عزيزي أيها الكون الشاسع،
ها أنا ذا أعود إليك مرة أخرى، وأكتب إليك كما تُكتب الاعترافات، بيدٍ مرتجفة، وأعين جاحظة.
أقر بأنه قد مر زمن طويل لم أحاول فيه فهمك، وذلك لأنني اعتدت على أن أمر عبر أيامك كما تمر الحشرات فوق صفحة ماء راكد، بحذرٍ بيولوجي خالص، لا بدافع النجاة حتى، وإنما بدافع العادة. لكنني اليوم، وللمرة العاشرة ربما، أو المئة، أحاول أن أتحدث إليك لا معك.
وأحاول وبكل سذاجة أن ألقي المعاني داخل فوضاك، على أمل أن ينهض منها شيء يمتلك شكلًا مألوفًا. لكن سؤالًا واحدًا يظل يجر أمعائي كلما حاولتُ الاقتراب من الفهم
ما الفرق فعلًا بين الأمل والوهم؟
إنهما يتجاوران بطريقةٍ مقززة، كالحمى والنبوة. يوجد خيط دقيق يفصل بينهما، خيط شديد الهشاشة، وأنا بكل ما في من تعب ذهني أعجز عن رؤيته حقًا، وأعجز عن معرفة اللحظة التي يتحول فيها الرجاء إلى مرض.
أجل، أنا أعترف بذلك على مضض، بأنه ثمة شيء في هذا العالم يستحق أن يُحب. أحيانًا وفي ساعاتٍ نادرة، تبدو الحياة أقل عدائية، إذ يحدث أن يسقط الضوء بطريقة رحيمة على الجدار. وأعترف أنه ثمة تفاصيل كثيرة تجعل المرء يشعر لثانيةٍ واحدة، بأنه ليس مشؤوم بالكامل.
لكن تلك الثواني نفسها تزيد الأمر قسوة. لأنني لا أعرف كيف يثق المرء بشيءٍ يمنحه الدفء بيد، ثم يدفعه إلى الفراغ باليد الأخرى.
عزيزي أيها الكون الشاسع،
ربما الأمل ليس نصيب الذين يشبهونني. ربما هو غريزة تخص أولئك الذين يملكون شروخ قادرة على الالتئام.
أما أنا، فأشعر أحيانًا أنني خُلقت بخلل ما، وكأن روحي تُركت مفتوحة أثناء التصنيع، كل شيء يعبر خلالها. الضوضاء، المعنى، الفراغ، الفقد، الذكريات، الأحبة، الغرباء، حتى ذاتي، وحتى المستقبل نفسه.
عزيزي أيها الكون، أرغب بشدة أن أملأ صدري المتهالك بالوعود، وأن أضع داخلي فكرةً واحدةً مستقرة لا تتعفن بعد أيام.
لكنني خائفة، لأن الأمل، شيء خطير للغاية أن يكون بحوزة إمرأة مثلي.
وإذا كانت الوجودية ترى أن الإنسان يصنع نفسه من خلال اختياراته، فإن تجربة مصطفى سعيد تطرح سؤالًا إضافيًا وهو ماذا يحدث عندما تتعدد الاختيارات إلى درجة تفقد معها معناها؟ هل تبقى الحرية مصدرًا للتحقق، أم تتحول إلى عبء؟
ويبدو أن الطيب صالح يميل إلى الاحتمال الثاني. فالشخصية لا تصل إلى معنى واضح، بل تغرق أكثر في التعقيد. وكأن الحرية، بدلًا من أن تمنحها وضوحًا، زادت من ضبابيتها.
ومع ذلك، لا يقتصر عالم الطيب صالح على هذا النموذج المأزوم. فهناك، في مقابل هذا التوتر، عالم آخر أكثر هدوءًا، يتمثل في القرية، في العلاقات البسيطة، في إيقاع الحياة المتكرر. هذا العالم لا يخلو من الأسئلة، لكنه يتعامل معها بطريقة مختلفة، أقل صدامًا وأكثر قبولًا.
وهنا يظهر اختلاف مهم بين وجودية الطيب صالح والوجودية الأوروبية. ففي حين تميل الأخيرة إلى التركيز على عزلة الفرد وقطيعته مع العالم، نجد عند الطيب صالح نوعًا من التوازن، أو على الأقل محاولة للبحث عنه.
فالإنسان لدى الطيب صالح، حتى في لحظات اغترابه، لا ينفصل تمامًا عن جذوره، بل يظل مشدودًا إليها بطريقة ما.
ومن هنا يمكن القول إن الوجودية عند الطيب صالح ليست فلسفة معلنة ومباشرة، بل تجربة معيشة. طرحها طبعًا على شكل صراعات داخلية، واختيارات صعبة، ومحاولات مستمرة للفهم.
ومن وجهة نظري، فإن الطيب صالح لا يقدم الإنسان بوصفه كائنًا حرًا بشكل مطلق، كما عند جان بول سارتر، ولا بوصفه كائنًا يواجه عبثًا كاملًا كما عند ألبير كامو، بل قدمه ككائن يعيش بين الاثنين، بين الحرية والقيود، بين المعنى واللا معنى، بين الانتماء والاغتراب.
وربما لهذا السبب تبدو أعماله أقرب إلينا؛ وذلك لأنها تضعنا أمام تجربة إنسانية يمكن أن نرى أنفسنا فيها. فنحن، مثل شخصياته، نعيش داخل اختياراتنا، ونحمل معنا آثار ما لم نختره، ونحاول، بطرق مختلفة، أن نجد لأنفسنا موضعًا في هذا العالم.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو هل كان الطيب صالح كاتبًا وجوديًا؟ بل كيف استطاع أن يعبر عن الوجود الإنساني بهذه الدرجة من الصدق، دون أن يتحول إلى فيلسوف؟
وربما قد تكون الإجابة المختصرة، هي أن الأدب في أفضل حالاته، لا يشرح الوجود، أكثر من كونه يجعله محسوسًا. وهذا بالضبط ما فعله الطيب صالح؛ إذ لم يقدم تعريفًا للإنسان، بل وضعنا أمامه، بكل تعقيده، وتركنا نحاول فهمه بأنفسنا.
-ريم مكي
لماذا تتساقط الأشياء عنّي؟
أرمي ظهري للطريق ثم أسير بأكتاف متراخية؛ كنت أبرح الأماكن بانسياب، وكأنني لا أُغادرها بقدر ما تُخلي هي نفسها منّي.
لم تركض خلفي شجرة، لم يختل ظل ليمنعني، لم يبكِ عند رأسي عصفور، ولم تسابقني الرياح عند مصراع الباب.
وكان الأحبة، جميعهم، يفقدون شغفهم نحوي فور انتهاء الربيع، وكانت الفصول وحدها تتحمل وجودي، وحين تنقضي، يعود كل شيء إلى حياده الأول.
كان كل شيء يترك لي المساحة حتى أسير بعيدًا للغاية دون أن يرنو نحوي لوهلة.
ومع الوقت، لم يعد هذا يدهشني، أعني ذلك التراجع الخافت الذي يسبق كل غياب.
وهكذا، لم يعد يتكون الحزن دفعة واحدة، بل صار يتوزع على مساحات صغيرة، حتى يصبح أقرب إلى حالة عامة منه إلى شعور محدد.
ولهذا، لا يعود السؤال هنا عن الأشياء، ولا عن الآخرين، بل عن ذلك التراخي الخفي الذي يحدث في داخلي كلما اقترب شيء من أن يصبح حقيقيًا.
لماذا، في اللحظة التي ينبغي أن يثبت فيها ما لدي، يبدأ دون إنذار، في الانفكاك عني؟
لماذا، في النقطة التي يفترض أن يشتد فيها التماسك، أجدني أمام شيء يتفلّت بهدوء، كما لو أن بقاءه لم يكن احتمالًا جديًا منذ البداية؟
لماذا،
في كل مرة،
يهون على الأخرين فراقي؟
قدّاس لما لم يحدث
يُقال إن الرحيل يحتاج إلى سبب، لكن الأسباب نفسها تبدو أحيانًا كأنها مجرد تبريرٌ متأخر، شيء نلحقه بالفعل بعد أن يقع، لا قبله.
لا أحد يغادر كما يخطط له أن يغادر. التحول يحدث أولًا، ثم نُسميه لاحقًا رحيلًا.
وما يثير الدهشة ليس أن الأشياء تنتهي، بل الطريقة التي نتعامل بها بعد أن تفعل. حيث هناك، في تلك اللحظة نصبح جميعًا أكثر رقة مما نعرفه عن أنفسنا. نُخفض أصواتنا، نُعيد النظر، ونبحث عما يمكن إنقاذه من صورة لم تعد موجودة أساسًا.
وكأننا وبعد فوات الأوان نحاول أن نكون عادلين.
لكن العدالة، في هذه الحالات ليست إلا محاولة لتأجيل سؤال غير مريح وهو لماذا لم يكن هذا واضحًا من قبل؟ ولماذا رغم وضوحه الآن لا يزال فينا شيءٌ يرفض تصديقه بالكامل؟
وإذا نظرنا بدقة فإن الأمر لا يتعلق بالموت فقط، ولا بالفقد اي كان اسمه وشكله. بل بتلك الانقطاعات التي لا تُعلن عن نفسها، التي لا تُقدّم لنا فرصة لنقول شيء أخير، أو حتى لندرك أن شيئًا ما قد انتهى.
تلك اللحظات التي نكتشف فيها متأخرين، أننا كنا نُكمل علاقةً انتهت فعلًا أو نُقيم داخل فكرة فقدت معناها دون أن نُلاحظ.
لكن نستمر رغم ذلك!! لا لأننا مقتنعون بل لأن التوقف يتطلب قرارًا لم نتعلم كيف نُدخله في حياتنا دون خسارة إضافية.
وهنا يصبح الرحيل أكثر تعقيدًا وذلك كونه سلسلة من التراخي، من التنازلات الصغيرة، ومن القبول التدريجي بأن شيئًا ما لن يعود كما كان.
لكننا على أي حال لا نقول ذلك بصراحة. نفضل أن نُبقي المعنى قائمًا، حتى لو كان قد فقد تماسكه تمامًا. نُبقي العلاقة في شكلها، حتى لو تغير محتواها بالكامل.
لكن ما لا نُواجهه ونفهمه بدقة هنا، هو أن الفقد لا يأتي دفعة واحدة. إنه يتسرّب؛ يتسرّب من التفاصيل الصغيرة، من الأشياء التي لا نُعلّق عليها أهمية في البداية، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت العلامات الحقيقية. ويكون حينها كل شيء قد استقر على ما هو عليه.
نحن لا نعيش الرحيل حين يحدث فحسب، نحن نعيشه بعد ذلك بكثير، في لحظة لا يمكنني تحديدها بدقة، حين يصبح ما حدث واضحًا بما يكفي، لكن غير قابل للتراجع.
وهناك، تحديدًا نبدأ في إعادة النظر في كل شيء محاولة منا لفهم كيف وصلنا إلى هذا الموضع. لكن الفهم في مثل هذه الحالات، لا يُعيد ترتيب الماضي بل يُضاعف ثقله. نُدرك أن ما كان يمكن أن يكون، أصبح الآن أكثر حضورًا من ما كان بالفعل. وأن ما لم يحدث، لم يعد احتمالًا، بل فقدًا قائمًا بذاته. لا يُدفن، ولا يُحزن عليه بالطريقة المعتادة،لكنه يظل هناك كشيء لا يكتمل ولا يختفي. وهكذا، نستمر في حمله. كاحتمالٍ لم يُسمح له أن يتكوّن.
نحمله ونتحرك به، ونُعيد إنتاج حياتنا حوله، دون أن نعترف بوجوده. لأن الاعتراف به سيعني شيئًا أكبر من مجرد الحزن، سيعني أن بعض الأشياء لا يمكن أن تُستعاد، ولا حتى من خلال الفهم. وهذا على ما يبدو، أكثر ما يصعب احتماله.
لقد وُلد الإنسان من طين، لكن ذاكرته من رماد لهذا يعيش متعلّقًا بالهباء، يحاول أن يعيد بناء وجهه في كل فرصة، أن يقنع نفسه بأنّ هذا الذي يراه هو "هو"، وأن كل خسارة يمكن أن تُعوّض. لكنه لا يعرف أن الخسارة نفسها هي ما تبقيه حيًّا، وأن الحنين هو آخر خيط يربطه بالزمن الذي كان ينبغي له أن يكون.
Читать полностью…
أنا يا عصفورة الشجن، مثل عينيك بلا وطن.
أستيقظ في منفى لم أختَرْه، أفتح نافذتي فلا أجد سوى صدى يعود من جهة لا تعرفني، كأن العالم كلّه التوى على نفسه ونسي كيف يكون مستقيمًا مرة أخرى. الأشياء هنا بلا نية، حتى الضوء يبدو متعبًا من وظيفته.
تعرفين يا عصفورة الشجن، أن الغربة لا تبدأ حين تغادرين الوطن، بل حين تكفّ الأرض عن الإحساس بك. منذ زمن بعيد لم تعترف بي الطرق التي مشتها قدماي، ولا تعرفني المرايا، فكلما اقتربت منها انطفأ الزجاج أو اشتعل، كأنها ترفض إعادة وجهي إليّ.
في جميع تلك المدن التي مررتُ بها، كانت السماء معلّقة بخيوط من خوف، والناس يمشون وهم يجرّون ظلالهم كما لو كانت سلاسل. يبتسمون لأن الوجوه تعلّمت الطاعة. الحروب كانت تسير خلفهم مثل كلب هرم يعرف طريق البيت جيدًا. لم تكن حربًا كما يقولون، كانت مجرّد عادة، عادة أن يقتل أحدهم أحدًا كي يتذكّر أنه ما زال موجودًا.
أتذكرُ أول مرة سمعتُ فيها الرصاص، لم يكن الصوت مرعبًا كما توقعت، بل أقرب إلى نغمةٍ بعيدةٍ من موسيقى قديمة مألوفة. بعدها فقط عرفتُ أن الخطر لا يصدر من السلاح بل من الصمت الذي يليه. من ذلك الفراغ الذي يتّسع في صدرك حين تدرك أن العالم لا يهتمّ إذا كنتَ حيًا أو لا.
أعيش الآن بين أممٍ تتحدث بلغاتٍ كثيرة، لكن كل اللغات تصبّ في نهر واحد وهو العزلة. في المقاهي يتحدثون عن الحرية كما لو كانت عرضًا مسرحيًا حضروه البارحة، ويخرجون منه كما دخلوا، أنقياء من أثر الألم. لا أحد منهم يفهم أن الحرية ليست فكرة بل ندبة، وأنّ الندوب لا تُشرح في الندوات.
لي في صدري مدينة صغيرة طمستها الحروب، تُقام فيها طقوس الحزن اليومية دون إعلان. الأطفال يلعبون بالرماد، والعجائز يضعون أسماء الموتى في جيوبهم خوفًا من النسيان. لم أعد أعود إليها في الحلم، لأنها أصبحت تعرف غيابي أكثر مما تعرف حضوري.
يحدث أحيانًا أن أرى نفسي في هيئة أخرى سيدة عجوز أو رجلٌ يمشي في الصحراء وليس له ظلًا. الريح تمرّ من خلاله كأنه نافذة أو شرخًا. يحمل في جيبه مفاتيح كثيرة لأبوابٍ لم تشيد بعد. هذا الرجل ليس أنا، لكنه أيضًا ليس غيري.
كلما حاولتُ الكتابة، تخرج الكلمات مكسوّة بالتراب. كأنها تُبعث من قبورٍ قديمة تنتظر عودتي. الكتابة نفسها أصبحت حربًا صغيرة، حربًا بلا عدوّ ظاهر، يشارك فيها الحبر والورق والذاكرة والضمير. أحيانًا أكتب لأتخلّص من الكلام، لكنّ اللغة لا تهدأ والكلمات تعيدني إلى ذات النقطة، حيث المعنى لا يولد ولا يموت، فقط يدور في هواء ثقيل كطائر فقد الاتجاه.
قال لي أحد الغرباء يومًا: أنتم القادمون من الحروب، تحملون في عيونكم شيئًا يُقلق المرء. لم أفهمه وقتها لكنني الآن أدرك تمامًا نحن الذين نخرج من الرماد، نحمل فينا حريقًا لا يُرى، ولهذا نخيف الذين لم يحترقوا بعد.
في هذا المنفى، حيث لا أحد يرفع صوته إلا الريح، تعلمتُ أن الوطن ليس مكانًا، بل أثرٌ باق في الهواء حين يرحل الجميع. الوطن هو الشيء الذي يبقى ليؤلمك حتى بعد أن تنساه.
أنا يا عصفورة الشجن، لم أعد أؤمن بالخلاص. الخلاص ترفٌ لا يليق بمن شاهد العالم وهو يتعفّن ببطء. ما أطلبه الآن شيءٌ أبسط، أن أعيش دون أن أبرّر، أن أتنفّس دون أن أُتّهم، أن أرى دون أن أُعاقب. أن أكون، ولو للحظة، إنسانًا يمرّ في المشهد دون أن يُحوَّل إلى درسٍ في الصبر.
وحين يأتي الليل، أراكِ تحطين على نافذتي، تغنين أغنية بلا لغة. فأقول في نفسي: ربما لم يكن العالم يومًا سوى عصفورٌ يغنّي فوق أنقاضه، وإنسانٌ يصغي، لأنه لم يعد يملك سوى الإصغاء.
أنا والسيد كامو
لم ألتقِ به يومًا، ومع ذلك لم يرافقني أحد بعمق ما فعل. لم يكن ألبير كامو بالنسبة لي كاتبًا أو فيلسوفًا، بل كائنًا واصل الطريق الذي توقفت عنده أنا. حين قرأته أول مرة، لم أكن أبحث عن أجوبة، كنت أبحث عن صوت يشبه حيرتي، عن شخص يرى العبث لا كعقيدة، بل كحالة بشرية عارية من التجميل. وجدته هناك، في مكان لا يَعِد بشيء، لكنه لا يكذب.
كنت أشعر دائمًا أن العالم يبالغ في محاولة ترتيب نفسه، وأن هذا النظام الظاهر ما هو إلا زينة على جرح مفتوح. كامو لم يعرض علاجًا، بل أشار إلى الجرح كما هو، وقال: انظر، لا شيء يلتئم تمامًا. كان ذلك اعترافًا تحريريًا أكثر من كونه اكتشافًا فلسفيًا. لم أعد بعده أبحث عن معنى للحياة، بل عن طريقة لعيشها رغم غياب المعنى.
أحيانًا أقرأه وأشعر أنه يكتب من داخلي، من تلك المنطقة التي تتردد بين الفوضى والانضباط. صوته لا يرتفع، لكنه يثقب الوعي بثبات. كان يدرك أن الفلسفة التي لا تمسّ العيش اليومي تظلّ زينة فكرية لا أكثر. لم يكن منظّرًا للعبث، بل شاهدًا عليه. كل ما قاله عن التمرد لم يكن دعوة، بل نوعًا من الكرامة الباقية لمن لم يجد ما يؤمن به بعد.
في زمن يميل الناس فيه إلى الإيمان بأي شيء كي لا يسقطوا في الفراغ، اختار كامو أن يقيم في الفراغ نفسه. لم يزخرف العبث، ولم يحوّله إلى أسطورة. ظل يذكّرني أن التفكير لا يُنقذ أحدًا، لكنه يجنبنا الوهم. ومنذ ذلك الحين، تعلمت أن الوعي ليس طريقًا إلى الطمأنينة، بل إلى الصدق.
حين أقرأه الآن، لا أرى في نصوصه ماض فلسفي بارد، بل تمرينًا دائمًا على البقاء متيقظة. الحياة بالنسبة له لم تكن سؤالًا ميتافيزيقيًا، بل تجربة محدودة لا تستحق الخيانة باليقين. لقد عاشها كما هي: ناقصة، قاسية، لكنها قابلة للحب ما دامت صافية من الادعاء.
في مرات كثيرة شعرت أنني مدينة له بنوعٍ من التوازن، ذلك التوازن الذي يُبنى على الفهم لا الإيمان. لقد علّمني أن الإنسان ليس بحاجة إلى سبب ليواصل، يكفي أن يرى الضوء. ذلك الضوء الذي تكلّم عنه في تيبازة، ضوء لا يغير العالم لكنه يكشفه.
ما زلت أعود إليه حين أضعف أمام معنى جديد، حين يغريني النظام العقلي بوعود الطمأنينة. هناك أسمعه يهمس من بعيد: “الحياة لا تُفسَّر، بل تُعاش.” هذه الجملة وحدها كانت كافية لإنقاذي من كثير من الأوهام. لقد حرّرني كامو من الحاجة إلى تبرير نفسي أمام الوجود، ومن وهم أن المعاناة تحتاج سببًا لتُحتمل.
ربما لذلك أقول إن علاقتي به ليست فكرية بقدر ما هي أخلاقية. لم أتعلم منه كيف أفكر، بل كيف لا أكذب على نفسي وأنا أفكر. كان صادقًا بطريقة مؤلمة، يفضح هشاشتنا من غير أن يحتقرها. وعندما أراه يسير نحو موته في ذلك الطريق المبتلّ، أفكر أنه نجا بطريقة ما: لقد مات قبل أن يساوم على وضوحه.
أنا لا أعيش العبث كما فهمه، ولا أملك شجاعته في النظر إلى العدم بعين مفتوحة، لكنني أحاول أن أحتفظ بالمسافة نفسها التي حافظ عليها بين الفهم واليأس. تلك المسافة الصغيرة التي تفصل الإنسان عن الاستسلام الكامل. في تلك المسافة بالتحديد يسكن السيد كامو.
بدأت بتلخيص عادي لنفسي وانتهيت بورقة علمية،
قبل كم يوم كنت قاعد أبحث وألخص عشان أفهم الفرق بين الاستنباط والاستقراء بعمق أكثر سواء في البحث العلمي عمومًا أو في الفلسفة خصوصًا. ما عارفة كيف أتحولت لورقة بحثية😹؛
المهم ح أنشر الورقة هنا للي حاب يستفيد.
اللهم ليس بجهدي ولا باجتهادي، إنما بفضلك وكرمك علي. وقد أتممت بعد أربعة أشهر من المواظبة بحثي العلمي: «الفلسفة قبل سقراط: من الميثولوجيا إلى الفلسفة الطبيعية (طاليس أنموذجًا)».
ولقد شقَّ عليّ السير فيه لما اعترضني من اختلاف المترجمين وتباين أقوال المؤرخين، إذ أبى بعضهم الترجمة المباشرة للنصوص وأبقوها على لغتها اليونانية، فطال النظر وكثر التردد. وقد فكرت غير مرة أن أتوقف وأؤجل العمل سنة كاملة، لكنني عدت فصبرت حتى تمّ، إذ العادة جارية أن كل علم لا يُنال إلا بمكابدةٍ وصبرٍ على مشاقه.
أنتِ شرسة…. كالنمور، هذا ما همست لي به أمي، وهي ترفع عينيها عن حافة مجلى الغسيل وراحت تحدق فيّ بشي من الأسى. صوتها عطوف هامس كما هو ولكنه مكسور كصوت الزجاج حين يسحق تحت الأقدام.
أحيانًا كثيرة أكاد أجزم بأنني وُلدت بفم مليء بالشوك. أنزف كما الأشجار كلما حاولت أن أتحدث عن نفسي. وكلما حاولت أن أهدأ وأصمت كانت أنيابي تكبر. فتشعر أمي بتلك الحمى السقيمة التي تأكلني. تمد يدها وتلمس وجهي كما لو أنها تلمس قناعًا، كانت خائفة أن تسقطه يدها فترى ما يختبئ تحته. تقول لي بشيء من الوجل :”كوني لينة كما الماء.” لكنني كما النار. أحرق ملاءتي، أحرق دفاتري، أحرق فتاوي الصبر والطاعة، أحرق حتى أفكاري وأسماء الفصول التي لا تحتضن الثورة.
النساء في عائلتي يخبئن صراخهن في أدراج المطبخ، في فناجين الشاي والقهوة، في صحون الملامين المزركشة ونشرات الأخبار وتحت مفارش الكتان المزخرفة. أما أنا، فأخيط الصراخ على أكمامي وأغزل التمرد في جديلتي.
وكل ليلة، حين تنام أمي أتحول إلى شيء آخر لا استطيع تعريفه، طائر بلا منقار. أنثى بلا مهد. نجمة تحترق في سماء ليلة مظلمة. وبمخالب نازفة أنقش اسمي على الجدران القديمة، أفتش عن وجهي، عن ظل يشبهني، وأتدرع بشراسة النمور لأنها الشيء الوحيد الذي قد ينقذني من أن لا أُمحى.
قصة قصيرة، ورغم أن القصة مليئة بالرموز وسأترك التحليل لكم ولكن حابه أشرح حاجه وحده وهي الأب هنا
هو ليس مجرد شخصية ثانوية ، بل هو تجسيد لآلة باردة تكرر ذاتها بلا توقف كما تفعل وسائل الإعلام عندما تحول الموت إلى 'أرقام'، والألم إلى خبر عاجل. الأب هو بمثابة الصوت الذي فقد معناه لكثرة تكراره، هو الوجه الذي لم يعد يعكس أي إحساس لأنه اعتاد رؤية الخراب دون أن يطرف له جفن. وفي عالم تُستهلك فيه الكوارث كما يُستهلك أي منتج آخر، يصبح وقع الفاجعة مجرد خلفية باهتة للحياة اليومية. اسمحوا لي ولكن هذا هو الواقع، واقع لا يحتاج إلى تأويل، لأنه يتجلى أمامي بوضوح، في كل شاشة، في كل عنوان، في كل نظرة لامبالية تمر على المأساة كما يمر المرء على إعلان مكرر.
لا شيء يتطلب الوحدة والعزلة بقدر ما تتطلبه القراءة، ومن الجلي أن هذه العزلة ليست قسرية وليست فارغة، بل على العكس إنها تشكّل امتلاءً ثقيلاً بما يفيض عن العالم. والقارئ، مثل الكاتب بحاجة إلى غرفة خاصة كما قالت فرجينيا وولف، وإلى فسحة من الصمت لأن الكلمات حينها تكتسب بُعدًا آخر؛ ووحده القارئ سيدرك أنه لا جنون في القول إن الكلمات تتحرر من الصفحة وتسبح في الفراغ من حوله.
أن تقرأ يعني أن تنفصل عن العالم دون أن تهجره حقًا. بالنسبة لي أنا شخصيًا، منحتني القراءة حياة ثانية، أو ربما حيوات لا متناهية، جردتني بكل براءة من المكان والزمان، وتركتني في حالة من التواجد والانعدام، من القرب والبعد عن كل شيء.
ولكن أيها الطبيب الأحمق، تسألني: ما الخطب؟
وما أدراني؟ أنا امرأة تجيد الترتيب. ولو كنت أدري لرتبت فورًا تلك الفوضى التي تموج داخل رأسي و لوضعت لها حدودًا كما تضع المدن حدودها.
أنظر حولي: إن الناس يمشون، يتكلمون، يأكلون، ينامون، يلهون، كما لو أن الأمور تسير وفق منطق واضح ومحدد، كما لو أن العالم ليس مجرد فوضى كبرى متنكرة بسذاجة في هيئة نظام هش.
قلبي يؤلمني ورأسي يدق طوال الوقت، أسوأ مافي الأمر أنني أعرف الحقيقة، ومع ذلك، لا أستطيع إلا أن أعيش كما لو أنني لم
أعرفها.
أسمع ضجيج أفكاري، طنين، يشبه طنين نحلة محاصرة داخل زجاجة، لا مخرج لها، أهذا ما تريد سماعه؟ أنني أشعر… أشعر أنني زنزانة أيها الطبيب، أعيش داخل جسدي وكأنه قبر مفتوح. أنني, رغم محاولاتي الجامحة لترتيب الأشياء أعلم يقينًا أنني هنا في الداخل، أتحلل وأذوب ببطء، وأن هذا التنميق ليس إلا ستارًا هشًا أمام تلك الفوضى التي تزحف نحوي.
لكن لا تقلق، سأجيبك أيها الطبيب الساذج على سؤالك الصعب هذا. سأجيبك حتمًا كالفتاة المهذبة التي اعتدت عليها: لا شيء، لا شيء على الإطلاق.
الوحش، والمنديل، وأنا.
قبل عدة أيام، فتحتُ الصندوق المخبوء أسفل السرير القديم في غرفتي القديمة. حيث كان هناك صندوق خشبي عتيق لكنه صلب، وكان مغطى بالرمال، كقبور العصافير. وعندما لمحته، بدا كما لو أنه بانتظاري، كأنه يعرف أنني لن أستطيع مقاومة نبشه. زحفتُ ببطء، مقتربةً منه، وفي طريقي إليه قابلت الوحش أسفل السرير، مجرد جثة. العناكب نسجت خيوطها حوله، الحشرات حفرت طريقها عبر الجلد المتآكل، وكان النمل الأحمر يسير فوقه في صفوفٍ عدة، كأنه يؤدي طقسًا مهمًا. وفكرت حينها أن لهذا الوحش الميت حضور أكثر مما ينبغي.
مددتُ يدي وجلستُ بالقرب من الجثة الهامدة. وضعتُ الصندوق على حجري وفتحته على مهل، خشية أن يستيقظ الوحش.
أخرجتُ المنديل الأحمر الغاني. كان هذا جرحي القديم، يا أبي. لا يزال ينزف، لا يزال نديًا، لا يزال طازجًا ومتقرحًا وعميقًا. لم أشفَ منك بعد، يا أبي.
انتشرت رائحة العتق والعدم والدم في المكان، رائحة مألوفة تشبه رائحة الليل حين يتعفن ببطء تحت جفون الأرق.
لمسته برقة، فشعرتُ بوخز دافئ تحت جلدي، وتحرك الوحش بخفة، كما تتحرك الأشباح. تجاهلته، وتجاهلتُ ذلك الألم الذي ينبض في صدري. وأعرف أن الجروح لا تختفي عندما نتجاهلها، إنها تبقى رغم ذلك، تتحرك، تتوسع، تتبعك في الطرق، تحتسي معك فناجين القهوة، تقرأ المجلات، تتسلل إلى أحلامك، ثم تستيقظ قبلك في الصباح، وتجلس على حافة السرير المبعثر بانتظارك.
تمنيتُ لو كان في جسدي جرح آخر، أبٌ آخر. تمنيتُ لو أنك كنتَ أقل قسوة… أو ربما، ربما لو كنتَ أكثر قسوة، أكثر شراسة، حتى يقتلني الرفض تمامًا ولا يتركني هكذا، نصف ميتة، نصف مشتعلة، نصف ممزقة بين عالمين.
أفكر في إبليس أحيانًا، يا أبي، ليس في صورته الملعونة، بل كروحٍ وحيدة، كروحٍ تائهة في الفراغ الصامت بعد أن أُغلقت أبواب الانتماء في وجهه. ماذا لو لم يكن غاضبًا بقدر ما كان حزينًا؟ ماذا لو أنه توقف عن التآمر وحاول أن يتذكر ذاته القديمة؟
لم أشفَ منك، يا أبي، ولا أظنني سأشفى. هناك جراح لا تندمل، لأنها تصبح نحن، تتسرب إلى جلودنا وعظامنا، إلى صوتنا حين ننادي، إلى أطراف أصابعنا حين نلمس الأشياء، إلى قلوبنا حين نحاول، بكل سخافة، أن نقع في الحب، إلى هويتنا حين نحاول أن ننتمي، إلى الأحلام التي لا تأتي.
الآن، ها أنا ذا مرة أخرى. أعيد المنديل إلى الصندوق، والصندوق إلى الوحش الذي يحرسه. أعيد كل شيء إلى عهده، كل شيء كما كان منذ أن غادرتَ أنت. كما لو أن الذاكرة يمكن طيّها، كما لو أن الجراح تركن حقًا أسفل السرير.
الصداقة
غالبًا ما تُفهم الصداقة باعتبارها علاقة إنسانية عادية، واحدة من بين علاقات عديدة ينخرط فيها الفرد خلال حياته. لكن هذا الفهم، رغم شيوعه، يبدو سطحيًا إذا حاولنا التوقف عنده قليلًا. فالصداقة ليست مجرد إضافة إلى حياة الإنسان، بل قد تكون شرطًا من شروط فهم هذه الحياة نفسها.
ربما يمكن البدء من ملاحظة بسيطة، وهي أن الإنسان لا يختبر وجوده في عزلة تامة. حتى في أكثر لحظات الوحدة يظل الآخر حاضرًا بطريقة ما، سواء في الذاكرة أو في التوقع. ومن هنا يمكن القول إن الوجود الإنساني، في أحد أبعاده الأساسية، هو وجود مشترك.
هذا ما يجعل الصداقة أقرب إلى مسألة فلسفية منها إلى حالة اجتماعية.
عند العودة إلى أرسطو، نجد تصورًا للصداقة يتجاوز التصنيفات الأخلاقية المعتادة. صحيح أنه قد ميز بين صداقة المنفعة والمتعة والفضيلة، لكن الأهم من ذلك أنه ربط الصداقة بفكرة أعمق وهي إحساس الإنسان بوجوده. فالإنسان، في نظر أرسطو لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يشعر بوجوده، ويجد في هذا الشعور نوعًا من القيمة. غير أن هذا الإحساس لا يظل مكتفيًا بذاته، بل يمتد نحو الآخر، بحيث يصبح حضور الصديق امتدادًا لهذا الوعي.
بهذا المعنى، لا يكون الصديق مجرد شخص آخر، بل شكلًا من أشكال حضور الذات خارج حدودها. ليس تكرارًا لها، ولا انعكاسًا بسيطًا، وإنما نوع من التضاعف الوجودي، حيث يشعر الإنسان بوجوده، ويشعر في الوقت نفسه بوجود آخر يشاركه هذا الإحساس.
لكن هذا التصور، رغم عمقه، يثير إشكالًا مهمًا، هل يمكن فعلًا تعريف الصداقة؟
إذا حاولنا التعامل مع كلمة "صديق" كما نتعامل مع صفات مثل "طويل" أو "ذكي"، سنجد صعوبة واضحة. فهذه الصفات تشير إلى خصائص يمكن ملاحظتها أو قياسها بدرجة ما. أما الصداقة، فلا تبدو كذلك. لا يمكن تحديدها من خلال خاصية واحدة، ولا يمكن إدراجها بسهولة ضمن فئة محددة.
وهنا يظهر أن "الصديق" ليس وصفًا بالمعنى الدقيق، بل علاقة لا تختزل في خصائص. بمعنى أننا عندما نقول عن شخص إنه صديق، فنحن لا نصفه بقدر ما نحدد موقعه في شبكة من العلاقات التي لا تُرى مباشرة.
هذه الطبيعة الخاصة تجعل الصداقة أقرب إلى التجربة منها إلى المفهوم.
ولكن إذا ما انتقلنا إلى الفلسفة الحديثة، سنجد أن هذه العلاقة لم تعد بنفس الوضوح. عند فريدريك نيتشه، مثلًا، يظهر قدر من الحذر تجاه الصداقة. فهي ليست دائمًا مساحة انسجام، بل قد تكون ساحة توتر، حيث يواجه الإنسان الآخر بوصفه تحديًا، لا مجرد امتداد مريح لذاته. الصديق هنا ليس من يطمئنني فقط، بل من يضعني أمام نفسي بطريقة قد تكون غير مريحة.
أما جاك دريدا، فقد تعامل مع الصداقة بوصفها علاقة تحمل في داخلها مفارقة. فهي تبدو قائمة، ومع ذلك يصعب تثبيتها أو ضمانها بشكل نهائي. يمكن أن نقول "نحن أصدقاء"، لكن هذه العبارة لا تكفي لصنع الصداقة، ولا تضمن استمرارها. هناك دائمًا عنصر غير قابل للإحكام، شيء يفلت من التعريف.
هذا التعقيد يقود إلى نتيجة مهمة وهو أن الصداقة قد تكون ليست حالة مستقرة، بل عملية.
هي لا تُعطى مرة واحدة، ولا تستمر بنفس الشكل. تتغير مع الزمن، تتأثر بالظروف، وقد تنتهي دون سبب واضح.
وربما هذا ما يميزها عن العلاقات المفروضة، التي تستند إلى روابط خارجية أكثر ثباتًا.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الصداقة باعتبارها اختبارًا للحرية. فكل طرف يدخل العلاقة بإرادته، ويستمر فيها بإرادته أيضًا. لا توجد ضرورة تُجبره على ذلك. وهذا يجعل الصداقة، في أحد معانيها، علاقة قائمة على الاختيار المستمر.
لكن هذا الاختيار لا يحدث في فراغ. فهو يتشكل داخل شبكة من التأثيرات المتبادلة. صديقي يغيرني بقدر ما أؤثر فيه. العلاقة ليست مجرد تواصل، بل إعادة تشكيل مستمرة للذات.
ومن هنا يمكن القول إن الصداقة تكشف شيئًا أساسيًا عن الإنسان وهو أنه كائن لا يكتمل وحده، لكنه أيضًا لا يذوب تمامًا في الآخر. هناك توازن دقيق بين القرب والمسافة، بين المشاركة والاستقلال، وهذا التوازن لا يُحسم مرة واحدة، بل يُعاد تشكيله باستمرار.
ومن وجهة نظري، فإن أكثر ما يميز الصداقة هو أنها علاقة بلا ضمانات. لا تستند إلى قانون، ولا إلى التزام مفروض، ولا حتى إلى مصلحة واضحة في كثير من الأحيان. ومع ذلك، تستمر. وهذا الاستمرار لا يمكن تفسيره بسهولة، لأنه يرتبط بشيء أعمق من المنفعة أو العادة.
ربما يمكن القول إن الصداقة هي تجربة لمشاركة الوجود نفسه، دون وسيط. لا يشترك الأصدقاء في شيء محدد بقدر ما يشتركون في الإحساس بكونهم موجودين معًا.
في النهاية، قد لا يكون السؤال ما هي الصداقة؟ بل ماذا تكشف الصداقة عن طبيعة وجودنا؟
فمن خلالها يتضح أن الإنسان لا يعيش فقط، بل يعيش مع. وأن هذه ال"مع" ليس إضافة ثانوية، بل جزء من تكوينه نفسه.
وجودية الطيب صالح
أخذ مني الأمر حوالي سبعة أيام فقط لمراجعة كتب الطيب صالح، وذلك لأجمع المعلومات المهمة التي احتجتها لكتابة هذا المقال. ورغم أنني سبق وقرأت معظم أعماله، إلا أن بعض الصفحات استوقفتني كثيرًا، وجعلتني أقرأها باهتمام تام، وكأنني أواجهها للمرة الأولى.
وكان أكثر ما شدني هو ذلك التردد الخفي داخل الشخصيات، وذلك الشعور بأن كل اختيار يحمل في داخله خسارة ما.
إذ كان الإنسان في عالم الطيب صالح، لا يعيش فقط ما يختاره، بل يعيش أيضًا ما لم يختره، أو بالأحرى، ما كان يمكن أن يختاره ولم يفعل.
ولعل هذا أكثر ما يدفعنا إلى التوقف عند الفلسفة الوجودية، وذلك بوصفها تجربة إنسانية تتكرر في أشكال مختلفة.
واسمحوا لي أن أحاول تبسيط الفكرة بموقف واحد، مثلاً، شاب يقف أمام عدة طرق، كل طريق يبدو ممكنًا، وكل اختيار يعني استبعاد طرق أخرى. في اللحظة التي يختار فيها، يتحول من كائن مفتوح على الإمكان إلى كائن محدود بالفعل. لكنه لا يفقد تلك الإمكانيات تمامًا، بل تظل حاضرة في وعيه، في صورة تساؤلات أو ندم أو حتى حنين غامض إلى حياة لم يعشها.
هذا التوتر بين الإمكان والواقع هو ما حاولت الوجودية فهمه. فقد رأى الفيلسوف جان بول سارتر أن الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، أي أنه لا يستطيع الهروب من الاختيار، حتى الامتناع عن الاختيار هو في حد ذاته اختيار. أما ألبرت كامو فقد ركز على فكرة العبث، وهو ذلك التناقض بين رغبة الإنسان في الفهم من جهة وصمت العالم الذي لا يقدم له إجابات من جهة أخرى.
لكن الوجودية لا تقف عند حدود التشخيص، بل تكشف أيضًا عن ثقل المسؤولية. فحين يدرك الإنسان أنه هو من يصنع معنى حياته، لا يعود قادرًا على إلقاء اللوم على قوى خارجية، سواء كانت المجتمع أو القدر أو حتى الماضي. وهنا يظهر القلق، ككونه علامة على وعي الإنسان بحريته.
وعند الانتقال إلى عالم الطيب صالح، نجد أن هذه الأفكار طُرِحت في صورة حيوات كاملة، أكثر من كونه في صورة مفاهيم. فالشخصيات في رواياته لا تتحدث عن القلق بصورة مباشرة، بل تعيشه. ولا تناقش الحرية، بل تتعثر فيها.
على سبيل المثال، في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، يمكن قراءة شخصية مصطفى سعيد باعتبارها نموذجًا مكثفًا لهذا التوتر. فهو ليس مجرد فرد انتقل من بيئة إلى أخرى، بل هو إنسان وجد نفسه ممزقًا بين إمكانيات متعددة، لم يستطع أن يحولها إلى وحدة متماسكة. لقد عاش أكثر من حياة في آنٍ واحد، لكنه لم يستطع أن يستقر في أي منها.
نافذة مواربة للرياح
كنت أترك النافذة مفتوحة قليلًا، ليس بالقدر الذي يسمح للضوء بالدخول ولا بالقدر الذي يُغلقها عن العالم، فقط مجرد شق صغير بالكاد يُرى، لكنه كاف لأن يحرك الستارة كلما مرت الريح.
لم أكن أفكر في الأمر كثيرًا، كان يحدث كعادة. أفتحها ثم أتراجع وأجلس على طرف السرير، أراقب الحركة الخفيفة للقماش كأن شيئًا ما يحاول الدخول دون أن ينجح تمامًا.
في تلك الغرفة كان كل شيء يبدو ثابتًا أكثر مما ينبغي. الطاولة، الكتب، الكرسي الذي لا أستعمله إلا نادرًا. حتى الوقت، كان يتحرك ببطءٍ غير مبرر، لكن الريح، حين تدخل، كانت تغير ذلك قليلًا، أعني… لا تغير شيئًا فعليًا، لكنها تخلق اضطرابًا خفيفًا يكفي لأن أشعر أن هناك ما يزال شيءٌ خارج هذا الثبات. في البداية كنت أظن أنني أترك النافذة مفتوحة من أجل الهواء لكن مع الوقت، بدا الأمر مختلفًا.
لم يكن الهواء هو ما أريده، بل الاحتمال.
أن يحدث شيء، أي شيء، حتى لو كان غير مريح. في بعض الأيام، كانت الريح باردة أكثر من اللازم تدفع الستارة بعنف، تُسقط ورقة من فوق الطاولة، أو تُغلق الباب نصف إغلاق بصوت حاد. كنت أنزعج، أنهض بتأفف، أقترب من النافذة، أفكر في إغلاقها، لكني لا أفعل.
أتركها كما هي.
بدا لي الإغلاق الكامل يحمل خطرًا أكبر من هذا الإزعاج العابر. في أوقات أخرى، كانت الريح خفيفة، تمر دون أثر تقريبًا، تلمس الأشياء دون أن تغير مواقعها وتغادر، وفي تلك اللحظات كان كل شيء بالنسبة لي يبدو قابلًا للاحتمال ليس بهيج تمامًا، لكن أقل ثقلًا.
مع الوقت، بدأت ألاحظ شيئًا لم أكن أريده. وهو أن نفس الفتحة التي تدخل منها تلك النسمات الخفيفة، هي نفسها التي تأتي منها تلك الدفعات القاسية. إذ لم يكن خيارًا بين نافذتين، لم تكن هناك نافذة للطمأنينة وأخرى للفوضى.
بل كانت هناك نافذة واحدة فقط، تفضي إلى كل شيء، بمعنى أن تركها مواربة لم يكن يعني قبول ما أحب فحسب، بل السماح أيضًا بما لا أملك حياله أي رغبة.
فكّرت مرة أن أجرب الإغلاق. وفعلت ذلك بالفعل، أغلقت النافذة بإحكام، وتأكدت من أن لا شيء يمكن أن يتسلل ثم جلست وانتظرت. لم تدخل الريح، لم يتحرك شيء، بقيت الستارة ساكنة، كأنها قطعة من الجدار.
في البداية، بدا الأمر مريحًا. لا ضوضاء، لا مفاجآت، لا شيء يكسر هذا التوازن الهش.
لكن بعد وقتٍ قصير، أصبح الصمت أثقل من أي عاصفة، لم يكن هدوءًا، بل بالأحرى كان فراغًا. كأن الغرفة فقدت صلتها بشيءٍ ما، لم أكن أراه لكنه كان ضروريًا.
عندها فقط فهمت، أن ما كنت أظنه حماية، لم يكن إلا شكلًا آخر من الانقطاع. أعدت فتح النافذة فعاد الصوت الخفيف، تحركت الستارة وسقطت ورقة أخرى على الأرض.
لم ألتقطها هذه المرة جلست أراقبها حيث سقطت، وأفكر في شيء لم أكن أريد التفكير فيه حقًا، وهو أن الحياة لا تكسرنا فجأة، بل تدخل علينا من خلال هذه الفتحات الصغيرة، من تفاصيل بالكاد نلاحظها، من أشياء نسمح لها بالحدوث، لأننا لا نريد أن نُغلق كل شيء.
الحزن لا يقتحم، بل يُدعى بشكلٍ غير مباشر، وكذلك الفرح… وعلى أي حال لم أعد أبحث عن الفرق بينهما. بدا لي مع الوقت أن السؤال نفسه بلا جدوى. لأن ما يأتي من تلك النافذة، لا يحمل أسماء. نحن فقط من نسمّيه، بعد أن يحدث.
نقول: هذا يوم سيئ.
أو: هذه لحظة جيدة.
لكن ما يدخل في جوهره واحد، هو فقط الريح، والطريقة التي نُترك بها بعدها.
أحيانًا أفكر، ماذا لو أنني أغلقت النافذة منذ البداية، هل كنت سأتجنب كل هذا؟
لكنه سؤال أجوف، لأن الإجابة حتى لو كانت تميل إلى نعم، تحمل في داخلها انكماشًا غريبًا علي شخصيًا.
لذلك، أترك النافذة مواربة للرياح. ليس لأنني آمل في شيء معين، ولا لأنني أقبل بما يأتي بكل حماقة، بل لأنني ببساطة لم أتعلم كيف أعيش في مكانٍ لا تمرّ فيه الرياح.
في الأزمنة القمعيّة، يصبح الحنين آخر أشكال الحرّية. فحين يُصادر الواقع صوتك، تبحث الذاكرة عن منفذ لتتكلّم، وتجد في الحنين إمتدادًا يتجاوز حدود الزمن نفسه. لهذا يبدو المنفيّون كمن يكلّمون أنفسهم، هم لا يسألون عن الطريق، بل عن الدليل الذي يثبت أنهم سلكوه حقًا. كلّ منفى هو حنين إلى وجه لم يعد يعني شيئًا، وكل ذاكرة تُكثّف ذاتها لتستمرّ في البكاء من دون دموع.
Читать полностью…
الكتابة كتمرد هادئ
أحيانًا أظن أنني أكتب لأفهم ما قصده كامو حين قال إن التمرد هو الوجه الآخر للوضوح. الكتابة بالنسبة لي لم تعد وسيلة لقول شيء جديد، بل لقول الشيء نفسه بطريقة أصدق. منذ أن دخل كامو حياتي الفكرية، لم أعد أثق في الخطابات العالية ولا في النصوص التي تريد إنقاذ العالم. صار يكفيني أن أكتب جملة واحدة تشبهني، ولو كانت ناقصة.
هو الذي جعلني أرى الكتابة كنوعٍ من الرفض الهادئ. رفض أن أكون آلة للمعنى، أو تابعة لنظام يطالبني أن أفسر كل شيء. أكتب لأُبقي على مساحةٍ صغيرة من الالتباس، لأنني أدرك الآن أن الغموض جزء من كرامتنا الإنسانية. كامو لم يطلب من أحد أن يكون بطلاً، بل أن يواجه العالم بلا أقنعة. أن نحمل وعينا كما نحمل حِجرًا في الجيب، ثقيلًا، لكنه يمنعنا من التحليق والطفو في الأكاذيب.
كثيرًا ما أكتب وأنا أتخيله في الخلفية، يجلس في مقهى شبعي، يشعل سيجارة، ويستمع بصمتٍ لثرثرة الحياة. لم يكن زاهدًا ولا ناسكًا، كان يعيش بكامل الجسد في عالم يرفضه بالعقل. وأنا، مثله، أحاول أن أعيش رغم انكشاف كل شيء. الكتابة، بهذا المعنى، ليست مقاومة، بل استمرار. استمرار ضد الإنقطاع، ضد الخدر، ضد الصمت الذي يُغري بالاستسلام والخضوع.
أحيانًا أصدق أن كامو لم يكن يبحث عن الحقيقة بقدر ما كان يبحث عن طريقةٍ كريمة للعيش في غيابها. وأنا أكتب لأجرّب تلك الطريقة. لا أبحث عن المعنى في الأشياء، ولكن عن حضورٍ صادقٍ داخلها. وربما لهذا أشعر أن الكتابة والعبث متجاوران، لأن كليهما يبدآن من العجز، عجز عن التفسير، وعجز عن الصبر أيضًا.
ثمة لحظات أشعر فيها أنني أفهمه أكثر مما ينبغي، كأنه لم يكتب ليُفهَم، بل ليُرافق. كان يعرف أن التفكير في العالم لا يعني السيطرة عليه، بل احتماله. لذلك كان صمته بعد الحرب، وموقفه من الجزائر، وانعزاله عن كل الأيديولوجيات، نوعًا من الكتابة الأخرى، وهي كتابة بالغياب.
وأنا أتعلم منه هذا الغياب. أن أترك في نصي مساحةً لما لا أعرفه، لما لا يمكن القبض عليه. الكتابة ليست بحثًا عن المعنى، بل قبولًا بالعيش إلى جواره دون امتلاكه. هذا ما يجعلها فعلًا عبثيًا في جوهره، ومع ذلك ضروريًا.
أحيانًا، حين يشتد علي الصمت، أستعيد تلك الجملة التي كتبها في أسطورة سيزيف : "علينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا". لم أفهمها يومًا على أنها دعوة للتفاؤل، بل للصدق. لا يمكننا أن نُسقط الصخرة عن أكتافنا، لكن يمكننا أن نتوقف عن الكذب بشأن وزنها.
الكتابة بالنسبة لي، منذ لقائي بكامو، صارت حدث بسيط، وهو أن أصف الصخرة دون زينة، وأن أواصل الدفع. أحيانًا أتعثر، أحيانًا أضحك من عبث الموقف، لكنني لا أريد أن أنسى الضوء الذي أشار إليه كامو. الضوء الذي لا يبرر شيئًا، لكنه يجعل الرؤية ممكنة.
حكمة معين لا ينضب من الفكر والفلسفة، طالما وجدت فيها ما يغذي الروح والعقل، أنا حقيقة ممتنة وسعيدة بأن تكون لي محاولة بسيطة ومتواضعة في هذا الصرح العظيم، وآمل أن يسهم هذا المقال ولو بقدر يسير في توسيع الاهتمام بالفكر الفلسفي النسوي وقضايا المرأة.
لمن يودّ القراءة، المقال متاح على موقع مجلة حكمة.
https://hekmah.org/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9/
تنويه: هذا البحث ما زال قابلاً للتعديل والمراجعة. سأرفق المراجع والمصادر في ملف منفصل وأقوم بنشرها لاحقًا.
Читать полностью…
صباح الخير النص ده قديم، كتبته في 2022 تقريبًا أو ربما أقدم وظل حبيسًا عندي لفترة لكنه وقع قبل عدة أيام في يدٍ غير أمينة، فخفت أن يُنسب لغيري لذلك أضعه هنا بأسمي.
قد أعود لاحقًا لإعادة صياغته وتطويره وتنقيحه، لكني الأن أحتفظ بهذه النسخة هنا كوثيقة تخصني واثبات ملكية.
ولكني هنا أتشاطر معكِ الألم، قلت للسيدة التي في المرآة. يكون الوجع أقل لوعة عندما يكون هناك شخص آخر في المشهد، نحن امرأتان وهذا الجرح واحد. كررت بتأنٍ
حاولت أن أبلع بعضًا من تلك العبرات التي كانت تجثم على فمي "غير أن كلانا يعترينا الخوف” تحدثت المرأة في المرآة أخيرًا، تبرمت وبدت لي كأنها لا ترغب في لعب الدور الذي كلفتها به. رغبت حينها بالبكاء، ولكنها بكت قبلي وتنهدت كثيرًا، ثم خلعت العقد، “إنه يخنقني، لا أريده” شكت بتوجس.
ابتلعت ريقي ورغبة عارمة بالصياح انتابتني. أردت أن أوبخها وأدينها، لكن شيئًا فيّ كان يعرف أنه يجب عليّ استمالتها قدر المستطاع. كانت ناضجة للغاية، ولكن في تلك اللحظة قد تهالكت أبعاد الزمان عندها وظهرت وكأنها قد عادت إلى أيام طفولتها، تلك الأيام التي لم تكن تعرف كيف تواجه فيها الألم.
مددت يدي بحذر، وسرت نحوها بقلق أقرب المسافة بيننا. العقود الضيقة تناسبك أكثر، شرحت وأنا أقرب أصابعي نحو عنقها وتوقفت عندما انتفضت من حركة يدي المفاجئة. تنهدت بتعب وكأن الألم يتسرب من أطراف أصابعي، كما لو أنني أقدم جزءًا مني في سبيل أن أخفف من وطأتها لعلي أريحها.
سأعطيك الجزء الصغير منه، سأخذ أنا الجزء الأكبر. جلدي غليظ يتحمل الألم. أفهم أنك لا ذنب لك في كل ذلك لكن يجب عليك مساعدتي، حاولت طمأنتها وأنا أعتصر يدي نحوها. نظرت إليها بتجهم.
ورأيتها من تحت أهدابي، تتراجع، وترفض كل شيء بشراسة. بادلتني النظر بعينيها الجاحظتين، تبحث عن شيء فيّ، شيء يشبهها، أو ربما شيء يشبه الفراغ الذي يملأنا. أو هذا الصمت الذي يتدفق بيننا.
يا له من صمتٌ ثقيل يصعب تحريكه، لم أجرؤ على التحدث، كلانا تعرف أن هذا الجرح الذي نتبادل حمله سيظل ينمو، وسنبقى قابعتين بصدورنا العارية تحت رحمته.
ولكني، أدرك شيئًا، بسيطًا، وتمنيت أن تفهمه هي دون أن أخبرها. لا يوجد شيء مشترك بيننا سوى هذا الألم الذي أصر على تقاسمه، وكلما اقتربنا منه، ابتعدنا عن أنفسنا أكثر. وأصبح هذا الألم، الذي لا نجرؤ على التخلص منه، هو الرابط الوحيد بيننا وبين العالم.
أميطُ السِّتار قليلًا بيديَّ الباردتين، كأيادي الجثث، وأطلُّ من خلف النافذة وأحدق قليلاً في الأرجاء فأرى خمسة جنود يُمشِّطون الحيَّ مرةً أخرى، كانت خطواتهم المنتظمة تضرب الأرض كإيقاعِ نبضِ مريض يتردد في الهواء الكثيف، المغلف بالصمت. إنها الساعة الثالثة والنصف صباحًا، والعالم متخشب ومشدود كوترٍ مشرفٍ على الانقطاع، وكانت عيناي تأبيان الاستسلام للنعاس، رغم الإعياء الذي ينهش جسدي.
وقفت هناك، عند النافذة، بهيئتي المتعبة: عينان غائرتان، فمٌ مليء بالحديث، وأكتافٌ هابطة للأسفل.
يقول الناس إن الحرب على وشك أن تنتهي، وفور انتشار الخبر في الحي، فاحت رائحة احتفال مصطنع وكاذب. وكانت أمي هي الأخرى، قد صدّقت ذلك تمامًا، بل حتى إنها خرجت عشية البارحة وعادت محملة بأكياس الطحين والسكر، وقالت إنها ستخبز الكعك احتفالًا بهذه البشارة. ولكن أبي ظلَّ عابس الوجه، شارد الذهن، وكأن هذا الحدث لا يعنيه تمامًا. لم ينبس ببنت شفة لكن ملامحه المنقبضة كانت توحي بضجر شديد. أذكر أنه كان أكثر حماسة عندما كانت الحرب في أوجها، يقف في وسط المنزل، يسرد علينا أسماء القتلى وكأنه يروي فصولًا من حكايةٍ مروِّعة، حكاية اعتدناها حتى بات وقع الأسماء الجديدة يمرُّ على مسامعنا بلا رجفة، بلا حتى شعور بالأسى.
تزحزحت عن النافذة، وعدتُ إلى سريري الذي تناثرت فوقه الأوراق المبعثرة كأشلاء الجثث المجهولة الهوية المرمية على قارعة الطريق. أزحتُ بعضها جانبًا، ورقدت على ظهري، أحدِّق في السقف بعينين مثقلتين بالحزن.
لقد أخبرني أنه سيعود فور انتهاء الحرب، أو حتى قبل ذلك. كنت أعضُّ على شفتي وأصكُّ أسناني ببعضها في كل مرة يعلن فيها أبي قائمة موتى اليوم، ثم أتنهد بعمق عندما لا يُذكر اسمه. أحيانًا كان الخوف يلتهمني حتى أشعر بأنني على وشك أن أفقد صوابي، حتى إنني تمنيتُ للحظة أن أسمع اسمه فقط كي أتحرر من هذه الدوامة التي لا تنتهي.
لم تصلني منه رسالة واحدة منذ عشرة أشهر. وحين سألتُ أحد العائدين من الحدود، أخبروني أنه أُرسل نحو الشرق، ومنذ ذلك الحين لم يسمع أحدٌ عنه شيئًا. الشرق… يا إلهي! لقد ابتلعه الشرق اللعين، ابتلعته تلك الأرض المجهولة التي لا تُعيد من يأوون إليها.
قطع حبل أفكاري صوتُ طرقٍ خفيف، لكنه واضح، فقفزتُ من مكاني، وتيار كهربائي بارد مرَّ في عمودي الفقري. لحظةُ تردد قصيرة شلَّت أطرافي، قبل أن أندفع نحو الباب بعجلة. مدت يدي المرتعشة نحو المقبض، لكنني لم أجرؤ على فتحه فورًا. أما في الخارج، فقد كان الصمت كثيفًا، له فمًا مفتوحًا على اتساعه، على وشك ابتلاعي.
تنهدتُ ببطء، ثم دفعتُ الباب. نظرت بترقب وتدفق الدم إلى رأسي بكثافة، ولكن لم يكن يوجد أي أحد في الخارج، كان الممر فارغًا.
تنهدتُ مرة أخرى وعدتُ أدراجي، كانت أنفاسي متلاحقة، وقلبي يدقُّ بجنون. جلستُ على حافة السرير، أراقب الظلال الطويلة التي ترقص على الجدران بفعل ضوء المصباح الخافت القادم من الخارج.
ثم لاحظتُ ذلك. النافذة التي كنتُ أقف عندها قبل قليل… كانت مفتوحة.
لم أفتحها. لا أذكر أنني فعلت. اقتربت بحذر، حدَّقت في الشارع. كان الجنود قد ابتعدوا، والمكان ساكنًا كما كان. كل شيء ثابت كما كان.
لكن شيئًا ما تغيّر، شيء ما تغيّر في هذا العالم خلال هذه الثواني. عند الزاوية، على الأرض الرطبة، كانت هناك آثارُ أقدام جديدة.
وقفت أمام النافذة المفتوحة. يتسلل هواء منتصف الليل الساكن كأيدٍ باردة تتحسس وجهي. وراحت المدينة تغط في صمت مريح وقداسي. تأملت السيجارة المشتعلة بين أصابعي، تتحلل ببطء ويتراقص دخانها متمايلًا نحو فراغ الفناء الخلفي.
لم أكن أدخن من قبل. ولكني صرت أدخنها مؤخرًا كلما شعرت بأن هذا القلق يفيض عن احتمالي.
أفكر... فكرت كثيرًا، في كل شيء. حتى في اللاشيء. في مستقبلي ككاتبة. هل هذا ما أريده؟ أم أنني فقط لدي ما أقوله. أشعر ببعض القلق، لو عرفت أمي أنني أصبحت أدخن ستصاب بخيبة أمل كبيرة، لا أخشى خذلانها. ولكني أكره أن أكون سببًا في تعاستها حتى ولو قليلاً.
ربما أريد أن أكون كاتبة لأنني أشعر أن هنالك شيء يصرخ في داخلي. بل هنالك أشياء كثيرة في رأسي ترفض أن تموت بصمت. تطالب بكل عنفوان أن تسرد، أن تقال، أن تُحكى، حتى ولو لجدار غرفتي أو لقطتي الصغيرة. لكن، ماذا بعد؟ الشهرة لست أريدها. لا أحبها ولا حتى بمختلف تمظهراتها الباهتة. تشعرني بالغثيان. سيعرفني كثير من الأشخاص الذين لم أقابلهم قط. سيتحدثون بلغتي. سيضعون أفكارهم في فمي كما فعلوا مع نيتشه أو سبينوزا، فأصبح اسمًا مجردًا ضمن كلمات لم أنطقها، وآراء لم أتبنها.
ولكن مهلاً، لماذا لم أقابل من قبل شخصًا نبيلًا وصادقًا بحق. لماذا يهوى الناس الكذب والتملق والتزييف؟ لعلي أبالغ في صدقي، هل أكون خاطئة إن كنت صادقة أكثر مما ينبغي؟ لا، أنا لست الطرف المخطىء هنا. بل العالم. هذا العالم المريض الذي يبتسم لك بينما يدس خنجرًا حادًا في يده.
خطر ميكافيلي في ذهني حينها، يريد أن يقول شيئًا، لعله يريد أن يسخر مني. عرفت أنه سيهجوني أنا ويمتدحهم هم. يقول هناك شيء ماكر في الكذب.
الماكرون وحدهم من صنعوا التاريخ،
أما الصدق؟ إن الصدق للخراف. امتعض وجهي، ولكني لم أكن خروفًا ولم أكن مخدوعة.
آهه، مكيافيلي أيها النفعي الأحمق، أنا أعرف أكثر منك ما الذي يتطلبه هذا العالم. أطفأت سيجارتي بضجر وأنا أفكر حينها بإنهاء هذا المونولوج.
أولئك الماكرون المخادعون. أين هم الآن؟ أين قصورهم وأين هي مؤمراتهم؟ لقد عبر التاريخ فوقهم جميعًا، طمس اسمائهم، تم نفيهم إلى بقاع العدم السرمدية، وبقيت كلماتك أنت يا مكيافيلي. نعم، بقيت. لأن فيها شيئًا من الحقيقة. الحقيقة التي قلتها أنت. يا للمفارقة، لقد أصحبت صادقًا رغمًا عنك.
"الصدق ليس للخراف، مكيافيلي" همست وأنا أخذ نفسًا عميقًا لإنعاش رئتي "بل لمن يجرؤ على حمله حتى النهاية."
لاحظت أن النقاد، بل حتى الكتّاب ونخبة المثقفين العرب شنّوا هجومًا مؤخرًا على الأدب الرديء ورّواده، وحتى أنهم أعلنوا عن أسماء يرونها شخصيات رديئة في الساحة الأدبية العربية غير أن هذا الهجوم في جوهره يثير تساؤلات فلسفية تتجاوز مسألة الجودة إلى بحث أعمق عن المعايير التي تحكم الأدب عمومًا وقيمته في الوعي الجماعي.
وإذا تأملنا في طبيعة الأحكام النقدية، نجد أنها تتشكل ضمن سياقات ثقافية وزمنية معينة، وهذه الأنماط ليست معزولة عن المنظومات الفكرية والاجتماعية التي تنتجها.
ومهما وسعنا نظرنا سنجد أن وجود الأدب الرديء لازم أو حتمي، تمامًا محتمية وجود الأدب العظيم، والذي سيحدد هذه الفواصل هي ذائقة متغيرة تخضع لشروط بعينها، ويمكننا أن نستحضر أمثلة جمة على ذلك من تاريخ الأدب، حيث وُصِف بعض الكتاب العظماء في أزمانهم بأنهم سطحيون أو حتى فوضويون، ثم وبعد فترات طويلة تم إعادة تقيمهم في ضوء معايير جديدة تمامًا.
على سبيل المثال، مالارميه، شاعر ورائد الرمزية الفرنسية، أعتبر حينها شاعرًا صعب الفهم ومبهمًا حتى بين معاصريه، وربما ذلك لانه كما ذكرت كان ينتمي الى الحركة الرمزية في بداياتها قبلت بالرفض أو حتى سوء الفهم، خصوصًا من الجمهور العام والنقاد التقليديين. كذلك "فرانز كافكا" لم يتلقَ أي اعتراف أدبي إلا بعد وفاته، فكيف يمكننا الجزم اليوم بكل هذه الصرامة، بأن الحكم الحالي على بعض الأعمال الأدبية هو حكم نهائي لا رجعة فيه ؟
ومن زاوية أخرى يمكن القول إن الهجوم على الأدب الرديء قد يعكس أزمة أعمق في المشهد الثقافي العربي، وهي أزمة تتعلق بتصور المثقف لدوره وموقعه في المجتمع، وكما يبدو لي في بعض الحوانب إن الأمر ليس مجرد رفض جمالي بقدر ما هو تعبير عن إحباط أيديولوجي أو شعور بانحسار التأثير الثقافي أمام المد الجماهيري. وقد تكون "الرداءة" في بعض تجلياتها رد فعل على نخبوية متصلبة ظلت لعقود تعيد إنتاج ذاتها. ويمكننا إتخاذ الأدب السوداني مثالاً على ذلك.
إن خطورة الهجوم غير الممنهج على ما يسمى بالأدب الرديء تكمن في إمكانية تحوله إلى نوع من الإقصاء الثقافي، و الإبداع حتى في أكثر اشكاله هشاشة يظل تعبيرًا عن التجربة الإنسانية.
وإذا كنا بحاجة ملحة إلى محاربة الأدب الرديء فنحن بحاجة إلى فهمه وفهم أبعاده أولاً، وفهم إن كان ينبغي إقصاؤه فعلاً، أم الإعتراف به جزءًا من مسار الأدب الذي يعكس تحولات المجتمع.
في النهاية، تظل الرداءة في الأدب ظاهرة ضرورية بقدر ما هي مزعجة، وذلك لأنها تعيد تشكيل الحدود بين الإبداع والابتذال، وتدفعنا بشكل مستمر إلى اعادة تعريف ماهية الأدب ذاته.
يقولون إن الناس يصدقون ما يريدون تصديقه. عبارة اختزالية، مريحة سهلة الهضم، وتُقال بثقة كبيرة في كثير من الأحيان ولكأنها قانون ثابت. لكنها لم تكن مقتنعة بذلك تمامًا. كانت تجلس في مقهى نصف مضاء، وكانت ملامحها الهادئة تحمل شيء من الدماثة حينئذ، تتأمل بشرود دوامة صغيرة من الحليب وهي تختفي في سواد قهوتها. لو كان العقل مجرد وعاء يُسكب فيه ما نرغب بتصديقه فقط، فلماذا إذن تشعر هي أحيانًا بأن الحقيقة تتسلل إليها رغمًا عنها، بلا إذن، بلا مفاضلة، بلا خيار؟
تنهدت بخفة وهي ترهف سمعها نحو الضوضاء من خلفها، الحقيقة ليست قرارًا، بل موجة بطيئة تغمر كل شيء، تتشكل، تتشظى، تتقولب، تتكسر، لكنها لا تزول.
أما أولئك الذين يفرون منها، فيعيشون في الظلال، حيث كل شيء ضبابي، طري، ناعم الحواف، مجازي لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة. فتجدهم يستجيرون خلف قصص حاكوها بأنفسهم.
ولكنهم على أي حال لا يشكلون أي خطر سوى على أنفسهم، ظاهرون للغاية، وجوههم مألوفة، أحاديثهم مكررة، خطواتهم خفيفة، كلماتهم محسوبة. لا يواجهون ثقل الحقيقة، لم تلمس جلودهم خشونتها ولا لسعاتها بعد، ومع الوقت وحين يختلط النقد باليقين، تبدأ عقولهم في التحلل والتعفن، مثل ورقة غار تُركت تحت المطر.
في الخارج، انعكست أضواء الشارع على الزجاج المهشم قرب الرصيف. الحقيقة، حين تُترك دون تدقيق ومعالجة، تصبح مثل ذلك الزجاج تعكس ما حولها، لكن بشكل مشوه ومضلل.
ربما يصدق الآخرون ما يريدون تصديقه، لكن فقط عندما يتخلى العقل عن سلطته الأخيرة: القدرة على الحكم.