَا لَكِ.
قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.
قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ.
قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ، مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.
قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا.
اللَّهُمَّ أَهْلِهُ عَلَيْنَا
بالأمن وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَام
رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ هَلال خيرورُشد
وكل عام وأنتم بخير
رمضان مبارك